تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان . وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفت نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام ، فقلت له : يا أبا قتادة ، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فسكت ، فعدت فناشدته فسكت ، فعدت فناشدته، فقال : الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار ، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان ، وكنت كاتبا . فقرأته فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك ، فقلت حين قرأتها : وهذه أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرتها ، ... " .
الشيخ : يقول : ( فبينما أنا أمشي ذات يوم في أسواق المدينة وطال علي جفوة الناس ، تسورت حائطا لأبي قتادة رضي الله عنه ) : تسوره يعني دخله مع الجدار من دون الباب ، وكأن الباب مغلق والعلم عند الله ، يقول : ( فسلمت عليه ، فوالله ما رد علي السلام ) : وهو ابن عمه وأحب الناس إليه ومع ذلك لم يرد عليه السلام ، مع أن الرجل كان مَجفياً من الناس منبوذا لا يكلم ولا يُسلم عليه ولا يُرد عليه السلام ، ومع ذلك لم يعطف عليه ابن عمه أبو قتادة ، كل هذا طاعة لله ورسوله ، لأن الصحابة رضي الله عنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم ، لا يحابون أحدا في دين الله ولو كان أقرب الناس إليهم .
فقلت له : ( أنشدك بالله هل تعلم أني أحبُ اللهَ ورسولَه ؟ فلم يرد عليه ، فقلت : أنشدك الله هل تعلم أني أحبُ اللهَ ورسولَه ؟ فلم يرد عليه ) مرتين يناشد مناشدة هل يعلم أنه يحب الله ورسوله أم لا ؟ وهو يدري أن أبا قتادة يعلم أن كعب بن مالك يحب الله ورسوله ، فلما رد عليه الثالثة ، قال : ( أنشد الله هل تعلم أني أحب اللهَ ورسولَه ؟ فقال : الله ورسوله أعلم ) ، ما كلمه ما قال نعم ولا لا ، قال كلمة لا تعد خطابا ، قال : ( الله ورسوله أعلم ، يقول : ففاضت عيناي بكى رضي الله عنه ) : أن رجلا ابن عمه أحب الناس إليه لا يكلمه مع هذه المناشدة العظيمة ، مع أنها أيضا مسألة تعبدية ، لأن أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ طلب شهادة ، ومع ذلك لم يشهد له مع أنه يعلم أنه يحب الله ورسوله ، ففاضت عيناه ، وتسور البستان يعني خرج إلى السوق : ( فبينما هو يمشي إذا برجل نَبَطِي من أنباط الشام ) :النبطي الذي لا عربي ولا عجمي ، وسموا بذلك لأنهم كانوا يخرجون في البراري يستنبطون الماء .
( فهذا النبطي يسأل يقول : من يدلني على كعب بن مالك ) : شوف أهل الشر ينتهزون الفرص ، ( من يدلني على كعب بن مالك ؟ فقلت : أنا هو فأعطاني ورقة وإذا يقول : وكنت كاتبا ) : شوف قال : كنت كاتبا ، لأن الكُتاب في ذلك العهد قليلون جدًا ، الذي يكون كاتب هذا أين هو ؟! فقرأت الكتاب فإذا فيه : " أما بعد : فقد بلغنا أن صاحبك جفاك " : صاحبك يعني الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان هذا الملك ملك غسان كافرا .
" وإنك لست بدار هوان ولا مضيعة " ، يعني لا تبقى في الدار في ذل وضياع وهوان لا تبقى فيها ايت ، " الحق بنا نواسك " : يعني ائت إلينا نواسيك بأموالنا وربما نواسيك بملكنا ، ولكن الرجل رجل مؤمن بالله ورسوله محب لله ورسوله ، قال : ( وهذه مِن البلاء ) يعني من الامتحان ، هذا من الامتحان وصدق رضي الله عنه ، رجل مجفي لا يكلم مهجور منبوذ حتى من أقرب الناس إليه ، لو كان في قلبه ضعف إيمان لانتهز الفرصة بدعوة هذا الملك وذهب إليه ، لكن عنده إيمان راسخ يقول : ( قلت هذه من البلاء ثم ) : يعني ذهب إلى التنور فسجره فيه : يعني أوقدها بالتنور ، لماذا يوقدها بالتنور ؟ لماذا لم يجعلها معه ؟ لئلا توسوس له نفسه بعد ذلك أن يذهب إلى هذا الملك ، أتلفها حتى ييأس منها ، ولا يحاول أن يجعلها حجة يذهب بها إلى هذا الملك ، ثم بقي على ذلك مدة .
