و محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين ـ و إن دقت ـ أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ، و يعتقدونه في قلوبهم ، في ربهم و معبودهم رب العالمين ، الذي معرفته غاية المعارف ، و عبادته أشرف المقاصد ، و الوصول إليه غاية المطالب ، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية ، و زبدة الرسالة الإلهية ، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان و حكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام ؟! ثم إذا كان قد وقع ذلك منه : فمن المحال أن يكون خير أمته و أفضل قرونها قصروا في هذا الباب ، زائدين فيه أو ناقصين عنه . ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة ـ القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ـ كانوا غير عالمين و غير قائلين في هذا الباب بالحق المبين ؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم و القول ، و إما اعتقاد نقيض الحق و قول خلاف الصدق ، و كلاهما ممتنع . أما الأول : فلأن من في قلبه أدنة حياة و طلب للعلم ، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب و السؤال عنه ، و معرفة الحق فيه ، أكبر مقاصده ، و أعظم مطالبه ، أعني بيان ما ينبغي اعتقاده ، لا معرفة كيفية الرب و صفاته . و ليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ، و هذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية ، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى ـ الذي هو من أقوى المقتضيات ـ أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم ؟! هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق ، و أشدهم إعراضا عن الله ، و أعظمهم إكبابا على طلب الدنيا ، و الغفلة عن ذكر الله تعالى ، فكيف يقع في أولئك ؟!. و أما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه : فهذا لا يعتقده مسلم ، و لا عاقل عرف حال القوم .