تتمة فوائد حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : " ... جاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي ، ... " .
الشيخ : ومن فوائد هذا الحديث : ظهور معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( إنك لن تُخلَّف وسوف تخلَّف ) يعني : تُعمَّر ( حتى يُضرَّ بك أقوام وينتفع بك آخرون ) : فإن الأمر وقع كما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن سعدا رضي الله عنه عُمِّر وبقي إلى خلافة عمر ، فعمر طويلا بعد قول الرسول عليه الصلاة والسلام له ، وهذا من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يخبر عن شيء مستقبل فيقع كما أخبر به عليه الصلاة والسلام ، ولكن هذا ليس خبرا محضا بل هو توقع لقوله : ( لعلَّك أن تُخلَّف ) : فلم يجزم ولكن كان الأمر كما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن فوائد هذا الحديث : أنه ما مِن إنسان يعمل عملا يبتغي به وجه الله إلا ازداد به رفعة ودرجة حتى وإن كان في مكان لا يحل له البقاء فيه ، لأن العمل شيء والبقاء شيء آخر ، ولهذا كان القول الراجح مِن أقوال أهل العلم أن الإنسان إذا صلى في أرض مغصوبة ، فإن صلاته صحيحة ، لأن النهي ليس عن الصلاة ، بل النهي عن الغصب ، فالنهي منصَبٌ على شيء غير الصلاة فتكون صلاته صحيحة في هذا المكان المغصوب ، لكنه آثم ببقائه في هذا المكان المغصوب ، نعم لو ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تصل في أرض مغصوبة ، لقلنا إذا صليت في الأرض المغصوبة صلاتك باطلة ، كما نقول : إنك إذا صليت في المقبرة فصلاتك باطلة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) ، هذا غير صلاة الجنازة ، لأن صلاة الجنازة تجوز حتى في المقبرة .
ومن فوائد هذا الحديث : أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي بها وجه الله فإنه يثاب عليها ، حتى النفقات على أهله وزوجته بل وعلى نفسه إذا ابتغى بها وجه الله أثابه الله عليها ، وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر نية التقرب إلى الله في كل ما ينفق حتى يكون له في ذلك أجر ، كل شيء تنفقه صغيرا كان أم كبيرا ، على نفسك على أهلك على أصحابك على أي واحد من الناس ، إذا ابتغيت به وجه الله أثابك الله على ذلك ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على فوائده .
الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أما بعد :
فقد سبق ما تيسر من الفوائد على حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عاده في مرضه ، وأنه استشار النبيَ صلى الله عليه وسلم في الصدقة بثلثي ماله ، أو نصفه ، أو ثلثه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( الثلث والثلث كثير ) ، وأنه رضي الله عنه تخوَّف أن يموت بمكة وقد هاجر منها ، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يموت بمكة ، وأنه سيبقى حسب ما توقعه النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم ) : سأل النبيُ صلى الله عليه وسلم ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم وذلك بثباتهم على الإيمان ، وبقائهم في الأوطان التي هاجروا إليها من مكة ، ولهذا قال : ( ولا تردهم على أعقابهم ) الرد على العقب يعني : الكفر بعد الإسلام والعياذ بالله ، كما قال الله تعالى : (( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) .
( لكن البائس ) يقوله النبي صلى لله عليه وسلم : ( البائس سعدُ بن خولة ) : سعد بن خولة رضي الله عنه من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدَّر أن يموت فيها ، فمات فيها فرثى له النبي عليه الصلاة والسلام ، يعني توجع له أن مات بمكة ، وقد كان يكرهون أن يموت المهاجر في الأرض التي هاجر منها ، هذا ما تيسر من الكلام على هذا الحديث ،والمؤلف رحمه الله تعالى ذكره في باب النية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد : ( إنك لن تعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به رفعة ودرجة ) ، وقال له : ( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها ) ، فأشار في هذا الحديث إلى الإخلاص في كون الإنسان يبتغي بعمله وبإنفاقِ ماله وجهَ الله حتى ينال على الأجر وزيادة الدرجات والرفعة عند الله عز وجل ، والله الموفق .