تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وتقيم الصلاة ... " . وفيه ذكر صفة الوضوء وبعض أحكام المسح على الخفين .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين :
كنا نتكلم فيما رواه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، من قصة مجيء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان ، وما زلنا نتكلم على قوله صلى الله عليه وسلم : ( وتقيم الصلاة ) ، وذكرنا في الدروس السابقة ما يتعلق بالوقت ، وما يتعلق بالطهارة ، ونكمِّل اليوم ما يتعلق بالطهارة أيضا ، فالطهارة طهارة الوضوء سبق لنا أنها تتعلق بأربعة أعضاء من البدن ، وهي : الوجه واليدان والرأس والرجلان ، فأما الوجه فيغسل ، وأما اليدان فتغسلان ، وأما الرأس فيمسح ، وأما الرجلان فتغسلان أو تمسحان ، أما الوجه فلا يمكن أن يُمسح إلا إذا كان هناك جبيرة ، يعني لزقة على جرح أو ما أشبه ذلك ، فلو أن الإنسان غطى وجهه بشيء من سموم شمس أو غيره ، فإنه لا يمسح عليه يزيل الغطاء ويغسل الوجه إلا إذا كان هناك ضرورة ، فإنه يمسح ما غطى به وجهه على سبيل البدل ، بدلا عن الغسل .
وأما اليدان فكذلك ، لا تمسحان ، لابد من غسلهما إلا إذا كان هناك ضرورة مثل أن يكون فيهما حساسية يضرها الماء ، وجعل عليهما لِفافة أو لبس قفازين مِن أجل ألا يأتيهما الماء فلا بأس أن يمسح مسحَ جبيرة للضرورة ، وأما الرأس فيمسح ، وطهارته أخف من غيره ، ولهذا لو كان المرأة على رأسها حناء ملبد عليه ، أو لبد المحرم رأسه في حال إحرامه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام : فإنه يمسح على هذا الملبَّد ولا حاجة إلى أن يقشعه ، أما الرجلان فتغسلان وتمسحان ، ولهذا جاء القرآن الكريم على وجهين في قراءة قوله تعالى : (( وأرجلَكم )) ففي قراءة (( وأرجلِكم )) ، وفي قراءة (( وأرجلَكم )) ، أما قراءة (( وأرجلِكم )) فهي عطفا على قوله تعالى : (( وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم )) أي : وامسحوا بأرجلِكم ، وأما النصب (( وأرجلَكم )) فهي عطفا على قوله تعالى : (( اغسلوا وجوهكم )) ، يعني واغسلوا أرجلَكم ، ولكن متى تُمسح الرجل ؟ تمسح الرجل إذا لبس الإنسان عليها جوارب أو خفين ، الجوارب ما كان من القطن أو الصوف أو نحوه ، والخفان ما كان من الجلد أو شبهه ، يمسح عليهما لكن بشروط أربعة :
الأول : الطهارة ، أي طهارة الخفين أو الجوربين ، فلو كانا من جلد نجس فإنه لا يصح المسح عليهما ، لأن النجس خبيث لا يتطهر مهما مسحته مهما غسلته ، أما إذا كانتا متنجستين فمعلوم أن الإنسان لا يصلي فيهما ، فلا يمسح عليهما .
الشرط الثاني : أن يلبسهما على طهارة ، على طهارة بالماء ، فإن لبسهما على تيمم فإنه لا يمسح عليهما ، يعني مثلا لو أن شخصا مسافرا لبس الجوارب على طهارة تيمم ، ثم قدم البلد فإنه لا يمسح عليهما ، لأنه لبسهما على طهارة تيمم ، وطهارة التيمم إنما تتعلق بالوجه والكفين لا علاقة لها بالرجلين ، وعلى هذا فيكون هذا الشرط مأخوذًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة : ( إني أدخلتهما طاهرتين ) .
الشرط الثالث : أن يكون في الحدث الأصغر ، يعني في الوضوء ، أما الغسل فلا تمسح فيه الخفان ولا الجوارب ، بل لابد من خلعهما وغسل الرجل ، لو كان على إنسان جنابة لا يمكن أن يمسح على الخفين .
