العقيدة الطحاوية-35
الشيخ محمد أمان الجامي
العقيدة الطحاوية
الحجم ( 3.72 ميغابايت )
التنزيل ( 706 )
الإستماع ( 402 )


1 - قراءة الطالب لشرح الطحاوية : " ... فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة ؟ قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على غير ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات، لموافقته فيها المشيئة والقدر، وقال: إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ! [و] في ذلك قيل: أصبحت منفعلا لما يختاره *** مني، ففعلي كله طاعات ! وهؤلاء أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كان موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون - كلهم مطيعين ! وهذا غاية الجهل. لكن إذا شهد العبد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين - كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال ألبتة، فإن عليه حصنا حصينا" فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي"فلا يتصور منه الذنب في هذه الحالة، فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي بنفسه، استولى عليه حكم النفس، فهنالك نصبت عليه الشباك والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون، فإذا انتفى عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي، فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوبا بنفسه عن ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر، فبقي بربه لا بنفسه... " مع تعليق الشيخ.

2 - تعليق الشيخ على ما تقدم قراءته من الشرح " .... فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه ؟ !. فالجواب: أن يقال: أولا: نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم. ويقال ثانيا: هنا أمران: قضاء الله؛ وهو فعل قائم بذات الله تعالى، ومقضي: وهو المفعول المنفصل عنه. فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، نرضى به كله، والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به. ويقال ثالثا: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب تعالى، فمن هذا الوجه ونسبته إليه يرضى به. والوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به. مثال ذلك: قتل النفس، له اعتباران: فمن حيث قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية لعمره - يرضى به، ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله - نسخطه ولا نرضى به... " .

3 - قراءة الطالب لشرح الطحاوية : " ... وقوله : " والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان "إلى آخره - التعمق: هو المبالغة في طلب الشيء. والمعنى: أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان. الذريعة: الوسيلة، والذريعة والدرجة والسلم - متقاربة المعنى وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان - متقارب المعنى أيضا، لكن الخذلان في مقابلة النصر، والحرمان في مقابلة الظفر: والطغيان في مقابلة الاستقامة. وقوله:" فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة "- عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:"جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه: «إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به ؟ قال: ( وقد وجدتموه ) ؟ قالوا: نعم]، قال:( ذلك صريح الإيمان ) . رواه مسلم . الإشارة بقوله: ذلك ( صريح الإيمان ) إلى تعاظم أن يتكلموا به. ولمسلم أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة ؟ فقال: ( تلك محض الإيمان ) ، وهو بمعنى حديث أبي هريرة، فإن وسوسة النفس و مدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين، فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان. هذه طريقة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان. ثم خلف من بعدهم خلف، سودوا الأوراق بتلك الوساوس، التي هي شكوك وشبه، بل وسودوا القلوب، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ولذلك أطنب الشيخ رحمه الله في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، قال: فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، قال: فقال لهم: (ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض ؟ بهذا هلك من كان قبلكم ) . قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده، بما غبطت نفسي بذلك المجلس، أني لم أشهده " . ورواه ابن ماجه أيضا . وقال تعالى: (( فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا ))، الخلاق النصيب، قال تعالى (( وما له في الآخرة من خلاق ؟)) أي: استمتعتم بنصيبكم من الدنيا، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم وخضتم كالذي خاضوا أي: كالخوض الذي خاضوه، أو كالفوج أو الصنف أو الجيل الذي خاضوا. وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض؛ لأن فساد الدين إما في العمل وإما في الاعتقاد، فالأول من جهة الشهوات، والثاني من جهة الشبهات. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لتأخذن أمتي مآخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع، قالوا: فارس والروم ؟ قال: فمن الناس إلا أولئك ) . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان من أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ). رواه الترمذي. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ) . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ) - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة. وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأئمة مسألة القدر. وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع... " مع تعليق الشيخ.