وعن جابر رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً يعني عشاء ، لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة ) . متفق عليه ، وفي رواية للبخاري : ( إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً ) . حفظ
الشيخ : ثم قال : " وعن جابر رضي الله عنه قال: ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، فلما قدمنا المدينة، ذهبنا لندخل، فقال: أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً يعني: عشاء لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة ) متفق عليه .
وفي رواية البخاري: ( فإذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلًا ) "
.
نعم قال : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ) ولم يعين الغزوة، وعدم تعيينها لا يضر، لماذا ؟ لأن المقصود الحكم، وهذا يقع كثيراً في الأحاديث يقول مثلاً : قال رجل، أو كنا في غزوة أو كنا في سفر، أو ما أشبه ذلك ، والغالب أن تعيين هذا المبهم لا يحتاج إليه، لأن المقصود هو معرفة الحكم، ربما يحتاج إليه مثلاً ليعرف مثلاً هل هذا ناسخ لما سبقه أو غير ناسخ؟ لكنه ليس ضروريًّا في أكثر الأحيان، فنحن نقول في غزوة أي غزوة كانت ما يضر إذا جهلناها
يقول : ( فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل ) قدمنا هنا أي: قاربنا القدوم بدليل قوله : ( ذهبنا لندخل ) وذلك لأنه لا يتحقق القدوم إلا بالدخول، فلما قال: ( ذهبنا لندخل ) علمنا أن المراد يقوله ( قدمنا ) أي: قاربنا، وقد سبق لنا مرارا أن اللغة العربية يطلق فيها الفعل على إرادته أو على قربه، وهذا من سعة اللغة العربية
فقال : ( أمهلوا ) أي: انتظروا وأعطوا أهلكم مهلة، ( حتى تدخلوا ليلا ) يعني عشاء، يعني ليس ليلًا في آخر الليل أو في وسط الليل، بل في أول الليل، لأن العشاء يكون من أول الليل عند مغيب الشفق الأحمر.
ثم علل النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة ) متفق عليه، تمتشط الشعثة أي صار أشعث، لأن المرأة إذا لم يكن عندها زوج لا تهتم بنفسها ولا تتجمل، اللهم إلا ذهبت لزيارة أحد من الناس، وإلا تجدها شعثة في ثيابها وفي شعرها وفي هيئتها ، فإذا كان الزوج عندها وكانت تحبه فإنها لاشك سوف تتجمل له في شعرها وثيابها وغير ذلك، وإن كانت لا تحبه فالأمر بالعكس إذا كان رأسها ممشوطاً وأحست بقدومه شعثته، إذا كان عليها ثياب لا بأس بها غيرتها، إلى أسوء، وإذا أحست أو شعرت أنه سيقدم فلا بد أن تمتشط أي تمشط رأسها حتى يزول شعثه.
( وتستحد المغيبة ) الاستحداد معناه: إزالة ما ينبغي إزالته من الشعر كالإبط والعانة ويلحق بذلك الأظفار وشبهها.
المهم: أنها تزيل ما ينبغي إزالته من الشعور، كل ذلك من باب التجمل لزوجها والتنظف له.
وفي رواية للبخاري: ( إذا أطال أحدكم الغيبة ) إذا أطال أحدكم الغيبة - يرحمك الله - وهذا تصريح بما يفهم من الحديث الأول بما يفهم عن طريق اللزوم، لأن قوله : ( لكي تمتشط الشعثة ) يدل على أن الغيبة طويلة أدت إلى شعث المرأة، وكذلك ( تستحد المغيبة ) يدل على طول الغيبة، ولكن لا شك أن ما دل باللفظ أدل مما دل على سبيل اللزوم، فيكون تصريح البخاري بهذه الرواية ( فإذا أطال أحدكم ) تصريح بما يفهم من طريق اللزوم من اللفظ الأول
يقول : ( فلا يطرق أهله ليلًا ) الطارق هو الآتي ليلًا، ومنه قوله تعالى: (( والسماء والطارق )) النجم الذي يظهر في الليل، فالآتي ليلًا هو الطارق، ومعنى ( يطرق أهله ليلًا ) كلمة ليلًا من باب التوكيد، لأن الطرق هو الإتيان ليلًا، وربما يطلق الطرق على مطلق الإتيان، وعلى هذا فيكون قوله : ( ليلًا ) من باب التأسيس وليس من باب التوكيد، لأننا إذا جعلناه من باب التوكيد صار يعني أنه يمكن الاستغناء عنه، وإذا جعلناه من باب التأسيس فإنه لا يستغني عنه، وإذا فرضنا أنه لا يكون الطرق إلا ليلاً نقول إن ذكر التوكيد هنا لإزالة الاحتمال، ما هو الاحتمال؟ الاحتمال أن يكون الطرق هو الإتيان نهاراً، طيب .
طيب يستفاد من هذا الحديث: أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مشاركته في الغزوات أنه هو نفسه يشارك في الغزوات لقوله : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة )، وقد شارك صلى الله عليه وسلم في تسع وعشرين غزاة بنفسه قاتل فيها ، عليه الصلاة والسلام.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن رعاية النبي صلى الله عليه وسلم بأمته بحيث بلغت إلى هذا الحد إلى أن يعلمهم كيف يدخلون على أهليهم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن من هدي الصحابة أن المرأة تتجمل لزوجها بإزالة الشعث والتنظف.