شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : ( والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) رواه البخاري . وعن الأغر بن يسار المزني - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أيها الناس ، توبوا إلى الله واستغفروه ، فإني أتوب في اليوم مئة مرة ) رواه مسلم ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
تقدم الكلام على ما ذكره المؤلف رحمه الله من وجوب التوبة وشروطها ، وما ساقه من الآيات الدالة على وجوبها ، وهذان الحديثان ذكرهما المؤلف رحمه الله ليستدل على ذلك بالسنة ، لأنه كلما تضافرت الأدلة على الشيء قوي وصار أوكد ، وصار أوجب ، فذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم بأنه يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة ) هذا وهو النبي عليه الصلاة والسلام الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة ، وفي حديث الأغر بن يسار المزني أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( يا أيها الناس ، توبوا إلى الله واستغفروه ، فإني أتوب في اليوم مئة مرة ) : ففي هذين الحديثين دليل على وجوب التوبة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها فقال : ( يا أيها الناس توبوا إلى الله ) ، فإذا تاب الإنسان إلى ربه حَصَّل بذلك فائدتين : الفائدة الأولى : امتثال أمر الله ورسوله ، وفي امتثال أمر الله ورسوله كل الخير ، على امتثال أمر الله ورسوله تدور السعادة في الدنيا والآخرة . والفائدة الثانية : الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث كان صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله في اليوم مئة مرة ، يعني يقول : أتوب إلى الله أتوب إلى الله ، والتوبة لابد فيها من صدق بحيث إذا تاب الإنسان إلى الله أقلع عن الذنب ، أما الإنسان الذي يتوب بلسانه وقلبه منطوٍ على فعل المعصية أو على ترك الواجب أو يتوب إلى الله بلسانه وجوارحه مصرة على فعل المعصية ، فإن توبته لا تنفعه ، بل إنها أشبه ما تكون بالاستهزاء بالله عز وجل ، كيف تقول : أتوب إلى الله من معصية وأنت مصر عليها ؟! أو تقول : أتوب إلى الله من معصية وأنت عازم على فعلها ؟! الإنسان لو عامل بشرًا مثله بهذه المعاملة لقال هذا يسخر بي ويستهزئ بي ، كيف يتنصَّل مِن أمر عندي وهو متلبس به ما هذا إلا هزء ولعب ، فكيف برب العالمين !!
إن من الناس من يقول : إنه تائب من الربا ولكنه والعياذ بالله مصر عليه ، يمارس الربا صريحا ، ويمارس الربا مخادعة ، وقد مر بنا كثيرا أن الذي يمارس الربا بالمخادعة أعظم إثما وجرماً من الذي يمارس الربا بالصراحة ، لأن الذي يمارس الربا بالمخادعة جنى على نفسه مرتين ، أولا : الوقوع في الربا ، وثانيا : مخادعة الله عز وجل ، وكأن الله سبحانه وتعالى لا يعلم ، وهذا يوجد كثيرا في الناس اليوم ، الذين يتعاملون بالربا صريحا أمرهم واضح ، لكن من الناس من يتعامل بالربا خيانة ومخادعة ، تجد عنده أموالا لها سنوات عديدة في الدكان فيأتي الغني بشخص فقير يقوده للمذبحة والعياذ بالله ، فيأتي إلى صاحب الدكان الذي عنده هذه البضاعة ويبيعها على الفقير بالدين بيعا صوريا ، كلٌ يعلم أنه ليس بيعا حقيقيا ، لأن هذا المشتري المدين لا يقلبه ، لا يقلب المال ولا ينظر إليه ولا يهمه ، بل لو كان أكياسا من الرمل وبيعت عليه على أنها رز أو سكر أخذها ، لأنه لا يهمه ، يهمه أن يقضي حاجته ، فيبيعها عليه مثلا بعشرة آلاف لمدة سنة ، وينصرف بدون أن ينقلها من مكانها ثم يبيعها هذا المدين على صاحب الدكان بتسعة آلاف مثلا ، فيؤكل هذا الفقير من وجهين : من جهة الذي ديَّنه ، ومن جهة صاحب الدكان ، ويقولون : إن هذا صحيح ، بل يسمونه : التصحيح ، يقول : تعال أصحح عليك أو أصحح لك كذا وكذا ، سبحان الله ! هذا تصحيح ؟! هذا تلطيخ بالذنوب والعياذ بالله ، ولهذا يجب علينا إذا كنا صادقين مع الله سبحانه وتعالى في التوبة أن نُقلع عن الذنوب والمعاصي إقلاعا حقيقيا ، ونكرهها ونندم على فعلها حتى تكون التوبة توبة نصوحا .
وفي هذين الحديثين دليل على أنَّ نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أشد الناس عبادة لله ، وهو كذلك ، فإنه أخشانا لله وأتقانا لله وأعلمنا بالله صلوات الله وسلامه عليه .
وفيه دليل على أنه عليه الصلاة والسلام مُعلم الخير بلسانه وفعاله ، بمقاله وفعاله ، فكان يستغفر الله ويأمر الناس بالاستغفار حتى يتأسوا به امتثالا للأمر واتباعا للفعل ، وهذا من كمال نصحه صلوات الله وسلامه عليه لأمته ، فينبغي لنا نحن أيضا أن نتأسى به ، إذا أمرنا الناس بأمر أن نكون أول من يمتثل هذا الأمر ، وإذا نهيناهم عن شيء أن نكون أول من ينتهي عنه ، لأن هذا هو حقيقة الداعي إلى الله ، بل هذا حقيقة الدعوة إلى الله عز وجل ، أن تفعل ما تأمر به وتترك ما تنهى عنه ، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا بالتوبة وهو عليه الصلاة والسلام يتوب أكثر منا ، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم ويهدينا وإياكم صراطه المستقيم .