تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة ، وأن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت مالا أو نحوه رده إليه ، وإن كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه ، وإن كانت غيبة استحله منها . ويجب أن يتوب من جميع الذنوب ، فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :
فقد سبق لنا ذكر شروط التوبة ، وأنها خمسة : الإخلاص لله ، والندم على فعل المعصية ، والإقلاع عنها ، والإقلاع عنها : يعني ترك المحرم إن كانت المعصية فعل محرم ، وفعل الواجب إن كانت المعصية ترك واجب ، والإقلاع عن الذنب : إما أن يكون إقلاعا عن ذنب يتعلق في حق الله عز وجل ، فهذا يكفي أن تتوب بينك وبين ربك ، ولا ينبغي بل قد نقول : لا يجوز أن تُحدث الناس بما صنعت من المحرم أو ترك الواجب ، لأن هذا بينك وبين الله ، فإذا كان الله قد مَنَّ عليك بالستر وسترك عن العباد فلا تحدث أحدا بما صنعت إذا تبتَ إلى الله ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين ) ، ومن المجاهرة أن يفعل الإنسان الذنب ، كما جاء في الحديث ، أن يفعل الذنب ثم يصبح يحدث به الناس يقول : فعلت كذا وكذا إلى آخره ، إلا أن بعض العلماء قال : إذا فعل الإنسان ذنبا فيه حدّ ، فإنه لا بأس أن يذهب إلى الإمام الذي يقيم الحدود مثل الأمير ، ويقول : إنه فعل الذنب الفلاني ويريد أن يطهره منه ، ومع ذلك فالأفضل أن يستر على نفسه ، هذا هو الأفضل ، يعني يباح له أن يذهب إلى ولي الأمر إذا فعل معصية فيها حد كالزنا مثلا ، فيقول : إنه فعل كذا وكذا يطلب إقامة الحد عليه ، لأن الحد كفارة للذنب ، أما المعاصي الأخرى فاسترها على نفسك ، كما سترها الله ، وكذلك الزنا وشبهه استره على نفسك بالنسبة لغير ولي الأمر ، لا تفضح نفسك ما دمتَ تبت بينك وبين الله فإن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .
أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق : فإن كان مالا فلا بد أن تؤديه إلى صاحبه ، ولا تقبل التوبة إلا بأدائه ، مثل أن تكون قد سرقت مالا من شخص ، وتبت من هذا ، فلا بد أن توصل المسروق إلى المسروق منه ، جحدت حقا لشخص يعني في ذمتك دين لإنسان ، وأنكرته ثم تبت فلا بد أن تذهب إلى صاحب الدين الذي أنكرته عليه وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه ، فإن كان قد مات فإنك تعطيه ورثته ، فإن لم تعرفهم أو غاب عنك هذا الرجل ولم تعرف له مكانا ، فتصدق به عنه ، تصدق به عنه تخلصا منه ، والله سبحانه وتعالى يعلمه ويعطيه إياه ويؤديه إليه ، أما إذا كانت المعصية التي فعلتها مع البشر ضربا وما أشبهه ، فاذهب إليه ومكنه مِن أن يضربك مثلما ضربته ، إن كان على الظهر فعلى الظهر ، على الرأس فعلى الرأس ، في أي مكان ضربته فليقتص منك ، لقول الله تعالى : (( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا )) ولقوله : (( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ )) ، هذا اثنين ، وإن كان بقول ، أذية بقول ، مثل أن تكون قد سببته أمام الناس ووبخته وعيرته فلا بد أن تذهب إليه وتستحل منه بما تتفق أنت وإياه عليه ، حتى لو قال : لا أسمح لك إلا بكذا وكذا من الدراهم فأعطه .
الرابع : أن يكون الحق غِيبة يعني : أنك تكلمت به في غيبته وقدحت فيه عند الناس وهو غائب ، فهذه اختلف فيها العلماء فمنهم من قال : لا بد أن تذهب إليه وتقول له : يا فلان إني تكلمت فيك عند الناس ، فأرجوك أن تسمح عني وتحللني ، وقال بعض العلماء : لا ، لا تذهب إليه ، بل فيه تفصيل : فإن كان قد علم بهذه الغيبة فلابد أن تذهب إليه وتستحله ، وإن لم يكن علم فلا تذهب إليه واستغفر له وتحدث بمحاسنه في المجالس التي كنت تغتابه فيها ، فإن الحسنات يذهبن السيئات ، وهذا القول أصح ، وهو أن الغيبة إذا كان صاحبها لم يعلم بأنك اغتبته ، فإنه يكفي أن تذكره بمحاسنه في المجالس التي اغتبته فيها ، وأن تستغفر له ، قل : اللهم اغفر له كما جاء في الحديث : ( كفارة من اغتبته أن تستغفر له ) ، فلابد في التوبة مِن أن تصل الحقوق إلى أهلها .
