تتمة شرح حديث : " ... فوالله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله تعالى ، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا ، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي ، قال : فأنزل الله تعالى : (( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة )) حتى بلغ : (( إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت )) حتى بلغ : (( اتقوا الله وكونوا مع الصادقين )) قال كعب : والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكون كذبته ، فأهلك كما هلك الذين كذبوا ؛ إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد ، فقال الله تعالى : (( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين )) ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
مازلنا في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه وهم : هلال بن أمية ، ومِرارة بن الربيع ، الذين تَخلفوا في غزوة تبوك وخُلفوا عن البت في أمرهم حتى يقضي الله فيهم ما شاء ، وسبق لنا أكثر القصة وهنا ننبه على كلمة ذهلت مني ومن القارئ سهوا وهي قول كعب رضي الله عنه : ( ما قام أحد من المهاجرين ) يعني : حين جاء إلى المسجد غيرُ طلحة بن عبيد الله ، هذا هو الصواب ، ونحن ذكرناها رجل من الأنصار وهذا غلط ، والصواب مِن المهاجرين ، لأن طلحة رضي الله عنه من المهاجرين وليس من الأنصار ، فلينتبه لذلك .
ذكر كعب بن مالك رضي الله عنه أنَّ من توبته ألا يحدث بحديث كذب بعد إذ نجاه الله تعالى بالصدق ، وما زال كذلك ، ما حدث بحديث كذب أبدا بعد أن تاب الله عليه ، فكان رضي الله عنه مضرب المثل في الصدق ، حتى إن الله أنزل فيه وفي صاحبيه : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )) ، أنزل الله تعالى الآيات في بيان منته عليهم بالتوبة ، من قوله تعالى : (( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ )) : ففي هذه الآية أكد الله سبحانه وتعالى توبته على النبي والمهاجرين والأنصار ، أكدها بقوله : (( لَقَدْ تَابَ اللَّه )) ، فأما النبي فهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأما المهاجرون فهم الذين هاجروا من بلادهم من مكة إلى المدينة ، هاجروا إلى الله ورسوله ، فجمعوا في ذلك بين الهجرة ومفارقة الوطن ومفارقة الديار ، وبين نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنهم إنما هاجروا إلى الله ورسوله ، فالمهاجرون جمعوا بين الهجرة والنصرة ، أما الأنصار فهم الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم ، أهل المدينة رضي الله عنهم الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم ونصروه ومنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم ، وقدم الله المهاجرين لأنهم أفضل من الأنصار ، لجمعهم بين الهجرة والنصرة : (( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ )) : اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة العسرة ، وذلك في الخروج معه إلى غزوة تبوك إلى بلاد بعيدة ، والناس في أشد ما يكون من الحر ، والناس في أطيب ما يكون لو بقوا في ديارهم ، لأن الوقت وقت قيظ والوقت وقت طيب الثمار وحسن الظلال ، ولكنهم رضي الله عنهم خرجوا في هذه الساعة الحرجة في ساعة العسرة ، (( مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ )) : فإن بعضهم كاد أن يتخلف بدون عذر فيزيغ قلبه ، ولكن الله عز وجل من عليهم بالاستقامة حتى خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، (( مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ )) : أكد ذلك مرة أخرى ، (( إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ )) : شملهم بالرأفة والرحمة ، والرأفة أرق من الرحمة ، لأنها رحمة ألطف وأعظم من الرحمة العامة ، ثم قال : (( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا )) مَن هؤلاء الثلاثة ؟ هم : كعب بن مالك ، هلال بن أمية ، مِرارة بن الربيع الثلاث ، هؤلاء هم الثلاثة ، الذين خُلفوا أي : خلف البت في أمرهم وليس المراد تخلفوا عن الغزوة ، بل خلفهم الرسول عليه الصلاة والسلام لينظر في أمرهم ماذا يكون حكم الله تعالى فيهم .
(( حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ )) : ضاقت عليهم الأرض مع سعتها ، والرَحب : السعة ، المعنى أن الأرض على سعتها ضاقت بهم ، حتى قال كعب بن مالك : ( لقد تنكرت لي الأرض حتى كنت لا أدري هل أنا في المدينة أو غيرها ) : من شدة الضيق عليهم رضي الله عنهم ، (( وضاقت عليهم أنفسهم )) : نفس الإنسان ضاقت عليه لا تتحمل أن تبقى ولكنهم صبروا رضي الله عنهم حتى فرج الله عنهم ، (( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه )) أيقنوا ، الظن هنا بمعنى اليقين ، (( ظنوا أن لا ملجأ من الله )) أي أيقنوا أنه لا أحد ينفعهم ، ولا ملجأ من الله إلا إلى الله لأنه هو الذي بيده كل شيء عز وجل ، (( ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم )) : تاب عليهم لينالوا مراتب التوبة التي لا ينالها إلا من وفق لا ينالها إلا أحباب الله ، كما قال الله تعالى : (( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين )) .
أما أولئك الذين اعتذروا من المنافقين ، اعتذروا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فإن الله أنزل فيهم شر ما أنزل في بشر ، ماذا قال ؟ (( سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ )) : فلا تلومونهم ، (( فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْس )) أعوذ بالله رجس ، الخمر رجس ، القذر الذي يخرج من الإنسان من دبره رجس ، روث الحمير رجس هؤلاء مثله مثل هذا الخبث ، (( إنهم رجس وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) : بئس المأوى والعياذ بالله أنهم ينتقلون من الدنيا إلى جهنم نسأل الله العافية ، نار حامية تطلع على الأفئدة مؤصدة عليهم في عمد ممددة ، نسأل الله أن ينجينا وإياكم منها .
(( يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ )) : لأنكم لا تعلمون سرائرهم ولا يبدو لكم إلا الظواهر .
(( فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ )) : لو رضي عند الناس كلهم والله لم يرض عنك فإنه لا ينفعك ، لا ينفعك إلا رضا الله عز وجل ، إذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس ، أمال قلوبهم إليك كما جاء في الحديث : ( إن الله إذا أحب شخصا نادى جبريل ، يا جبريل إني أحب فلانا فأحبه ) : يعين الله الرجل لجبريل ، ( أحب فلانا ) : اللهم اجعلنا من أحبابك ( إني أحب فلانا فأحبه ، فيحبه جبريل ، ثم ينادي في السماء : إن الله يحب فلانا فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ) : يكون مقبولا لدى أهل الأرض ، كما قال الله عز وجل : (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً )) ، لكن إذا التمس الإنسان رضا الناس بسخط الله فالأمر بالعكس ، يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس ، ولهذا لما تولى معاوية رضي الله عنه الخلافة ، كتبت له عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( مَن التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) .
وما أكثر الذين يطلبون رضا الناس بسخط الخالق والعياذ بالله ، هؤلاء هم في سخط الله ولو رضي عنهم الناس ، لا ينفعهم رضا الناس ، قال الله تعالى هنا : (( فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ )) : حتى لو رضي عنهم النبي عليه الصلاة والسلام أشرفُ الخلق لا ينفعهم ، لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ، وفي هذه الآية تحذير من الفسق وهو ارتكاب المعاصي التي أعظمها الكفر ، وكل فسق فإنه ينقص من رضا الله عن الإنسان بحسبه ، لأن الحكم المعلق بالوصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه ويقوى بقوته ويضعف بضعفه ، الفسق من أسباب عدم رضا الله ، (( فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ )) .
الفسق أنواع كثيرة ومراتب عظيمة كثيرة مثلا : عقوق الوالدين من الفسوق ، قطيعة الرحم من الفسوق ، غش الناس من الفسوق ، الغدر بالعهد من الفسوق ، الكذب من الفسوق ، كل معصية فهي من الفسوق ، لكن الصغائر صغائر الذنوب تكفرها حسنات الأعمال إذا أصلح الإنسان الحسنات ، كما قال الله تعالى : (( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً )) .
وقال عز وجل : (( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ )) : فإذا فعل الإنسان حسنة أذهبت السيئة إذا كانت صغيرة ، أما الكبائر فلا ينفع فيها إلا التوبة ، على كل حال الفسق من أسباب انتفاء رضا الله عن العبد ، والطاعة من أسباب الرضا ، فعليك يا أخي بطاعة الله ، التزم طاعة الله إن كنت تريد رضا الله ، وإن كنت تريد رضا الله ، وإن كنت تريد رضا الناس فأرض الله ، إذا رضي الله عنك كفاك مؤونة الناس وأرضى الناس عنك ، وإن أسخطت الله برضا الناس فأبشر بسخط الناس مع سخط الله والعياذ بالله ، والله الموفق .