التعليق على كتاب زاد المعاد-07
الشيخ عبدالعزيز ابن باز
زاد المعاد
الحجم ( 7.73 ميغابايت )
التنزيل ( 401 )
الإستماع ( 116 )


1 - القراءة من قول المصنف: ولما قسم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شماسٍ ، فكاتبته على نفسها ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها ، فأعتق بتزوجه إياها مئةً من أهل بيت بني المصطلق إكرامًا لصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهي من صريح العرب ، ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب على الإسلام بل كانوا يطئونهن بعد الاستبراء وأباح الله لهم ذلك ولم يشترط الإسلام بل قال تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } فأباح وطء ملك اليمين وإن كانت محصنةً إذا انقضت عدتها بالاستبراء وقال له سلمة بن الأكوع ، لما استوهبه الجارية الفزارية من السبي والله يا رسول الله لقد أعجبتني ، وما كشفت لها ثوبًا ولو كان وطؤها حرامًا قبل الإسلام عندهم لم يكن لهذا القول معنًى ، ولم تكن قد أسلمت لأنه قد فدى بها ناسًا من المسلمين بمكة ، والمسلم لا يفادى به وبالجملة فلا نعرف في أثرٍ واحدٍ قط اشتراط الإسلام منهم قولًا أو فعلًا في وطء المسبية فالصواب الذي كان عليه هديه وهدي أصحابه استرقاق العرب ، ووطء إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام . أستمع حفظ

14 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ في هديه فيمن جس عليه ثبت عنه أنه قتل جاسوسًا من المشركين . وثبت عنه أنه لم يقتل حاطبًا ، وقد جس عليه واستأذنه عمر في قتله فقال وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدرٍ فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فاستدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس كالشافعي ، وأحمد ، وأبي حنيفة رحمهم الله واستدل به من يرى قتله كمالكٍ ، وابن عقيلٍ من أصحاب أحمد - رحمه الله - وغيرهما قالوا : لأنه علل بعلةٍ مانعةٍ من القتل منتفيةٍ في غيره أستمع حفظ

26 - القراءة من قول المصنف: ولم يكن يضمن المشركين إذا أسلموا ما أتلفوه على المسلمين من نفسٍ أو مالٍ حال الحرب ولا قبله وعزم الصديق على تضمين المحاربين من أهل الردة ديات المسلمين وأموالهم فقال عمر تلك دماءٌ أصيبت في سبيل الله ، وأجورهم على الله ولا دية لشهيدٍ فاتفق الصحابة على ما قال عمر ولم يكن أيضًا يرد على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها منهم الكفار قهرًا بعد إسلامهم بل كانوا يرونها بأيديهم ولا يتعرضون لها سواءٌ في ذلك العقار والمنقول هذا هديه الذي لا شك فيه . ولما فتح مكة ، قام إليه رجالٌ من المهاجرين يسألونه أن يرد عليهم دورهم التي استولى عليها المشركون فلم يرد على واحدٍ منهم داره وذلك لأنهم تركوها لله وخرجوا عنها ابتغاء مرضاته فأعاضهم عنها دورًا خيرًا منها في الجنة فليس لهم أن يرجعوا فيما تركوه لله بل أبلغ من ذلك أنه لم يرخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد نسكه أكثر من ثلاثٍ لأنه قد ترك بلده لله وهاجر منه فليس له أن يعود يستوطنه ولهذا رثى لسعد بن خولة ، وسماه بائسًا أن مات بمكة ودفن بها بعد هجرته منها أستمع حفظ

