شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ... " .
الشيخ : ثم قال : ( يا محمد أخبرني عن الإسلام ) : ولم يقل : يا رسول الله أخبرني صنيع البادية ، الأعراب ، لأن البادية الأعراب إذا جاء الأعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام يقول : يا محمد ، أما الذين سمعوا أدب الله عز وجل لهم فإنهم لا يقولون يا محمد ، وإنما يقولون : يا رسول الله ، لأن الله تعالى قال في كتابه : (( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً )) ، وهذا يشمل دعاءه عند النداء باسمه ، ويشمل دعاءه إذا أمر أو نهى ، فلا نجعل أمره كأمر الناس إن شئنا امتثلنا وإن شئنا تركنا ، ولا نجعل نهيه كنهي الناس إن شئنا تركنا وإن شئنا فعلنا ، كذلك عندما ندعوه لا ندعوه كدعاء بعضنا بعضا فنقول : يا فلان يا فلان مثلما تنادي صاحبك ، تقول يا عبد لله يا علي يا خالد يا بكر ، وإنما تقول : يا رسول الله .
لكن الأعراب لبعدهم عن العلم وجهل أكثرهم إذا جاؤوا : يا محمد .
قال : ( أخبرني عن الإسلام ) يعني ما هو الإسلام ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ) : هذا واحد ، تشهد بلسانك نطقا ، وبقلبك إقرارا أن لا إله إلا الله يعني : لا معبود حقٌ إلا الله سبحانه وتعالى ، وألوهية الله فرع عن ربوبيته ، لأن مَن تأله لله فقد أقر بالربوبية ، إذ أن المعبود لابد أن يكون ربا ، ولابد أيضا أن يكون كامل الصفات ، ولهذا نجد أو تجد الذين ينكرون صفات الله عز وجل عندهم نقص عظيم في العبودية ، لأنهم يعبدون مَن ؟ لا شيء ، فالرب لابد أن يكون كامل الصفات حتى يعبد بمقتضى هذه الصفات ، ولهذا قال الله تعالى : (( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا )) ادعوه : يعني تعبدوا له وتوسلوا بأسمائه إلى مطلوبكم ، فالدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة ، المهم أنه قال : أن تشهد أن لا إله إلا الله ، فلا إله مِن الخلق ، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا شمس ولا قمر ولا شجر ولا حجر ولا بر ولا بحر ولا ولي ولا صدِّيق ولا شهيد ، لا إله إلا الله وحده ، وهذه الكلمة أرسل الله بها جميع الرسل ، فقال الله تعال : (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ )) ، وقال تعالى : (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )) ، (( اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت )) : ابعدوا عن الشرك ، هذه الكلمة إذا حققها الإنسان وقالها من قلب ، ملتزما بما تقتضيه من الإيمان والعمل الصالح ، فإنه يدخل الجنة بها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ) : جعلنا الله وإياكم منهم ، ( أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ) : تشهد بأن محمدا بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي رسولَ الله ، ولم يذكر من سواه من الرسل ، لأنه نسخ جميع الأديان ، كل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه ناسخ لما قبله من الأديان ، كل الأديان باطلة ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فدين اليهود باطل ، ودين النصارى باطل غير مقبول عند الله لقول الله تعالى : (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) ، يتعبون في عباداتهم التي ابتدعوها يتعبون تعبا عظيما وينصبون نصبا عظيما ، وكل هذا هباء لا ينفعهم بشيء ، لن يُقبل منهم (( وهو في الآخرة من الخاسرين )) : لو ربحوا في الدنيا ما ربحوا في الآخرة لأن أديانهم باطلة ، فالذين يدعون الآن من النصارى أنهم منتسبون للمسيح عيسى ابن مريم هم كاذبون والمسيح بريء منهم ، ولو جاء المسيح لقاتلهم وسينزل في آخر الزمان ولا يقبل إلا الإسلام ، يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية فلا يقبلها من أحد ، لا يقبل إلا الإسلام ، وقوله : أن محمدا رسول الله إلى مَن ؟ إلى الخلق كافة ، كما قال تعالى : (( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً )) : للعالمين كلهم ، وقال تعالى : (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )) : فهو رسول إلى جميع الخلق ، وقد أقسم صلى الله عليه وسلم : ( أنه لا يسمع به أحد يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من أصحاب النار ) ، ولذلك نحن نؤمن ونعتقد بأن جميع النصارى واليهود وغيرهم من الكفرة كلهم من أصحاب النار ، لأن هذا شهادة النبي عليه الصلاة والسلام ، والجنة حرام عليهم لأنهم كفرة أعداء لله ولرسله ، أعداء لإبراهيم ولنوح ولمحمد ولموسى ولعيسى ولجميع الرسل ، ليسوا على شيء ، وقوله : ( أن محمدا رسول الله ) مع قوله : ( أن تشهد أن لا إله إلا الله ) هذان جَمَعا شرطي العبادة ، وهما : الإخلاص لله ، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن مَن قال : لا إله إلا الله أخلص لله ، ومن شهد أن محمد رسول الله اتبع رسول الله ولم يتبع سواه ، ولهذا عُد هذان ركنا واحدا من أركان الإسلام ، لأنهما يعودان إلى شيء واحد وهو تصحيح العبادات ، لأن العبادات لا تصح إلا بمقتضى هاتين الشهادتين ، شهادة لا إله إلا الله التي يكون بها الإخلاص ، وأن محمد رسول الله التي يكون بها الاتباع ، والله الموفق .
القارئ : نقل المؤلف -رحمه الله تعالى- في سياق حديث جبريل : ( وقال : يا محمد ) ، في سياق حديث عمر " ( قال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) " .