و أيضا : فقد علم أنه صلى الله عليه و سلم قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه و بدلوه ، و معلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات ، فلو كان هذا مما بدل و حرف لكان إنكار ذلك عليهم أولى ، فكيف و كانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبا منهم و تصديقا لها ؟! و لم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات ، مثل لفظ التجسيم و التشبيه و نحو ذلك ، بل عابهم بقولهم : (يد الله مغلولة) [المائدة : 64] و قولهم : (إن الله فقير و نحن أغنياء) [آل عمران : 181] و قولهم : إنه استراح لما خلق السموات و الأرض ، فال تعالى : (و لقد خلقنا السموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام و ما مسنا من لغوب) [ق : 38] . و التوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن و الحديث ، و ليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن ، فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى ، و الثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان . و أما الصنف الثالث : و هم أهل التجهيل : فهم كثير من المنتسبين إلى السنة ، و اتباع السلف ، يقولون : إن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ، و لا جبريل يعرف معاني الآيات ، و لا السابقون الأولون عرفوا ذلك . و كذلك قولهم في أحاديث الصفات : إن معناها لا يعلمه إلا الله ، مع أن الرسول تكلم بها ابتداء ، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه . و هؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى : (و ما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران : 7] ، فإنه وقف أكثر السلف على قوله : (و ما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران : 7] . و هو وقف صحيح ، لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام و تفسيره ، و بين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، و ظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين و غلطوا في ذلك .