30 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ في هديه في الأرض المغنومة ثبت عنه أنه قسم أرض بني قريظة وبني النضير وخيبر بين الغانمين وأما المدينة ، ففتحت بالقرآن وأسلم عليها أهلها ، فأقرت بحالها . وأما مكة ، ففتحها عنوةً ولم يقسمها ، فأشكل على كل طائفةٍ من العلماء الجمع بين فتحها عنوةً وترك قسمتها ، فقالت طائفةٌ لأنها دار المناسك وهي وقفٌ على المسلمين كلهم وهم فيها سواءٌ فلا يمكن قسمتها ، ثم من هؤلاء من منع بيعها وإجارتها ، ومنهم من جوز بيع رباعها ، ومنع إجارتها ، والشافعي لما لم يجمع بين العنوة وبين عدم القسمة قال إنها فتحت صلحًا ، فلذلك لم تقسم . قال ولو فتحت عنوةً لكانت غنيمةً فيجب قسمتها كما تجب قسمة الحيوان والمنقول ولم ير بأسًا من بيع رباع مكة ، وإجارتها ، واحتج بأنها ملكٌ لأربابها تورث عنهم وتوهب وقد أضافها الله سبحانه إليهم إضافة الملك إلى مالكه واشترى عمر بن الخطاب دارًا من صفوان بن أمية ، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم أين تنزل غدًا في دارك بمكة ؟ فقال وهل ترك لنا عقيلٌ من رباعٍ أو دورٍ وكان عقيلٌ ورث أبا طالبٍ ، فلما كان أصل الشافعي أن الأرض من الغنائم وأن الغنائم تجب مكة تملك وتباع ورباعها ودورها لم تقسم لم يجد بدا من القول بأنها فتحت صلحًا. لكن من تأمل الأحاديث الصحيحة وجدها كلها دالةً على قول الجمهور أنها فتحت عنوةً. ثم اختلفوا لأي شيءٍ لم يقسمها ؟ فقالت طائفةٌ لأنها دار النسك ومحل العبادة فهي وقفٌ من الله على عباده المسلمين . وقالت طائفةٌ الإمام مخيرٌ في الأرض بين قسمتها وبين وقفها ، والنبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر ، ولم يقسم مكة ، فدل على جواز الأمرين . قالوا : والأرض لا تدخل في الغنائم المأمور بقسمتها ، بل الغنائم هي الحيوان والمنقول لأن الله تعالى لم يحل الغنائم لأمةٍ غير هذه الأمة وأحل لهم ديار الكفر وأرضهم كما قال تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم } إلى قوله { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } وقال في ديار فرعون وقومه وأرضهم { كذلك وأورثناها بني إسرائيل } فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم والإمام مخيرٌ فيها بحسب المصلحة وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك وعمر لم يقسم بل أقرها على حالها وضرب عليها خراجًا مستمرا في رقبتها يكون للمقاتلة فهذا معنى وقفها ، ليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة وقد أجمعوا على أنها تورث والوقف لا يورث وقد نص الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على أنها يجوز أن تجعل صداقًا ، والوقف لا يجوز أن يكون مهرًا في النكاح ولأن الوقف إنما امتنع بيعه ونقل الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم من منفعته والمقاتلة حقهم في خراج الأرض فمن اشتراها صارت عنده خراجيةً كما كانت عند البائع سواءً فلا يبطل حق أحدٍ من المسلمين بهذا البيع كما لم يبطل بالميراث والهبة والصداق ونظير هذا بيع رقبة المكاتب وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة أستمع حفظ

35 - القراءة من قول المصنف: ونظير هذا بيع رقبة المكاتب وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتبًا كما كان عند البائع ولا يبطل ما انعقد في حقه من سبب العتق ببيعه والله أعلم . صلى الله عليه وسلم قسم نصف أرض خيبر خاصةً ولو كان حكمها حكم الغنيمة لقسمها كلها بعد الخمس ففي " السنن " و " المستدرك " : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر قسمها على ستةٍ وثلاثين سهمًا ، جمع كل سهمٍ مائة سهمٍ فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس هذا لفظ أبي داود وفي لفظٍ عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهمًا ، وهو الشطر لنوائبه وما ينزل به من أمر المسلمين وكان ذلك الوطيح والكتيبة ، والسلالم وتوابعها . وفي لفظٍ له أيضًا : عزل نصفها لنوائبه وما نزل به : الوطحية والكتيبة ، وما أحيز معهما ، وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين الشق والنطاة ، وما أحيز معهما ، وكان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيز معهما أستمع حفظ

