مذاهب الناس في قوله تعالى "ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما" وتحقيق القول الصواب فيها .
الشيخ : والآن قرب انتهاء الدرس لكن نتكلم عن آية القتل التي سبق الكلام عليها وهي قوله تعالى : (( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا )) هذه الآية فيها إشكال على مذهب أهل السنة والجماعة والناس انقسموا فيها أولا إلى قسمين :
القسم الأول : من أخذ بظاهرها وهجر ما سواها مما يرفع هذا الظاهر مثل الخوارج والمعتزلة لأن الخوارج والمعتزلة يقولون : إن فاعل الكبيرة مخلد في النار لكن الخوارج يقولن كافر والمعتزلة يقولون في منزلة بين المنزلتين على رأي هؤلاء وهو رأي فاسد يبقى في الآية إشكال ولا لا ؟ ما يبقى إشكال لأنهم يقولون نحن نقول بموجبه وأن القاتل قد فعل كبيرة من كبائر الذنوب وهو مخلد في النار .
القسم الثاني : أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من أهل الإرجاء وغيرهم الذين قالوا : إن القاتل لا يخلد في النار، اختلفت أجوبتهم في هذه الآية على عدة أقوال ذكرناها بالأمس :
القول الأول : أن هذا فيمن استحل قتل المؤمن فإنه هو الذي يخلد في النار وذكرنا أن الإمام أحمد أنكر هذا القول وقال : " إنه إذا استحل قتله فهو كافر قتله أم لم يقتله " صح طيب وبهذا الجواب أو بمثل هذا الجواب نجيب من حمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحدا لوجوبها حيث قال من تركها جاحدا لوجوبها نقول له ويلك إذا جحد وجوبها فهو كافر وإن صلى كيف الرسول يقول من تركها وأنت تقول من جحدها هذا تحريف للنص طيب .
القول الثاني : يقول هذا جزاؤه إن جازاه فيكون على تقدير الشرط لكن هذا الجواب هل يرتفع به الإشكال ؟ لا يرتفع لأنه إذا كان إذا جازاه فهذا جزاؤه بقيت المشكلة أنه كيف يجازيه بهذا الجزاء مع أنه ليس بكافر واضح لكن فيه تخلص ظاهري فقط أما حقيقة وعند التعمق ما يكون جوابا صحيحا .
الوجه الثالث : قالوا إن هذه في الكافر (( ومن يقتل مؤمنا متعمدا )) يعني من الكفار (( فجزاؤه جهنم خالدا فيها )) إلى آخره ونقول هذا جواب أيضا فيه نظر لأن الكافر يخلد في النار على كفره حتى وإن لم يقتل وإذا قتل مؤمنا وهو كافر ثم من الله عليه بالإسلام فالإسلام يهدم ما قبله فلا يستقيم كم هذه ؟ ثلاثة .
الرابع : أن المراد بالخلود المكث الطويل وليس المراد به المكث الدائم لأن اللغة العربية يطلق فيها الخلود على المكث الطويل كما يقال : فلان خالد في الحبس والحبس دائم ؟ ليس بدائم ويقول فلان خالد خلود الجبال ومعلوم أن الجبال سوف (( يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا )) لكن هذا المراد المكث الطويل واضح، وهذا أيضا أظنه جوابا سهلا ما يبي تعب فنقول الله عز وجل لم يذكر التأبيد ما قال خالدا فيها أبدا قال (( خَالِداً فِيهَا )) والمعنى أنه ماكث مكثا طويلا نعم .
الوجه الخامس : أن يقال إن هذا من باب الوعيد والوعيد يجوز إخلافه لأنه انتقال من العدل إلى الكرم والانتقال من العدل إلى الكرم كرم وثناء نعم وأنشدوا عليه قول الشاعر :
" وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي "
وإني إن أوعدته شو ؟ بالعقوبة مثلا أو وعدته بالثواب لمخلف إيعادي ومنجز موعدي .
قالوا وأنت إذا قلت لابنك : والله إن ذهبت إلى السوق لأضربنك بهذا العصا وراح إلى السوق فلما رجع ضربته بيدك ويش يرى هذا ؟ كرم ولا لا ؟ لأنه أهون المرة الثانية قلت والله لئن ذهبت إلى السوق لأضربنك بهذا العصا شوف العصا هذا العصا المتين فذهب إلى السوق ورجع قلت له ليش تروح للسوق ؟ اصحى لا عاد تروح للسوق يلا ادخل تغدى ويش يعد هذا ؟ هذا كرم أكرم من الأول .
فقالوا : إذا توعد الله عز وجل القاتل بهذا الوعيد ثم أخلف فهذا كرم، ولكن هذا في الحقيقة فيه شيء من النظر لأننا نقول إن نفذ هذا الوعيد فالإشكال باقي وإن لم ينفذ فلا فائدة منه .
القول السادس : أن يكون هذا هو التهديد والوعيد واحد أن يكون هذا من باب ذكر السبب أي أن قتل النفس عمدا سبب للخلود في النار سواء قلنا إنه يكون سببا لأنه إذا قتل نفسا والعياذ بالله ربما يزيغ قلبه كما جاء في الحديث : ( لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ) فإذا زاغ قلبه وكفر استحق الخلود عرفت أو لا ؟ فيكون هذا مآل سبب ها ناتج عن سبب يعني سبب السبب يكون هذا موجب الخلود لأنه سبب السبب فهو لقتله المؤمن عمدا يزيغ قلبه فيكفر فيخلد في النار وإذا كان كذلك فهذا يكون الله تعالى ذكر هذا السبب تحذيرا وتخويفا من السبب الآخر الذي يلزم منه .
