شرح قول المصنف : وقوله سبحانه : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن
الشيخ : قال المؤلف : وقولُه ولا وقولِه ؟ نشوف : " ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص وما وصف نفسه في أعظم آية من كتاب الله وقولِه " بالجر يعني وما وصف نفسه به في قوله سبحانه وتعالى (( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ )) هذه أربعة أسماء كلها متقابلة بالزمن والمكان تفيد إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء أولا وآخرا وكذلك في المكان يعني فيه الإحاطة الزمانية والإحاطة المكانية والأول فسره النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : ( الذي ليس قبله شيء ) وهنا فسر الإثبات بالنفي فجعل هذه الصفة الثبوتية صفة سلبية ونحن قد ذكرنا فيما سبق أن الصفات الثبوتية أكمل وأكثر فلماذا ؟ نقول هذا فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بذلك لتوكيد الأولية يعني أولية ليست أولية إضافية لأن الأولية قد تكون إضافية فيقال هذا أول يعني باعتبار ما بعده وفيه شيء آخر قبل تقول مثلا دخل علي فلان بيتي هو الأول طيب هو الأول بالنسبة لكل من دخل البيت ولا بالنسبة لمن دخل هذه المرة ؟ هذه المرة فلما كانت الأولوية قد يراد بها الأولوية النسبية صار تفسيرها بأمر سلبي أدل على العموم على أنها اولوية مطلقة ولهذا قال ( ليس قبله شيء ) وهذا باعتبار التقدم الزمني.
طيب (( وَالآخِرُ )) فسره النبي عليه الصلاة والسلام بقوله : ( الذي ليس بعده شيء ) ولا تتوهمن أن هذا يدل على غاية لآخريته لا لأن هناك أشياء أبدية وهي من المخلوقات كالجنة والنار وعليه يكون معنى (( الآخِرُ )) أنه سبحانه وتعالى محيط بكل شيء حتى الذي لا نهاية له فليس بعده شيء .
(( الظَّاهِرُ )) من الظهور وهو العلو كما قال تعالى : (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ )) أي ليعليه ومنه ظهر الدابة لأنه عال عليها ومنه قوله تعالى : (( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا )) أن يظهروه يعني : يعلوا عليه وهكذا فالظاهر قال النبي عليه الصلاة والسلام في تفسيرها : ( الذي ليس فوقه شيء ) فهو فوق كل شيء وليس فوقه شيء .
(( الْبَاطِنُ )) : فسره النبي عليه الصلاة والسلام قال : ( الذي ليس دونه شيء ) وهذا كناية عن إحاطته بكل شيء ليس دونه شيء لا يحول دونه جبل ولا سقف ولا ماء ولا شجر ولا أي شيء ليس دونه شيء فهو واصل إلى كل شيء سبحانه وتعالى ولكن المعنى أنه مع علوه عز وجل فهو باطن هو ظاهر وباطن فمع علوه لا ينافي قربه عز وجل فالباطن قريب من معنى القريب لأنه قال ( ليس دونه شيء ) أي لا يحول دونه شيء بل هو يصل إلى كل شيء سبحانه وتعالى هذا هو معنى الباطن .
تأمل هذه الأسماء الأربعة تجد أنها متقابلة علو والثاني دنو العلو في الظاهر والدنو في الباطن أول أولية وآخرية الأولية في الأول والآخرية في الآخر فهو محيط بكل شيء بكل الأزمان وبكل الأماكن عز وجل ثم تأمل الواو في قوله : (( هو الأول والآخر والظاهر والباطن )) يعني كلها خبر عن مبتدأ واحد لكن بواسطة حرف العطف والأخبار بواسطة حرف العطف أقوى من الأخبار بدون واسطة حرف العطف فمثلا (( وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ )) هذه أخبار متعددة بدون حرف العطف نعم لكن أحيانا تأتي واو العطف فما فائدتها ؟ فائدتها :
أولا : توكيد السابق لأنك إذا عطفت عليه جعلته أصلا والأصل ثابت فإذا قلت : الأول والآخر كأنك تقول : هو الأول ومع ذلك مع تأكد أنه أول هو آخر فيكون الفائدة من ذلك تأكيد ما سبق لأنه معطوف عليه والمعطوف عليه أصل فأنت الآن أصلت .