36 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ والذي يدل على أن مكة فتحت عنوةً وجوهٌ أحدها : أنه لم ينقل أحدٌ قط أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهلها زمن الفتح ولا جاءه أحدٌ منهم صالحه على البلد وإنما جاءه أبو سفيان فأعطاه الأمان لمن دخل داره أو أغلق بابه أو دخل المسجد أو ألقى سلاحه . ولو كانت قد فتحت صلحًا ، لم يقل من دخل داره أو أغلق بابه أو دخل المسجد فهو آمنٌ فإن الصلح يقتضي الأمان العام . الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنه أذن لي فيها ساعةً من نهارٍ وفي لفظٍ إنها لا تحل لأحدٍ قبلي ، ولن تحل لأحدٍ بعدي ، وإنما أحلت لي ساعةً من نهارٍ وفي لفظٍ فإن أحدٌ ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي ساعةً من نهارٍ وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس . وهذا صريحٌ في أنها فتحت عنوةً . وأيضًا ، فإنه ثبت في " الصحيح أنه جعل يوم الفتح خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى ، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى ، وجعل أبا عبيدة على الحسر وبطن الوادي ، فقال يا أبا هريرة ادع لي الأنصار فجاءوا يهرولون فقال يا معشر الأنصار ، هل ترون أوباش قريشٍ ؟ قالوا : نعم قال انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تحصدوهم حصدًا ، وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله وقال موعدكم الصفا ، قال فما أشرف يومئذٍ لهم أحدٌ إلا أناموه وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا ، وجاءت الأنصار ، فأطافوا بالصفا ، فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيدت خضراء قريشٍ ، لا قريش بعد اليوم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ ، ومن ألقى السلاح فهو آمنٌ ومن أغلق بابه فهو آمنٌ . وأيضًا ، فإن أم هانئٍ أجارت رجلًا ، فأراد علي بن أبي طالبٍ قتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانئٍ وفي لفظٍ عنها : لما كان يوم فتح مكة ، أجرت رجلين من أحمائي ، فأدخلتهما بيتًا ، وأغلقت عليهما بابًا ، فجاء ابن أمي علي فتفلت عليهما بالسيف فذكرت حديث الأمان وقول النبي صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانئٍ وذلك ضحًى بجوف مكة بعد الفتح . فإجارتها له وإرادة علي رضي الله عنه قتله وإمضاء النبي صلى الله عليه وسلم إجارتها صريحٌ في أنها فتحت عنوةً . وأيضًا فإنه أمر بقتل مقيس بن صبابة ، وابن خطلٍ ، وجاريتين ولو كانت فتحت صلحًا ، لم يأمر بقتل أحدٍ من أهلها ، ولكان ذكر هؤلاء مستثنًى من عقد الصلح وأيضًا أستمع حفظ

55 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ في هديه في الأمان والصلح ومعاملة رسل الكفار وأخذ الجزية ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين وإجارة من جاءه من الكفار حتى يسمع كلام الله ورده إلى مأمنه ووفائه بالعهد وبراءته من الغدر ثبت عنه أنه قال: ذمة المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلمًا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا وقال المسلمون تتكافأ دماؤهم ، وهم يدٌ على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مؤمنٌ بكافرٍ ، ولا ذو عهدٍ في عهده من أحدث حدثًا فعلى نفسه ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وثبت عنه أنه قال من كان بينه وبين قومٍ عهدٌ فلا يحلن عقدةً ولا يشدها حتى يمضي أمده أو ينبذ إليهم على سواءٍ وقال من أمن رجلًا على نفسه فقتله ، فأنا بريءٌ من القاتل وفي لفظٍ أعطي لواء غدرة وقال لكل غادرٍ لواءٌ عند استه يوم القيامة يعرف به يقال هذه غدره فلان بن فلانٍ أستمع حفظ

