تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) . متفق عليه ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
سبق لنا الكلام على حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) ، وبينا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لذلك مثلاً بالهجرة ، وهي ترك الإنسان بلده بلد الكفر إلى بلد الإسلام ، وأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أراد بذلك ضرب المثل دون الحصر ، يعني فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت صلاته لله ، ومن كان صومه لله ، ومن كان حجه لله ، كل العبادات حسب إرادة الإنسان ونيته ، إن فعلها لله عز وجل فهذا هو المخلص الموحد ، وإن فعلها لغير الله فتقرب لعباد الله بما يتقرب به إلى الله ، فهذا مشرك ، وقد يصل إلى حد الشرك الأكبر ، وإن أراد بذلك الدنيا فهو أيضا حابطٌ عملُه .
ووعدنا أننا نتكلم عن الهجرة ، فالهجرة تكون للعمل وتكون للعامل وتكون للمكان .
أما هجرة المكان : فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي ويكثر فيه الفسوق وربما يكون بلد كفر إلى بلد لا يوجد فيه ذلك ، وأعظمه الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ، وقد ذكر أهل العلم أنه يجب على الإنسان أن يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا كان غير قادر على إظهار دينه ، وأما إذا كان قادرا على إظهار دينه ولا يُعارَض إذا أقام شعائر الإسلام فإن الهجرة لا تجب عليه ولكنها تستحب ، وبناء على ذلك : يكون السفر إلى بلد الكفر أعظم مِن البقاء فيه ، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطنَ الإنسان إذا لم يستطع إقامة دينه فيه وجب عليه مغادرته والهجرة منه ، فكذلك إذا كان الإنسان مِن أهل الإسلام ومن بلاد المسلمين فإنه لا يجوز له أن يسافر إلى بلد الكفر لما في ذلك مِن الخطر على دينه وعلى أخلاقه ، ولما في ذلك من إضاعة ماله ، ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار ، ونحن مأمورون بأن نغيض الكفار بكل ما نستطيع ، كما قال الله تبارك وتعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ))، وقال تعالى : (( وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )) : فالكافر أيا كان ، سواء كان من النصارى أو من اليهود أو مِن الملحدين ، وسواء تسمى بالإسلام أم لم يتسم بالإسلام ، الكافر عدو لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين جميعا ، مهما تلبس بما يتلبس به فإنه عدو ، فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة :
الشرط الأول : أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات ، لأن الكفار يوردون على المسلمين شبها ، شبها في دينهم ، شبها في رسولهم ، شبها في كتابهم ، شبها في أخلاقهم ، في كل شيء يوردون الشبه ، ليبقى الإنسان شاكا متذبذبا ومِن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين ، فإنه لم يقم بالواجب ، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره الإيمان بهذه يجب أن يكون يقينيا ، فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر ، فهم -أعني الكفار- يدخلون على المسلمين الشك ، حتى إن بعضهم يصرح ، بعض زعمائهم قال : " لا تحاولوا أن تخرجوا المسلم من دينه إلى دين النصارى ، ولكن يكفي أن تشككوه في دينه ، لأنكم إذا شككمتوه في دينه سلبتموه الدين ، وهذا كافي ، فأنتم أخرجوهم من هذه الحظيرة التي فيها الغلبة والعزة والكرامة ويكفي " ، أما أن تحاولوا أن تدخلوه دين النصارى المبني على الضلال والسفاهة فهذا لا يمكن لأن النصارى ضالون ، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام ، وإن كان دين المسيح عليه السلام دين حق ، لكنه دين حق في وقته قبل أن ينسخ برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، أما بعد نسخها ، نسخ شريعة عيسى ، فإن الهدى والحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم محمد ، لابد أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات .
الشرط الثاني : أن يكون عنده دين يحميه مِن الشهوات ، لأن الإنسان الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلى بلاد الكفر انغمس ، لأنه يجد زهرة الدنيا ، شهوات : سكر زنا لواط ، كل إجرام موجود في بلاد الكفر ، فإذا ذهب إلى هذه البلاد فإنه يُخشى عليه أن ينزلق في هذه الأوحال ، إلا إذا كان عنده دين يحميه ، فلا بد أن يكون عند الإنسان دين يحميه مِن الشهوات .
