شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : "... باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية قال الله تعالى : (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة )) ، وقال تعالى : (( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم )) ، وقال تعالى : (( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله )) ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف رحمه الله تعالى : " باب إخلاصِ النية لله عز وجل ، واستحضارِ ذلك في جميع الأقوال والأفعال والأحوال البارزة والخفية " : النية محلها القلب ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال ، ولهذا كان مَن نطق بالنية عند إرادة الصلاة أو الصوم أو الحج أو الوضوء أو غير ذلك مِن الأعمال كان مبتدعا ، قائلا في دين الله ما ليس منه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ ويصلي ويتصدق ويصوم ويحج ولم يكن ينطق بالنية ، لم يكن يقول : اللهم إني نويت أن أتوضأ ، اللهم إني نويت أن أصلي ، اللهم إني نويت أن أتصدق ، اللهم إني نويت أن أصوم ، اللهم إني نويت أن أحج ، ما كان يقول هذا ، وذلك لأن النية محلها القلب ، والله عز وجل يعلم ما في القلب ولا يخفى عليه شيء ، كما قال الله تعالى في الآية التي ساقها المؤلف : (( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله )) .
ويجب على الإنسان أن يخلص النية لله سبحانه وتعالى في جميع عباداته ، وألا ينوي بعبادته إلا وجه الله والدار الآخرة ، وهذا هو الذي أمر الله به في قوله : (( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين )) أي : مخلصين له العمل ((ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة )) ، وينبغي أن يستحضر النية ، أي : نية الإخلاص في جميع العبادات ، فينوي مثلا الوضوء وأنه توضأ لله ، وأنه توضأ امتثالا لأمر الله ، فهذه ثلاثة أشياء : نية العبادة ، ونية أن تكون لله ، ونية أنه قام بها امتثالا لأمر الله ، هذا أكمل شيء في النية ، كذلك في الصلاة تنوي الصلاة وأنها الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر أو ما أشبه ذلك ، وتنوي أنك إنما تصلي لله عز وجل لا لغيره ، لا تصلي رياء ولا سمعة ، لا لتمدح على صلاتك ، ولا لتنال شيئا من المال أو الدنيا ، ثالثا : تستحضر أنك تصلي امتثالا لأمر ربك ، حيث قال : (( أقم الصلاة )) (( فإذا اطمئننتم فأقيموا الصلاة ))، (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ )) إلى غير ذلك من الأوامر .
وذكر المؤلف رحمه الله عدة آيات كلها تدل على أن النية محلها القلب ، وأن الله سبحانه وتعالى عالم بنية العبد ، ربما يعمل العبد عملا يظهر أمام الناس أنه عملٌ صالح وهو عمل فاسد أفسدته النية ، لأن الله تعالى يعلم ما في القلب ، ولا يجازى الإنسان يوم القيامة إلا على ما في قلبه ، لقول الله تعالى : (( إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ )) يعني : يوم تختبر السرائر البواطن القلوب ، كقوله : (( أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ )) ففي الآخرة يكون الثواب والعقاب والعمل والاعتبار بما في القلب ، أما في الدنيا فالعبرة بما ظهر ، فيُعامل الناس بظواهر أحوالهم ، ولكن هذه الظواهر إن وافقت ما في البواطن ، صلح ظاهره وباطنه ، وسريرته وعلانيته ، وإن خالف فصار القلب منطويا على نية فاسدة -نعوذ بالله- فما أعظم خسارته ، يعمل ويتعب ولكن لا حظ له في هذا العمل ، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله قال : أنا أغني الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه ) ، فاللهَ اللهَ أيها الإخوة بإخلاص النية لله سبحانه وتعالى .
واعلم أن الشيطان قد يأتيك عند إرادة عمل الخير فيقول لك : إنك إنما تعمل هذا رياء ، فيحبطك ، يحبط همتك ويثبطك ، ولكن لا تلتفت إلى هذا، لا تطعه ، اعمل ولو قال لك : إنما تعمل رياء أو سمعة ، لأنك لو سئلت هل أنت الآن تعمل هذا العمل رياء أو سمعة ؟ قلت : لا ، إذن فهذا الوسواس الذي أدخله الشيطان في قلبك لا تلتفت له ، افعل الخير ولا تقل : إني أرائي أو ما أشبه ذلك ، والله الموفق .
القارئ : بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.