66 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، صار الكفار معه ثلاثة أقسامٍ: قسمٌ صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا عليه عدوه وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم . وقسمٌ حاربوه ونصبوا له العداوة . وقسمٌ تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه بل انتظروا ما يئول إليه أمره وأمر أعدائه ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين وهؤلاء هم المنافقون فعامل كل طائفةٍ من هذه الطوائف بما أمره به ربه تبارك وتعالى . فصالح يهود المدينة ، وكتب بينهم وبينه كتاب أمنٍ وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة : بني قينقاع ، وبني النضير ، وبني قريظة ، فحاربته بنو قينقاع بعد ذلك بعد بدر ٍ ، وشرقوا بوقعة بدر ٍ ، فسارت إليهم جنود الله يقدمهم عبد الله ورسوله يوم السبت للنصف من شوالٍ على رأس عشرين شهرًا من مهاجره وكان حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين وكانوا أشجع يهود المدينة ، وحامل لواء المسلمين يومئذٍ حمزة بن عبد المطلب ، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر ، وحاصرهم خمسة عشر ليلةً إلى هلال ذي القعدة وهم أول من حارب من اليهود ، وتحصنوا في حصونهم فحاصرهم أشد الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب الذي إذا أراد خذلان قومٍ وهزيمتهم أنزله عليهم وقذفه في قلوبهم فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقابهم وأموالهم ونسائهم وذريتهم فأمر بهم فكتفوا ، وكلم عبد الله بن أبي فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وألح عليه فوهبهم له وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ، ولا يجاوروه بها ، فخرجوا إلى أذرعاتٍ من أرض الشام ، فقل أن لبثوا فيها حتى هلك أكثرهم وكانوا صاغةً وتجارًا ، وكانوا نحو الستمائة مقاتلٍ وكانت دارهم في طرف المدينة ، وقبض منهم أموالهم فأخذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث قسي ودرعين وثلاثة أسيافٍ وثلاثة رماحٍ وخمس غنائمهم وكان الذي تولى جمع الغنائم محمد بن مسلمة أستمع حفظ

67 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ ثم نقض العهد بنو النضير ، قال البخاري : وكان ذلك بعد بدرٍ بستة أشهرٍ قاله عروة وسبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في نفرٍ من أصحابه ، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ، فقالوا : نفعل يا أبا القاسم اجلس ها هنا نقضي حاجتك ، وخلا بعضهم ببعضٍ وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أيكم يأخذ هذه الرحا ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها ؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاشٍ : أنا ، فقال لهم سلام بن مشكمٍ : لا تفعلوا فوالله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه وجاء الوحي على الفور إليه من ربه تبارك وتعالى بما هموا به فنهض مسرعًا ، وتوجه إلى المدينة ، ولحقه أصحابه فقالوا : نهضت ولم نشعر بك فأخبرهم بما همت يهود به وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرجوا من المدينة ، ولا تساكنوني بها ، وقد أجلتكم عشرًا ، فمن وجدت بعد ذلك بها ، ضربت عنقه فأقاموا أيامًا يتجهزون وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي : أن لا تخرجوا من دياركم فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان ، وطمع رئيسهم حي بن أخطب فيما قال له وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنا لا نخرج من ديارنا ، فاصنع ما بدا لك ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونهضوا إليه وعلي بن أبي طالبٍ يحمل اللواء فلما انتهى إليهم قاموا على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة واعتزلتهم قريظة وخانهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان ، ولهذا شبه سبحانه وتعالى قصتهم وجعل مثلهم { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريءٌ منك } ، فإن سورة الحشر هي سورة بني النضير ، وفيها مبدأ قصتهم ونهايتها ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع نخلهم وحرق ، فأرسلوا إليها : نحن نخرج عن المدينة ، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح وقبض النبي صلى الله عليه وسلم الأموال والحلقة وهي السلاح أستمع حفظ

69 - القراءة من قول المصنف: وكانت بنو النضير خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنوائبه ومصالح المسلمين ولم يخمسها لأن الله أفاءها عليه ، ولم يوجف المسلمون عليها بخيلٍ ولا ركابٍ . وخمس قريظة . قال مالكٌ : خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة ، ولم يخمس بني النضير . لأن المسلمين لم يوجفوا بخيلهم ولا ركابهم على بني النضير كما أوجفوا على قريظة وأجلاهم إلى خيبر ، وفيهم حي بن أخطب كبيرهم وقبض السلاح واستولى على أرضهم وديارهم وأموالهم فوجد من السلاح خمسين درعًا ، وخمسين بيضةً وثلاثمائةٍ وأربعين سيفًا ، وقال كان هؤلاء في قومهم بمنزلة بني المغيرة في قريشٍ وكانت قصتهم في ربيعٍ الأول سنة أربعٍ من الهجرة . أستمع حفظ