ففي هذا الحديث أو في هذه القطعة من هذا الحديث : دليل على جواز التخلف عن الجماعة إذا كان الإنسان مهجورا منبوذا ، وعجزت نفسُه أن تتحمل هذا كما فعل صاحبا كعب بن مالك رضي الله عنه ، لأنه لا شك أنه من الضيق والحرج أن يأتيَ الإنسان إلى المسجد مع الجماعة لا يُسلم عليه ولا يرد سلامه مهجور منبوذ هذا تضيق به نفسه ذرعا لا يستطيع ، وهذا عذر كما قاله العلماء .
ومن فوائد هذا الحديث : شدة امتثال الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ودليل ذلك ما جرى لأبي قتادة رضي الله عنه مع كعب بن مالك .
ومن فوائد هذا الحديث : أنه يجبُ التحرز من أصحاب الشر وأهل السوء الذين ينتهزون الضعف في الإنسان ، والفُرَص في إضاعته وهلاكه ، فإن هذا الملك ، ملك غسان انتهز الفرصة في كعب بن مالك رضي الله عنه يدعوه إلى الضلال لعله يرجع عن دينه إلى دين هذا الملك ، بسبب هذا الضيق .
ومن فوائد هذا الحديث : قوة كعب بن مالك رضي الله عنه في دين الله ، وأنه من المؤمنين الخُلَّص ، وليس ممن قال الله فيهم : (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ )) ، بعض الناس والعياذ بالله يقول : آمنا بالله ، لكن إيمانه ضعيف إذا أوذي في الله ارتد والعياذ بالله وفسق وترك الطاعة ، كعب بن مالك رضي الله عنه أوذي في الله ، أوذي إيذاء وأيما إيذاء ، لكنه صبر واحتسب وانتظر الفرج ففرج الله له تفريجا لم يكن لأحدٍ غيره وصاحبيه ، أنزل الله فيهم ثناء عليهم آيات تتلى إلى يوم القيامة ، نحن نقرأ قصتهم في القرآن في صلاتنا ، هذا فضل عظيم ، قصتهم تقرأ في الصلاة في الصلوات الخمس في صلاة النافلة سرا وعلنا .
ومن فوائد هذا الحديث أيضا : أنه ينبغي للإنسان إذا رأى فتنة أو خوف فتنة أن يُتلف هذا الذي يكون سبباً لفتنته ، أن يتلف هذا الذي يكون سببًا لفتنته ، فإن كعبا لما خاف على نفسه من أن نفسه تميل فيما بعد إلى الذهاب إلى هذا الملك ، ويتخذ هذه الورقة وثيقة حرقها رضي الله عنه .
ومن ذلك أيضا : ما جرى لسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام حينما عُرضت عليه الخيل الصافنات الجياد في وقت العصر ، فغفل : ذهل بما عرض عليه عن الصلاة ، ذهل بما عرض عليه عن الصلاة حتى غابت الشمس ، فلما غابت الشمس وما صلى العصر دعا بها ، بهذه الخيل الصافنات الجياد ، دعا بها فجعل يضرب رؤوسها وسوقها يعني : سيقانها ، يعني يقتلها ويعقرها عليه الصلاة والسلام ، انتقاما مِن نفسه لنفسه ، كيف ؟ لأنه انتقم من نفسه التي لهت بهذه الصافنات الجياد عن ذكر الله : (( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ )) .
فالمهم أنك إذا رأيت شيئا من مالك يصدك عن ذكر الله فأبعده عنك ، بأي وسيلة تكون ، حتى لا يكون سببا لإلهائك عن الذكر ، فإن الذي يلهي عن ذكر الله خسارة ، كما قال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )) ، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عليه .