قراءة الطالب لشرح الطحاوية " ... دليل صحة هذا القول الثاني من وجوه: أحدها: أن قول أهل اليمن"جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر "، هو إشارة إلى حاضر مشهود موجود، والأمر هنا بمعنى المأمور، أي الذي كونه الله بأمره. وقد أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بدء هذا العالم الموجود، لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم يسألوه عنه، وقد أخبرهم عن خلق السماوات والأرض حال كون عرشه على الماء، ولم يخبرهم عن خلق العرش، وهو مخلوق قبل خلق السماوات والأرض. وأيضا فإنه قال: ( كان الله ولم يكن شيء قبله ) ، وقد روي (معه)، وروي (غيره)، والمجلس كان واحدا، فعلم أنه قال أحد الألفاظ والآخران رويا بالمعنى، ولفظ القبل ثبت عنه في غير هذا الحديث. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: ( أنه كان يقول في دعائه: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء )، الحديث. واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر، ولهذا كان كثير من أهل الحديث إنما يرويه بلفظ القبل، كالحميدي والبغوي وابن الأثير. وإذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق. وأيضا: فإنه يقال: ( كان الله ولم يكن شيء قبله ) أو( معه )أو(غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ) . فأخبر عن هذه الثلاثة بالواو، ( وخلق السماوات والأرض ) روي بالواو وبثم، فظهر أن مقصوده إخباره إياهم ببدء خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذكر السماوات والأرض بما يدل على خلقهما، وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده، ولم يتعرض لابتداء خلقه له. وأيضا: فإنه إذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا، فلا يجزم بأحدهما إلا بدليل، فإذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد المعنى الآخر فهو مخطئ قطعا، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر، فلا يجوز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث، ولم يرد ( كان الله ولا شيء معه ) مجردا، وإنما ورد على السياق المذكور، ولا يظن أن معناه الإخبار بتعطيل الرب - تعالى - دائما عن الفعل حتى خلق السماوات والأرض. وأيضا: فقوله - صلى الله عليه وسلم: ( كان الله ولم يكن شيء قبله )، أو( معه )، أو( غيره )،( وكان عرشه على الماء ) ، لا يصح أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق معه أصلا؛ لأن قوله: ( وكان عرشه على الماء ) يرد ذلك، فإن الجملة وهي: ( كان عرشه على الماء ) إما حالية، أو معطوفة، وعلى كلا التقديرين فهو مخلوق موجود في ذلك الوقت، فعلم أن المراد ولم يكن شيء من العالم المشهود..." مع تعليق الشيخ.