والشرط الرابع : أن يكون في المدة المحددة شرعا ، وهي : يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر ، ولكن متى تبتدئ ؟ تبتدئ مِن أول مرة مسح بعد الحدث ، فأما ما قبل المسح الأول فلا يحسب من المدة ، لا يحسب من المدة فلو فرض أن شخصا لبس على طهارة في صباح اليوم ، الثلاثاء ، وبقي إلى أن صلى العشاء في طهارته ، ثم نام في ليلة الأربعاء ، ولما قام لصلاة الفجر مسح فيوم الثلاثاء لا يحسب عليه ، لأنه قبل المسح ، يحسب عليه من فجر يوم الأربعاء ، من فجر يوم الأربعاء ، لأن حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( يمسح المقيم يوما وليلة ) ، وقال صفوان بن عسَّال : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إذا كنا سفرا ) : أن نمسح ، فالعبرة بالمسح لا باللبس ولا بالحدث بعد اللبس ، العبرة بالمسح ، يتم المقيم يوما وليلة أربعا وعشرين ساعة ، والمسافر يتم ثلاثة أيام أي اثنتين وسبعين ساعة ، فإن مسح الإنسان وهو مقيم وسافر قبل أن تتم المدة ، فإنه يتيمم مسح مسافر ثلاثة أيام ، مثلا لو لبس اليوم لصلاة الفجر ، ومسح لصلاة الظهر ، ثم سافر بعد الظهر ، فإنه يتيمم ثلاثة أيام ، يمسح ثلاثة أيام ، ولو كان بالعكس مسح وهو مسافر ثم أقام فإنه يتيمم مسح مقيم ، يتيمم مسح مقيم لأن العبرة بالنهاية لا بالبداية ، العبرة في السفر أو الإقامة بالبداية لا بالنهاية ، العبرة بالنهاية لا بالبداية ، العبرة بالنهاية لا بالبداية ، وهذا هو الذي رجع إليه الإمام أحمد رحمه الله كان بالأول يقول إن الإنسان إذا مسح مقيما ثم سافر أتم مسح مقيم ، ولكنه رجع عن هذه الرواية ، عن هذا القول رجع عن هذا القول وقال إنه يتم مسح مسافر ، ولا تستغرب أن العالم يرجع عن قوله ، لأن الحق يجب أن يتبع ، متى تبين للإنسان الحق وجب عليه اتباعه ، فالإمام أحمد رحمه الله أحيانا يروى عنه في المسألة الواحدة أكثر من أربعة أقوال أو خمسة إلى سبعة أقوال في مسألة واحدة ، وهو رجل واحد ، أحيانا يصرح بأنه رجع وأحيانا لا يصرح ، إن صرح بأنه رجع عن قوله الأول فإنه لا يجوز أن ينسب إليه القول الأول الذي رجع عنه ، لأنه رجع عنه ، ولا يجوز أن ينسب قولا له إلا مقيدا بأن يقال : قال به أولا ثم رجع ، أما إذا لم يصرح بالرجوع فإنه يجب أن تحسب القولين كلاهما له ، فيقال : لأحمد في هذا قولان ، لأحمد في هذا ثلاثة أقوال ، لأحمد في هذا أربعة أقوال حسب ما يقال عنه ، والإمام أحمد رحمه الله تكثر الروايات عنه لأنه رجل أثري يأخذ بالآثار ، والذي يأخذ بالآثار ليس تأتيه الآثار دفعة واحدة حتى يحيط بها مرة واحدة ويستقر على قول منها ، لكن الآثار تتجدد ، يُنقل له حديث اليوم وينقل له حديث آخر في اليوم الثاني وهكذا ، ولذلك أقول : إن الإمام أحمد في مسألة ما إذا ابتدأ المسح ثم سافر كان يقول : إنه يتم مسح مقيم ثم رجع وقال : إنه يتم مسح مسافر .
واعلم أن الإنسان إذا تمت المدة وهو على طهارة فإنه لا تنتقض طهارته ، لكن لو انتقضت فلابد من خلع الخفين إذا أراد الوضوء وغسل القدمين ، لكن مجرد تمام المدة لا ينقض الوضوء ، كذلك أيضا إذا خلعهما بعد المسح وهو على طهارة فإنها لا تنتقض طهارته ، بل يبقى على طهارته ، فإذا أراد أن يتوضأ فلابد من أن يغسل قدميه بعد أن نزع ، والقاعدة في هذا من أجل ألا تشتبه أنه متى نُزع الممسوح فإنه لا يعاد ليمسح ، بل لابد من غسل الرجل ثم إعادته إذا أراد الوضوء ، والله الموفق .
وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد .
بسم الله الرحمن الرحيم :
لا نزال معكم في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجيء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان ، وكنا في موضوع إقامة الصلاة الذي هو الثاني من أركان الإسلام ، وتكلمنا فيما سبق عن الوقت وعن الطهارة .