72 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ وأما قريظة فكانت أشد اليهود عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأغلظهم كفرًا ، ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم وكان سبب غزوهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلحٌ جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم فقال قد جئتكم بعز الدهر جئتكم بقريشٍ على سادتها ، وغطفان على قادتها ، وأنتم أهل الشوكة والسلاح فهلم حتى نناجز محمدًا ونفرغ منه فقال له رئيسهم بل جئتني والله بذل الدهر جئتني بسحابٍ قد أراق ماءه فهو يرعد ويبرق أستمع حفظ

76 - القراءة من قول المصنف: فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فأرسل يستعلم الأمر فوجدهم قد نقضوا العهد فكبر وقال أبشروا يا معشر المسلمين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، لم يكن إلا أن وضع سلاحه فجاءه جبريل فقال أوضعت السلاح والله إن الملائكة لم تضع أسلحتها ؟ فانهض بمن معك إلى بني قريظة ، فإني سائرٌ أمامك أزلزل بهم حصونهم وأقذف في قلوبهم الرعب فسار جبريل في موكبه من الملائكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار وقال لأصحابه يومئذٍ لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة فبادروا إلى امتثال أمره ونهضوا من فورهم فأدركتهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصليها إلا في بني قريظة كما أمرنا ، فصلوها بعد عشاء الآخرة وقال بعضهم لم يرد منا ذلك وإنما أراد سرعة الخروج فصلوها في الطريق فلم يعنف واحدةً من الطائفتين . واختلف الفقهاء أيهما كان أصوب ؟ فقالت طائفةٌ الذين أخروها هم المصيبون ولو كنا معهم لأخرناها كما أخروها ، ولما صليناها إلا في بني قريظة امتثالًا لأمره وتركًا للتأويل المخالف للظاهر . وقالت طائفةٌ أخرى : بل الذين صلوها في الطريق في وقتها حازوا قصب السبق وكانوا أسعد بالفضيلتين فإنهم بادروا إلى امتثال أمره في الخروج وبادروا إلى مرضاته في الصلاة في وقتها ، ثم بادروا إلى اللحاق بالقوم فحازوا فضيلة الجهاد وفضيلة الصلاة في وقتها ، وفهموا ما يراد منهم وكانوا أفقه من الآخرين ولا سيما تلك الصلاة فإنها كانت صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح الذي لا مدفع له ولا مطعن فيه ومجيء السنة بالمحافظة عليها ، والمبادرة إليها ، والتبكير بها ، وأن من فاتته فقد وتر أهله وماله أو قد حبط عمله فالذي جاء فيها أمرٌ لم يجئ مثله في غيرها ، وأما المؤخرون لها ، فغايتهم أنهم معذورون بل مأجورون أجرًا واحدًا لتمسكهم بظاهر النص وقصدهم امتثال الأمر وأما أن يكونوا هم المصيبين في نفس الأمر ومن بادر إلى الصلاة وإلى الجهاد مخطئًا ، فحاشا وكلا ، والذين صلوا في الطريق جمعوا بين الأدلة وحصلوا الفضيلتين فلهم أجران والآخرون مأجورون أيضًا رضي الله عنهم . أستمع حفظ

78 - القراءة من قول المصنف: فإن قيل كان تأخير الصلاة للجهاد حينئذٍ جائزًا مشروعًا، ولهذا كان عقب تأخير النبي صلى الله عليه وسلم العصر يوم الخندق إلى الليل فتأخيرهم صلاة العصر إلى الليل كتأخيره صلى الله عليه وسلم لها يوم الخندق إلى الليل سواءٌ ولا سيما أن ذلك كان قبل شروع صلاة الخوف . قيل هذا سؤالٌ قوي وجوابه من وجهين . أحدهما : أن يقال لم يثبت أن تأخير الصلاة عن وقتها كان جائزًا بعد بيان المواقيت ولا دليل على ذلك إلا قصة الخندق ، فإنها هي التي استدل بها من قال صلى الله عليه وسلم كان عن عمدٍ بل لعله كان نسيانًا ، وفي القصة ما يشعر بذلك فإن عمر لما قال له يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والله ما صليتها ثم قام فصلاها . وهذا مشعرٌ بأنه صلى الله عليه وسلم كان ناسيًا بما هو فيه من الشغل والاهتمام بأمر العدو المحيط به وعلى هذا يكون قد أخرها بعذر النسيان كما أخرها بعذر النوم في سفره وصلاها بعد استيقاظه وبعد ذكره لتتأسى أمته به أستمع حفظ