و جماع الأمر : أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات و أحاديثها ستة أقسام ، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة : قسمان يقولان : تجري على ظواهرها . و قسمان يقولان : هي على خلاف ظاهرها . و قسمان يسكتون . أما الأولون فقسمان : أحدهما : من يجريها على ظاهرها و يجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء المشبهة ، و مذهبهم باطل ، أنكره السلف ، و إليهم يتوجه الرد بالحق . الثاني : من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ، كما يجري ظاهر اسم العليم و القدير ، و الرب و الإله ، و الموجود و الذات ، و نحو ذلك ، على ظاهرها اللائق بجلال الله ، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث ، و إما عرض قائم به . فالعلم ، و القدرة ، و الكلام ، و المشيئة ، و الرحمة ، و الرضا ، و الغضب ، و نحو ذلك : في حق العبد أعراض ، و الوجه و اليد و العين في حقه أجسام ، فإذا كان الله موصوفا عند عامة أهل الإثبات بأن له علما و قدرة ، و كلاما و مشيئة ـ و إن لم يكن ذلك عرضا ، يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين ـ جاز أن يكون وجه الله و يداه صفات ليست أجساما ، يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين . و هذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي و غيره عن السلف ، و عليه يدل كلام جمهورهم ، و كلام الباقين لا يخالفه ، و هو أمر واضح ، فإن الصفات كالذات ، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات ، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات . فمن قال : لا أعقل علما و يدا إلا من جنس العلم و اليد المعهودين . قيل له : فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين ، و من المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته و تلائم حقيقته ؛ فمن لم يفهم من صفات الرب ـ الذي ليس كمثله شيء ـ إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله و دينه . و ما أحسن ما قال بعضهم : إذا قال لك الجهمي : كيف استوى أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا أو كيف يداه و نحو ذلك ؟ فقل له : كيف هو في ذاته ؟ فإذا قال لك : لا يعلم ما هو إلا هو ، و كنه الباري تعالى غير معلوم للبشر . فقل له : فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف ، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته ؟! و إنما تعلم الذات و الصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك . بل هذه " المخلوقات في الجنة " قد ثبت عن ابن عباس أنه قال : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ، و قد أخبر الله تعالى : إنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ، و أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن في الجنة : " ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ، و لا خطر على قلب بشر " . فإذا كان نعيم الجنة و هو خلق من خلق الله كذلك فما ظنك بالخالق سبحانه و تعالى .