تتمة التعليق على قول شارح الطحاوية " ... وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين، قال: ( قال أهل اليمن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر، فقال:( كان الله ولم يكن شيء قبله )، وفي رواية: ( ولم يكن شيء معه ) ، وفي رواية غيره:( وكان عرشه على الماء؛ وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض ) ، وفي لفظ: ( ثم خلق السماوات والأرض ). فقوله: ( كتب في الذكر ) : يعني اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: (( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر )) ؛ يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا، كما يسمى ما يكتب في الكتاب كتابا. والناس في هذا الحديث على قولين: منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن الله كان موجودا وحده ولم يزل كذلك دائما، ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث، فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، وأن الله صار فاعلا بعد أن لم يكن يفعل شيئا من الأزل إلى حين ابتداء الفعل ولا كان الفعل ممكنا. والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن بذلك في غير موضع، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل خلق السماوات بخمسين ألف سنة، وأن عرش الرب - تعالى - كان حينئذ على الماء..."