شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وعن ابن عباس وأنس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان ، ولن يملأ فاه إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ) متفق عليه . وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد ) متفق عليه ... " .
الشيخ : هذان الحديثان في بيان التوبة ، وأن مِن تابَ تاب اللهُ عليه مهما عظم ذنبه ، لأن الله تعالى قال في كتابه : (( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )) .فالحديث الأول عن عبد الله بن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن لابن آدم وادياً مِن ذهب لابتغى واديا آخر -ويتوب الله على من تاب- ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب ) : يعني أن ابن آدم لن يشبع من المال ، ولو كان له واد واحد لابتغى أي : طلب أن يكون له واديان ، ولا يملأ جوفه إلا التراب ، وذلك إذا مات ودفن وترك الدنيا وما فيها حينئذ يقتنع ، لأنها فاتته ، ولكن مع ذلك حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على التوبة ، لأن الغالب أن الذي يكون عنده طمع في المال الغالب أنه لا يحترز من الأشياء المحرمة ، من الكسب المحرم ، ولكن دواء ذلك بالتوبة إلى الله ، ولهذا قال : ( يتوب الله على من تاب ) : فمن تاب مِن سيئاته ولو كانت هذه السيئات مما يتعلق بالمال ، فإن الله يتوب عليه .
أما الحديث الثاني فهو عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يضحكُ الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ) ، وضرب لذلك مثلا : لرجل قاتل في سبيل الله ، فقتله رجل مِن الكفار فقُتل شهيدا ، ثم إن هذا القاتل الكافر أسلم ثم قتل شهيدا ، فكلاهما يدخل الجنة ، فيضحك الله إلى هذين الرجلين ، وذلك لأنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا ، حتى إن أحدهما قتل الآخر ، فقلب الله تعالى هذه العداوة التي في قلب كل واحد منهما ، وأزال ما في نفوسِهما من الغِل ، لأن أهل الجنة يُطهرون مِن الغل والحقد ، كما قال الله تعالى في وصفهم : (( إخوانا على سرر متقابلين )) ، (( ونزعنا ما في صدورهم مِن غِلٍ إخوانا على سرر متقابلين )) فهذا وجه العجب من الله عز وجل لهذين الرجلين : أنه كان بينهما تمام العداوة ، ثم إن الله سبحانه وتعالى مَنَّ على هذا القاتل الذي كان كافرا فتاب فتاب الله عليه ، ففيه دليل على أن الكافر إذا تاب مِن كفره ولو كان قد قتل أحدا من المسلمين فإن الله تعالى يتوب عليه ، لأن الإسلام يهدم ما قبله ، والله الموفق .