تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة هرقل قال هرقل فماذا يأمركم يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان قلت يقول اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة ... " .
الشيخ : ( وكان يأمرنا بالصلاة ) : الصلاة التي هي صلة بين العبد وبين ربه ، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين ، وبها يتميز المؤمن من الكافر فهي العهد بيننا وبين المشركين والكافرين ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) يعني : كفر كفرا مخرجا عن الملة ، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ) فهذا حد فاصل بين المؤمنين وبين الكافرين ولقد أبعد النَّجعة من قال من العلماء : إن المراد بالكفر هنا الكفر الأصغر كالذي في قوله صلى الله عليه وسلم : ( اثنتان في الناس هما بهم كفر ) ، لأن من تدبر الحديث علم أن هذا تأويل خاطئ ، وأن الصواب المتعين أن المراد بالكفر هنا الكفر الأكبر المخرج عن الملة ، لأن الفاصل بين شيئين بين الإيمان والكفر لابد أن يميز أحدهما من الآخر ، وإلا لما صح أن يكون فاصلا ، كالحدود التي بين أرضين إحداهما لزيد والثانية لعمرو فإن هذه الحدود فاصلة لا تدخل أرض زيد في أرض عمرو ولا أرض عمرو في أرض زيد ، وكذلك الصلاة حد فاصل من كان خارجا منها فليس داخلا فيمن وراءها .
إذًا الصلاة من بين سائر الأعمال إذا تركها الإنسان فهو كافر ، لو ترك الإنسان صيام رمضان وصار يأكل ويشرب بالنهار ولا يبالي لم نقل إنه كافر ، لا نقول إنه كافر ، لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر ، لو ترك الزكاة صار لا يزكي ، يجمع الأموال ولا يزكي لم نقل إنه كافر ، لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر ، لو لم يحج مع قدرته على الحج لم نقل إنه كافر ، لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر ، قال عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من التابعين مشهور قال : ( كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة ) : إذًا الصلاة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بها إذا إذا تركها الإنسان فهو كما لو ترك التوحيد ، يعني يكون كافرا مشركا والعياذ بالله ، ولهذا يشير حديث جابر الذي رواه مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة ) ، ( وكان يأمرنا بالصدق ) : وهذا هو الشاهد من الحديث ، كان النبي عليه الصلاة والسلام يامر أمته بالصدق ، وهذا كقوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )) والصدق خلق فاضل ، وسبق لنا أنه ينقسم إلى قسمين : صدق مع الله ، وصدق مع عباد الله ، وكلاهما من الأخلاق الفاضلة ضد الصدق الكذب وهو الإخبار بخلاف الواقع ، فالكذب خلق ذميم من أخلاق المنافقين ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب ) ، وبعض الناس نعوذ بالله مبتلى بهذا المرض ، لا يستأنس ولا ينشرح صدره إلا بالكذب ، يكذب دائما ، إن حدثك بحديث وإذا هو كاذب ، إن جلس بمجلس جعل يفتعل الأفاعيل ليضحك بها الناس ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( ويل لمن حدث فكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له ) مرتين ، ويل له : ثلاث مرات ، ( ويل لمن حدث فكذب ليضحك به الناس ويل له ثم ويل له ) ، هذا ما كان الرسول يأمر به ويأتي إن شاء الله بقية الحديث .
القارئ : قال المؤلف -رحمه الله- فيما نقله : " عن أبي سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة هرقل : ( قال هرقل : فماذا يأمركم ؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أبو سفيان قلت : يقول اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئاً ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة ) ، متفق عليه " .