أما الشرط الرابع : فهو العزم على ألا تعود في المستقبل : من شروط التوبة أن تعزم بأنك لن تعود إلى هذا العمل في المستقبل ، فإن كنت تنوي أن تعود إليه عندما تسنحُ لك الفرصة ، فإن التوبة لا تصح ، مثل رجل كان والعياذ بالله يستعين بالمال على معصية الله ، يشتري به المسكرات ، يذهب إلى البلاد يزني والعياذ بالله ويسكر فأصيب بفقر افتقر ، وقال : اللهم إني تبت إليك ، وهو كاذب يقول : تبت إليك ولكن هو بنيته أنه إذا عادت الأمور إلى مجاريها الأولى فعل فعله الأول ، فهذه توبة عاجز ، هذه تبت أم لم تتب لست بقادر ، لأنه يوجد بعض الناس يصاب بفقر ، يقول : خلاص تركت الذنوب ، لكن في قلبه يحدثه قلبه أنه لو عاد إليه ما افتقده لعاد إلى المعصية مرة ثانية ، فهذا توبته غير مقبولة ، لأنها توبة العاجز وتوبة العاجز لا تنفعه ، وبقي الشرط الخامس نتكلم عليه إن شاء الله في الدرس المقبل .
القارئ : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
قال -رحمه الله تعالى- : " ويجب أن يتوب من جميع الذنوب ، فإن تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب وبقي عليه الباقي .
وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على وجوب التوبة قال الله تعالى : (( وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون )) ، وقال تعالى : (( استغفروا ربكم ثم توبوا إليه )) ، وقال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا )) "
.
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
سبق لنا الكلام على شروط التوبة ، وأن الإنسان يجب أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من كل ذنب حسب ما تقدم من الشروط ، والذي سبق لنا منها أربعة : الإخلاص لله ، والندم على ما فعل ، والإقلاع عن ذلك ، والعزم على ألا يعود .
أما الشرط الخامس : فهو أن يتوب في زمن تقبل فيه التوبة ، فإن تاب في زمن لا تقبل فيه التوبة لم تنفعه التوبة ، وذلك على نوعين : النوع الأول : باعتبار كل إنسان بحسبه ، والنوع الثاني : باعتبار العموم .
أما الأول : فلابد أن تكون التوبة قبل حلول الأجل ، قبل حلول الأجل يعني الموت ، فإن كانت بعد حلول الأجل فإنها لا تنفع التائب ، لقول الله تعالى : (( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ )) : هؤلاء ليس لهم توبة ، وقال تعالى : (( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ )) : فالإنسان إذا عاين الموت وحضره الأجل فهذا يعني أنه أيس من الحياة ، فتكون توبته في غير محلها ، بعد أن أيس من الحياة وعرف أنه لا بقاء له يذهب فيتوب ، هذه توبة اضطرار ، فلا تنفعه ولا تقبل منه ، لابد أن تكون التوبة سابقة ، أما النوع الثاني : وهو العموم فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر : ( بأن الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) : فإذا طلعت الشمس من مغربها لم ينفع أحدا توبة ، قال الله تعالى : (( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرا )) : وهذا البعض هو طلوع الشمس من مغربها كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
إذن فلابد أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة ، فإن لم تكن كذلك فلا توبة للإنسان .
ثم اختلف العلماء رحمهم الله هل تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره أو لا ؟
في هذا ثلاثة أقوال لأهل العلم : منهم من قال : إنها تصح التوبة من الذنب وإن كان مصرا على ذنب آخر ، فتقبل توبته من هذا الذنب ويبقى الإثم عليه في الذنب الآخر ، بكل حال .
ومنهم من قال : لا تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر .
ومنهم من فصل فقال : إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل ، وإلا قبلت ، مثال ذلك : رجل تاب من الربا ولكنه يزني والعياذ بالله ، أو يشرب الخمر ، ولنقل يشرب الخمر ، تاب من الربا ولكنه مصر على شرب الخمر ، فهنا قال بعض العلماء : إن توبته من الربا لا تقبل ، كيف يكون تائبا إلى الله وهو مصر على معصيته ؟
وقال بعض العلماء : بل تقبل ، لأن الربا شيء وشرب الخمر شيء آخر ، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف -رحمه الله- ، وقال : إنها تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره عند أهل الحق ، فهذا فيه الخلاف ، بعضهم يقول : تقبل ، وبعضهم يقول : لا تقبل .
أما إذا كان من الجنس مثل أن يكون الإنسان والعياذ بالله مبتلى بالزنا ، ومبتلى أيضا بالاطلاع على النساء والنظر إليهن بشهوة ، وما أشبه ذلك ، فهل تقبل توبته من الزنا وهو مصر على النظر إلى النساء لشهوة أو بالعكس ، هذا فيه أيضا خلاف ، فمنهم من يقول : تصح ومنهم من يقول : لا تصح التوبة ، ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه يصح التوبة ، أن التوبة تصح من ذنب مع الإصرار على غيره ، لكن لا يُعطى الإنسان اسم التائب على سبيل الإطلاق ، ولا يستحق المدح الذي يمدح به التائبون ، لأن هذا لم يتب توبة تامة ، تاب توبة ناقصة ، تاب من هذا الذنب فيرتفع عنه إثم هذا الذنب ، لكنه لا يستحق أن يوصف بالتوبة على سبيل الإطلاق ، بل يقال : هذا توبته ناقصة وقاصرة ، فهذا هو القول الذي تطمئن إليه النفس : أنه لا يعطى الوصف على سبيل الإطلاق ، ولا يحرم من التوبة التي تاب تابها من هذا الذنب ، والله الموفق .