يا سبحان الله ! كيف لم يقل الرسول يوما من الدهر ، و لا أحد من سلف الأمة : هذه الآيات و الأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه ، و لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم ، أو اعتقدوا كذا و كذا فإنه الحق ، و ما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره ، أو انظروا فيها ، فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه ، و ما لا فتوقفوا فيه أو انفوه ؟. ثم رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة ، فقد علم ما سيكون ، ثم قال : " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ،كتاب الله " . و روي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية : " هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم و أصحابي " . فهلا قال : من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقادات فهو ضال ، و إنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم و ما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة ـ في هذه المقالة ـ و إن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين . ثم أصل هذه المقالة ـ مقالة التعطيل للصفات ـ إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود و المشركين ، و ضلال الصابئين ، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام ـ أعني أن الله سبحانه و تعالى ليس على العرش حقيقة ، و أن معنى استوى بمعنى استولى و نحو ذلك ـ هو الجعد بن درهم و أخذها عنه الجهم بن صفوان ، و أظهرها فنسبت مقالة الجهميبة إليه . و قد قيل : إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان ، و أخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم ، و أخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه و سلم . و كان الجعد بن درهم هذا ـ فيما قيل ـ من أهل حران ، و كان فيهم خلق كثير من الصابئة و الفلاسفة بقايا أهل دين نمرود و الكنعانيين ، الذين صنف بعض المتأخرين في سيرهم ، و نمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين ، كما أن كسرى ملك الفرس و المجوس ، و فرعون ملك مصر ، و النجاشي ملك الحبشة ، و بطليموس ملك اليونان ، و قيصر ملك الروم ، فهو اسم جنس لا اسم علم . فكانت الصابئة ـ إلا قليلا منهم ـ إذ ذاك على الشرك ، وعلماؤهم هم الفلاسفة ، و إن كان الصابئ قد لا يكون مشركا ، بل مؤمنا بالله و اليوم الآخر كما قال الله تعالى : (إن الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون) [البقرة : 62 ] . وقال : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) [ المائدة : 69 ] لكن كثيرا منهم أو أكثرهم كانوا كفارا أو مشركين ، كما أن كثيرا من اليهود و النصارى بدلوا و حرفوا و صاروا كفارا أو مشركين ، فأولئك الصابئون ـ الذين كانوا إذ ذاك ـ كانوا كفارا أو مشركين ، و كانوا يعبدون الكواكب و يبنون لها الهياكل . و مذهب النفاة من هؤلاء في الرب : أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها ، و هم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه و سلم ، فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة .