تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون . اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة ) يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة . متفق عليه ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- في بقية حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حينما قال له النبي عليه الصلاة والسلام : ( لعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام ويضرَّ بك آخرون ) وقلنا : إن هذا الأمر وقع ، فإن سعد بن أبي وقاص عُمِّر حتى فتح الله على يديه بلاد كثيرة من بلاد الكفر ، فانتفع بذلك المسلمون ، وضُرَّ بذلك الكافرون ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أَمضِ لأصحابي هجرتهم ) : سأل الله أن يمضي لأصحابه هجرتهم وذلك بأمرين : الأمر الأول : ثباتهم على الإيمان ، لأنه إذا ثبت الإنسان على الإيمان ثبت على الهجرة ، والثاني : ألا يرجع أحدٌ منهم إلى مكة بعد أن خرج منها مهاجرا إلى الله ورسوله ، لأنك إذا خرجت مِن البلد مهاجرا إلى الله ورسوله فهو كالمال الذي تتصدق به ، تكون البلد مثل المال الذي تتصدق به لا يمكن أن ترجع فيه ، وهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا يرجع فيه ، ومن ذلك ما وفق فيه كثير من الناس من إخراج التلفزيون من بيوتهم توبة غلى الله وابتعادا عنه وعما فيه من الشرور ، فهؤلاء قالوا : هل يمكن أن نعيده الآن إلى البيت ؟
نقول : لا ، بعد أن أخرجتموه لله لا تعيدونه ، لأن الإنسان إذا ترك شيئا لله وهجر شيئا لله فلا يعود فيه ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ، سَأَلَ ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم ، قال : ( ولا تردهم على أعقابهم ) : يعني لا تجعلهم ينكسون عن الإيمان ، فيرتدون على أعقابهم ، لأن الكفر تأخر والإيمان تقدم ، وهذا على عكس ما يقوله الملحدون اليوم ، حيث يصفون الإسلام بالرجعية ، ويقولون : " إن التقدمية أن ينسلخ الإنسان من الإسلام وأن يكون علمانيا " ، يعني علمانيا بمعنى : أنه لا يفرق بين الإيمان الكفر والعياذ بالله ، ولا بين الفسوق والطاعة ، فالإيمان هو التقدم حقيقة ، المتقدمون هم المؤمنون ، والتقدم يكون بالإيمان ، والردة تكون نكصا على العقبين ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام هنا : ( ولا تردهم على أعقابهم ) .