الشرط الثالث : أن يكون محتاجا إلى ذلك ، مثل أن يكون مريضا يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء ، أو يكون محتاجا إلى علم لا يوجد في بلد الإسلام تخصصٌ فيه ، فيذهب هناك يتعلم ، أو يكون إنسان محتاجا إلى تجارة يذهب يتجر ويرجع ، المهم أنه لابد أن يكون هناك حاجة ، ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلاد الكفر من أجل السياحة فقط ، أرى أنهم آثمون ، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه حرام عليهم ، وإضاعة لمالهم ، وسيحاسبون عنه يوم القيامة حين لا يجدون مكانا يتفسحون فيه ، أو يتنزهون فيه ، حين لا يجدون إلا أعمالهم ، لأن هؤلاء يضيعون أوقاتهم ويتلفون أموالهم ويفسدون أخلاقهم ، وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم ، ومن عجبي أن هؤلاء يذهبون إلى بلاد الكفر التي لا يُسمع فيها صوت مؤذن ولا ذكر ذاكر ، وإنما يسمع فيها أبواق اليهود ونواقيس النصارى ، ثم يبقون فيها مدة ، هُم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم فيحصل في هذا شر كثير نسأل الله العافية والسلامة ، وهذا من البلاء ، هذا من البلاء الذي يحلُّ الله به النكبات ، والنكبات التي تأتينا والتي نحن الآن نعيشها كلها بسبب الذنوب والمعاصي ، كلها بسبب الذنوب والمعاصي : (( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )) نحن غافلون ، نحن آمنون في بلادنا كأن ربنا غافل عنا ، كأنه لا يعلم ، كأنه لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته والناس يُعصرون في هذه الحوداث ولكن قلوبهم قاسية والعياذ بالله ، ولقد قال الله تعالى : (( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ )) أخذناهم بالعذاب ونزل بهم ، ومع ذلك ما استكانوا إلى الله وما تضرعوا إليه بالدعاء ، ولا خافوا من سطوته ، ولكن قست القلوب نسأل الله العافية ، وماتت ، حتى أصبحت الحوادث المصيرية أصبحت تمر على القلب وكأنها ماء بارد ، نعوذ بالله من قسوة القلب وموت القلب ، وإلا والله لو كان الناس في عقل وفي صحوة وفي قلوب حية ما صاروا على هذا الوضع الذي نحن عليه الآن ، مع أننا في وضع يعتبر في حال حرب حرب مدمرة مهلكة ، حرب غازات الأعصاب والجنون وغير ذلك ، ومع هذا ما تجد أحدا حرك ساكنا إلا أن يشاء الله ، هذا لا شك أنه خطر ، إن أناسا في هذه الظروف العصيبة ذهبوا بأهليهم يتنزهون في بلاد الكفر وفي بلاد الفسق وفي بلاد المجون والعياذ بالله ، أقول مرة ثانية : إن الهجرة من بلد الكفر الذي لا يستطيع الإنسان أن يقيم فيه دينه واجبة ، وإن كان يستطيع أن يقيم دينه فهي سنة ، وأقول : لا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بثلاثة شروط :
الشرط الأول : علم يدفع به الشبهات .
الشرط الثاني : دين يحميه عن الشهوات .
والثالث : حاجة تدعو إلى ذلك .
لكن قد يقول قائل : ماذا تقول لو سافر إنسان إلى بلد الكفر للدعوة إلى الإسلام ؟ هل يجوز هذا ؟
نقول : نعم ، يجوز إذا كان له أثر وتأثير هناك ، فإن ذلك جائز لأن هذا سفر لمصلحة ، وبلاد الكفر كثير من عوامهم قد عُمِّي عليهم الإسلام لا يدرون عن الإسلام شيئا ، بل قد ضللوا وقيل لهم : إن الإسلام دين دين وحش وهمجية ورَعَاع ، ولاسيما إذا سمع الغرب بمثل هذه الحوادث التي حصلت على أيدي من يقولون : إنهم مسلمون ، سيقولون : أين الإسلام ؟ ! أين الإسلام هذه وحشية ، وحوش ضارية ، يعدو بعضهم على بعض ، ويأكل بعضهم بعضا فينفر الناس من المسلمين ومن الإسلام بسبب أفعال المسلمين ، نسأل الله أن يهدينا جميعا صراطَه المستقيم ، هذا نوع من الهجرة ويأتي إن شاء الله الهجرة هجرة العامل ، وهجرة العمل .