والسابع : يقول هذا سبب مباشر ليس سبب لكن هذا السبب له مانع فليس كل سبب يكون مؤثرا لكن الأصل تأثيره إلا إذا وجد المانع ووجود المانع أمر ليس متيقنا قالوا ونظير ذلك أن تقول القرابة سبب للميراث سبب فالإنسان والد يرث ولد يرث لكن قد يقوم به مانع كالرق والقتل فلا يرث فيكون ما ذكر في الآية سببا لكن إذا وجد مانع وهو الإيمان فإنه يمنع من الخلود في النار .
هذه سبعة أوجه في الجواب عن الآية وأقربها كما قلنا الأخير والذي قبله اللي هو سبب السبب والمكث الطويل هو الرابع أظن الرابع هو أسهلها أيضا وما دامت اللغة العربية تأتي بهذا المعنى وهو أسهل تصورا وأقل تكلفا .
بقي علينا أن نقول إذا تاب القاتل هل يستحق الوعيد إذا تاب ؟ لا يستحق الوعيد بنص القرآن لقوله تعالى : (( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ )) وهذا واضح أن من تاب حتى من القتل فإن الله تعالى يبدل سيئاته حسنات والحديث الصحيح ( في قصة الرجل من بني إسرائيل الذي قتل تسعا وتسعين نفر فألقى الله في نفسه التوبة فجاء إلى عابد قال له : إنه قتل تسع وتسعين نفس فهل له من توبة العابد استعظم الأمر قال لا ما لك توبة تسعة وتسعين نفس تقتلها وتجي تقول هل لي من توبة ما لك من توبة قال نكمل بك المائة فقتله أتم به المائة فدل على عالم شوف فضل العلم دل على عالم قال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة قال نعم من يحول بينك وبين التوبة الله أكبر ولكن هذه القرية ظالم أهلها فاذهب إلى القرية الفلانية فيها أهل خير وصلاح فسافر الرجل هاجر من بلده إلى بلد الخير والصلاح فوافته المنية في أثناء الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى أنزل الله بينهم حكما وقال قيسوا ما بين القريتين فإلى أيتهما كان أقرب، فهو من أهلها فكان أقرب إلى أهل القرية الصالحة فقبضته ملائكة الرحمة ) الله أكبر .
شوف الآن من بني إسرائيل مع أن الله قد جعل عليهم آصارا وأغلالا وهذه الأمة رفع عنها الآصار والأغلال فالتوبة في حقها أسهل فإذا كان هذا في بني إسرائيل فكيف بهذه الأمة .
فإن قلت : ماذا تقول فيما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن القاتل ليس له توبة " ؟
فالجواب : من أحد الوجهين :
إما أن ابن عباس رضي الله عنهما استبعد أن يكون للقاتل عمدا توبة ورأى أنه لا يوفق للتوبة وإذا لم يوفق للتوبة فإنه لا يسقط عنه الإثم ويؤاخذ به .
وإما أن يقال : إن قصد ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول لأن القاتل عمدا يتعلق به ثلاثة حقوق نعدها أنا وإياكم :
الحق الأول : لله .
والثاني : للمقتول .
والثالث : لأولياء المقتول .
أما حق الله فلا شك أن التوبة تجدي فيه (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً )) ولا إشكال فيه وبالإجماع الظاهر .
حق أولياء المقتول يسقط إذا سلم الإنسان نفسه لهم جاء لهم وقال : أنا قتلت صاحبكم واصنعوا ما شئتم تبون الدية تبون القصاص تسمحون فهم إما أن يقتصوا أو يأخذوا الدية أو يعفوا الحق لهم هذا الرجل أيضا تخلص من أولياء المقتول .
بقي القاتل كيف يتخلص منه ما فيه المقتول قصدي المقتول كيف يتخلص منه ؟ لا سبيل إلى التخلص منه في الدنيا فما بقي إلا هو، هذا معنى قول ابن عباس إنه لا توبة له أي بالنسبة لمن ؟ لحق المقتول أما حق الله وحق أولياء المقتول فقد تخلص منها على أن الذي يظهر لي أنه إذا تاب توبة نصوحا فإنه حتى حق المقتول يسقط لا إهدارا لحقه ولكن الله عز وجل بفضله يتحمل عن القاتل ويعطي المقتول رفعة درجات في الجنة أو عفو عن السيئات لأن التوبة الخالصة لا تبقي شيئا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( التوبة تجب ما قبلها ) فإذا صدق الإنسان في توبته فإن الله سبحانه وتعالى يتحمل إرضاء المقتول إما بزيادة الثواب والدرجات في الجنة وإما بالعفو عن السيئات والله أعلم نعم .
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
سبق لنا من الصفات التي جمعها المؤلف رحمه الله الرضى والغضب والسخط والمقت والكراهة نعم خمس صفات وقلنا إن بعضها قريب من البعض الآخر فالكره والبغض متقاربان وإن كان كل واحد منهما قد يكون فيه زيادة على الآخر وكذلك السخط والغضب والمقت إلا أن المقت قال العلماء هو أشد البغض فيكون من القسم الأول اللي هو الكراهة والبغض .
وذكرنا أيضا أن هذه تتعلق بالعامل والعمل وذكرنا أيضا أنه قد دل عليها السمع والعقل وذكرنا أن فائدتها المسلكية هي أن الإنسان يحرص على تجنب ما فيه الكراهة والغضب والسخط ويفعل ما فيه الرضى والمحبة والقبول .