ثانيا : إفادة الجمع لأن الواو كما هو معروف في النحو تقتضي إيش ؟ الجمع فلما كان الذهن قد يقول : إن الأول الآخر بينهما بون بون بعيد والظاهر والباطن كذلك أتى بالواو الدالة على الجمع وأن اجتماع هذين الوصفين للرب عز وجل أمر ممكن ولا مستحيل ؟ ممكن أمر ممكن فيكون فيه تأكيد الإمكان الذي قد يفرض الذهن أنه مستحيل أن يكون أول قبل كل شيء وآخر بعد كل شيء لأن مقتضى الترتيب أن الأول يفنى قبل الذي بعده لكن قال لا هو الأول والآخر أيضا فهذا هو فائدة الإتيان بالواو بحرف العطف ولا يستلزم ذلك تعدد الموصوف أرأيت قوله تعالى : (( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى )) هذا هو الأول ولا الآخر ؟ هو الأول والذي خلق وسوى هو الذي قدر وهدى (( والذي أخرج المرعى كذلك )) هو هذا فإذا قلت : المعروف أن العطف يقتضي المغايرة ؟
فالجواب : نعم لكن المغايرة تارة تكون بالأعيان وتارة تكون بالأوصاف وهذا تغاير أوصاف على أن التغاير قد يكون غير معنوي قد يكون لفظيا فقط ما هو معنوي لا عيني ولا معنوي مثل قول الشاعر :
" فألفى قولها كذبا ومينا "
المين هو الكذب ومع ذلك عطفه عليه نعم لتغاير إيش ؟ لتغاير اللفظ المعنى واحد فالتغاير إذا إما عيني أو معنوي أو لفظي ولا مانع .
طيب الآن التغاير هنا في قوله : (( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى )) تغاير معنوي لكن باعتبار الصفة لكن لو قلت : جاء زيد وعمرو وبكر وخالد فالتغاير عيني في الأعيان لا في الأوصاف .
استفدنا من هذه الآية الكريمة (( هو الأول والآخر )) إثبات أربعة أسماء من أسماء الله وهي الأول والآخر والظاهر والباطن .
واستفدنا منها أربع صفات : الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية نعم من هذه الأسماء .
واستفدنا من مجموع الأسماء إحاطة الله تعالى بكل شيء زمنا ومكانا لأنه قد يحصل من اجتماع الأوصاف زيادة صفة مثل (( إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا )) العفو صفة كمال اسم يدل على صفة كمال فالعفو صفة كمال والقدرة صفة كمال أيضا لكن باجتماعهما يكون كمال فوق الأول ما هو ؟ أنه عاف مع القدرة وهذا كمال لأن العفو بدون قدرة عجز قد لا يمدح عليه العافي بخلاف إذا اجتمعا فالمهم أننا نأخذ من هذه الآية الكريمة أربعة أسماء وأربع صفات وصفة ثالثة اجتماع هذه الأشياء وهي الإحاطة .
طيب إذا قال قائل : هل هذه الأسماء متلازمة ؟ بمعنى أنك إذا قلت : الأول فلا بد تقول الآخر أو يجوز فصل بعضها عن بعض ؟
فالظاهر لي أنها متلازمة وأنك إذا قلت : الأول فقل الآخر أما الظاهر فهي مع الباطن الظاهر مع الباطن ما هو لازم تذكرها مع الأول والآخر يعني لك أن تقول الأول والآخر فقط أما الظاهر ما تفصلها عن الباطن هذا هو الأحسن لماذا ؟ لئلا تفوت صفة المقابلة الدالة على الإحاطة .