شرح قول المصنف :وقوله ( فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين )
الشيخ : قال : (( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )) سبحانه وتعالى قالها من ؟ يعقوب حين أرسل مع أبنائه أخا يوسف الشقيق لأن يوسف عليه الصلاة والسلام قال ما يمكن أعطيكم كيل إذا رجعتم إلا إذا أتيتم بأخيكم فبلغوا والدهم هذه الرسالة ومن أجل الحاجة أرسله معهم وقال لهم عند وداعه (( هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ )) ولكن ماذا أقول ؟ (( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )) يعني لن تحفظوه ولكن الله هو الذي يحفظه (( خَيْرٌ حَافِظاً )) (( حَافِظاً )) قال العلماء إنها تمييز كقول العرب: لله دره فارسا وقيل إنها حال من فاعل خير فـ(( اللَّهُ خَيْرٌ )) حال كونه حافظا .
(( وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )) الشاهد من الآية هنا قوله (( وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )) حيث أثبت الله عز وجل الرحمة بل بيّن أنه أرحم الراحمين لو جمعت رحمة الخلق كلهم بل رحمات الخلق كلهم لكانت رحمة الله أشد وأعظم، أرحم ما يكون من الخلق بالخلق رحمة الأم ولدها فإن رحمة الأم ولدها لا يساويها شيء أبدا حتى الأب لا يرحم أولاده مثل أمهم .
جاءت امرأة في السبي تطلب ولدها تبحث عنه فلما رأته أخذته بشفقة وضمته إلى صدرها أمام الناس وأمام الرسول عليه الصلاة والسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتُرَون أن هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قالوا : لا والله يا رسول الله ما تلقي ولدها في النار قال : لله بعباده أرحم من هذه الوالدة بولدها ) الله أكبر إذا الله عز وجل هو أرحم الراحمين كل الراحمين إذا جمعت رحماتهم كلها فليست بشيء ويدلك على هذا أن الله عز وجل خلق مئة رحمة وضع منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلائق في الدنيا رحمة واحدة كل الخلائق تتراحم البهائم والعقلاء كلها تتراحم ولهذا تجد البعير الجموح الرموح ترفع رجلها عن ولدها مخافة أن تصيبه يأتي إليها يرضع ترفع رجلها حتى يستأنس ويرضع بسهولة وبمهلة بل إني أحدثكم أنني رأيت أنا بعينبي الذر تعرفون الذر كان فيه نخلة سقيناها الماء وكان حولها بيوت للذر تسرب الماء للبيوت من أسفل فرأيت بعيني كل ذرة معها ولدها تحمله تذهب به بعيدا عن الرطوبة ماسكته أبيض ماسكتو بفمها كلها تركض عن هذا الماء بأولادها ما نسيت ولدها في هذه الحال أتشرد عمري وأخليه أبدا تحمله سبحان الله العظيم وهي ذرة ما تساوي شيئا فكيف عاد بما هو أعظم من ذلك تجد السباع الشرسة تجدها تحن على ولدها وإذا جاءها أحد في جحرها مع أولادها تبيع نفسها عليه لو معها البندق وهو صياد أبدا تفتن عليه حتى ترده عن أولادها الله عز وجل يقول (( وهو أرحم الراحمين )) وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الأدلة العقلية على ثبوت الرحمة وآثارها .
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
في الدرس الماضي ساق المؤلف رحمه الله شيئا من الآيات الدالة على إثبات الرحمة لله عز وجل وشرحنا منها ما تيسر وهي أدلة سمعية على إثبات الرحمة لله عز وجل وعليه فيجب علينا أن نعتقد بأن لله رحمة يرحم بها من شاء من عباده وجوبا لأن الله أخبر بها عن نفسه فوجب علينا قبولها هل هناك أدلة عقلية أيضا ؟ نقول نعم فيه أدلة عقلية تثبت الرحمة لله عز وجل ما نرى من الخيرات الكثيرة التي تجري بأمر الله عز وجل، وما نرى من النقم الكثيرة التي تندفع كله دال على إثبات الرحمة عقلا، فالناس في جدب وفي قحط الأرض مجدبة والسماء قاحطة لا مطر ولا نبات فينزل الله المطر وتنبت الأرض وتشبع الأنعام ويسقي الناس هذا دليل على أي شيء ؟ على رحمة الله حتى العامي الذي ما درس لو سألته وقلت هذا من أي أثر أثر إيش ؟ قال هذا من آثار رحمة الله هذا من رحمة الله ولا يشك أحد في هذا فرحمة الله عز وجل ثابتة بالدليل السمعي والدليل العقلي .
طيب هذان بحثان إثباتها بالدليل السمعي أولا الإيمان بأن لله رحمة والثاني إثباتها بالدليل السمعي والعقلي .
المبحث الثالث : أنكر الأشاعرة وغيرهم من أهل التعطيل أن يكون الله تعالى متصفا بالرحمة أنكروا ذلك لماذ ؟ قالوا : لأن العقل لم يدل عليها .
ثانيا : لأن الرحمة رقة وضعف وتطامن للمرحوم وهذا لا يليق بالله عز وجل لأن الله أعظم من أن يرحم يعني أن يرحم بالمعنى الذي هو الرحمة ولا يمكن أن يكون لله رحمة إذا هذه الآيات التي يثبت الله له بها الرحمة ؟ قال نعم المراد بالرحمة إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه يعني إما النعم أو إرادة النعم وليس هو رحمة أو من آثار رحمته الذي هو وصف الله فتأمل الآن كيف سلبوا هذه الصفة العظيمة التي كل مؤمن يرجوها ويؤملها كل إنسان لو سألته ماذا تريد ؟ قال أنا أريد رحمة الله (( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )) هم أنكروا هذا والعياذ بالله وقالوا ما يمكن أن يوصف الله بالرحمة ونحن نرد عليهم قولهم فنقول : بالمنع والتسليم كما قلنا من قبل بالمنع والتسليم :
التسليم أن نقول : هب أن العقل لا يدل عليها ولكن السمع دل عليها فثبتت بدليل آخر والقاعدة عند جميع العقلاء : " أن انتفاء الدليل المعين يعني الخاص لايمنع وجود المدلول أو لا يستلزم انتفاء المدلول " يعني هب أن هذا لم يثبت بالعقل لكن ثبت بالسمع وكم من أشياء مدلولات لا مو بالسمع ثبتت بأدلة كثيرة .
أما المنع فنقول : إن قولكم إن العقل لا يدل على الرحمة قول باطل بل العقل يدل على الرحمة هذه النعم المشهودة والمسموعة وهذه النقم المدفوعة ما سببها ؟ ها سببها الرحمة بلا شك لو كان الله لا يرحم العباد ما أعطاهم النعم ولا دفع عنهم النقم وهذا أمر مشهود يشهد به الخاص والعام والعامي في دكانه أو متجره أو سوقه يعرف أن هذه النعم من آثار الرحمة .
والعجيب أن هؤلاء القوم أثبتوا صفة الإرادة عن طريق التخصيص قالوا : الإرادة ثابتة لله تعالى بالسمع والعقل بالسمع : واضح (( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )) بالعقل قال : لأن التخصيص يدل على الإرادة ويش معنى التخصيص ؟ يعني تخصيص المخلوقات بما هي عليه يدل على الإرادة كون هذه السماء سماء وهذه الأرض أرض وهذه النجوم وهذه الشمس هذه مختلفة ولا متفقة ؟ مختلفة، بسبب إيش ؟ بسبب الإرادة أراد الله أن تكون السماء سماء فكانت وأن تكون الأرض أرضا فكانت والنجم نجما فكان وهكذا، قالوا فالتخصيص تخصيص المخلوقات يدل على الإرادة لأنه لولا الإرادة لكان الكل شيئا واحدا ما يخصص بعضهم عن بعض .
نقول لهم يا سبحان الله العظيم هذا الدليل بالنسبة لدلالة النعم على الرحمة أيهما أقوى وأظهر ؟ دلالة النعم على ثبوت الرحمة أقوى بكثير وأجلى وأظهر لأن دلالة النعم على الرحمة يستوي في علمها العام والخاص وهذه لا يعرفها إلا الخاص من طلبة العلم فكيف تنكرون ما هو أجلى وتثبتون ما هو أخفى ؟ وهل هذا إلا تناقض ؟
طيب بالنسبة للأمر المسلكي الذي يؤخذ من هذه الآيات هو أن الإنسان ما دام يعرف أن الله تعالى رحيم فسوف يتعلق برحمة الله ويكون منتظرا لها فيحمله هذا الإعتقاد على فعل كل سبب يوصل إلى الرحمة منها : الإحسان ولا لا ؟ ومنها التقوى فالإحسان قال الله فيه : (( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )) والتقوى قال : (( فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ )) إلى آخره ومنها الإيمان فإنه من أسباب رحمة الله كما قال تعالى : (( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً )) وكلما كان الإيمان أقوى كانت الرحمة إلى صاحبه أقرب .