و كذلك قال أبو المعالي الجويني في كتابه " الرسالة النظامية " : اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر ؛ فرأى بعضهم تأوليها ، و التزم ذلك في آي الكتاب ، و ما يصح من السنن ، و ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل ، و إجراء الظواهر على مواردها ، و تفويض معانيها إلى الرب ، فقال : و الذي نرتضيه رأيا وندين لله به عقيدة : اتباع سلف الأمة ، و الدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة ، و هو حجة متبعة ، و هو مستند معظم الشريعة . و قد درج صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم على ترك التعرض لمعانيها و درك ما فيها و هم صفوة الإسلام و المستقلون بأعباء الشريعة ، و كانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة ، و التواصي بحفظها ، و تعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، و إذا انصرم عصرهم و عصر التابعين على الإضراب عن التأويل ، كان ذلك هو الوجه المتبع ، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، و لا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرب تعالى ، فليجر آية الاستواء و المجيء و قوله : (لما خلقت بيدي) [ص : 75] . (و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام) [الرحمن : 27] . و قوله : (تجري بأعيننا) [القمر : 14] . و ما صح من أخبار الرسول كخبر النزول و غيره على ما ذكرناه .