التعليق على كتاب زاد المعاد-08
الشيخ عبدالعزيز ابن باز
زاد المعاد
الحجم ( 7.70 ميغابايت )
التنزيل ( 404 )
الإستماع ( 97 )


2 - القراءة من قول المصنف:فصلٌ وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية علي بن أبي طالبٍ ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتومٍ ونازل حصون بني قريظة وحصرهم خمسًا وعشرين ليلةً ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسدٍ ثلاث خصالٍ إما أن يسلموا ويدخلوا مع محمدٍ في دينه وإما أن يقتلوا ذراريهم ويخرجوا إليه بالسيوف مصلتةً يناجزونه حتى يظفروا به أو يقتلوا عن آخرهم وإما أن يهجموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ..ويكبسوه يوم السبت لأنهم آمنوا أن يقاتلوه فيه فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدةٍ منهن فبعثوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون وقالوا : يا أبا لبابة كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمدٍ ؟ فقال نعم وأشار بيده إلى حلقه يقول إنه الذبح ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله فمضى على وجهه ولم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المسجد مسجد المدينة ، فربط نفسه بسارية المسجد وحلف ألا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدًا ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال دعوه حتى يتوب الله عليه ثم تاب الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال دعوه حتى يتوب اللله عليه ثم تاب الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه الأوس ، فقالوا : يا رسول الله قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج ، وهؤلاء موالينا ، فأحسن فيهم فقال ألا ترضون أن يحكم فيهم رجلٌ منكم قالوا : بلى . قال : فذاك إلى سعد بن معاذٍ . قالوا : قد رضينا ، فأرسل إلى سعد بن معاذٍ ، وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرحٍ كان به فأركب حمارًا وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يقولون له وهم كنفتاه يا سعد أجمل إلى مواليك ، فأحسن فيهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكمك فيهم لتحسن فيهم وهو ساكتٌ لا يرجع إليهم شيئًا ، فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعدٍ ألا تأخذه في الله لومة لائمٍ فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة ، فنعى إليهم القوم فلما انتهى سعدٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة قوموا إلى سيدكم فلما أنزلوه قالوا : يا سعد إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك ، قال وحكمي نافذٌ عليهم ؟ . قالوا : نعم . قال وعلى المسلمين ؟ قالوا : نعم . قال وعلى من ها هنا وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالًا له وتعظيمًا ؟ قال نعم وعلي . قال فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماواتٍ وأسلم منهم تلك الليلة نفرٌ قبل النزول وهرب عمرو بن سعدٍ ، فانطلق فلم يعلم أين ذهب وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد فلما حكم فيهم بذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم ومن لم ينبت ألحق بالذرية أستمع حفظ

6 - القراءة من قول المصنف: أما ترون الداعي لا ينزع والذاهب منكم لا يرجع هو والله القتل . قال مالكٌ في رواية ابن القاسم : قال عبد الله بن أبي لسعد بن معاذٍ في أمرهم إنهم أحد جناحي وهم ثلاثمائة دارعٍ وستمائة حاسرٍ فقال قد آن لسعدٍ ألا تأخذه في الله لومة لائمٍ ولما جيء بحيي بن أخطب إلى بين يديه ووقع بصره عليه قال أما والله ما لمت نفسي في معاداتك ، ولكن من يغالب الله يغلب ثم قال يا أيها الناس لا بأس قدر الله وملحمةٌ كتبت على بني إسرائيل ثم حبس فضربت عنقه أستمع حفظ

8 - القراءة من قول المصنف: واستوهب ثابت بن قيس ٍ الزبير بن باطا وأهله وماله من رسول الله فوهبهم له فقال له ثابت بن قيسٍ : قد وهبك لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووهب لي مالك وأهلك ، فهم لك . فقال سألتك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالأحبة فضرب عنقه وألحقه بالأحبة من اليهود ، فهذا كله في يهود المدينة ، وكانت غزوة كل طائفةٍ منهم عقب كل غزوةٍ من الغزوات الكبار . فغزوة بني قينقاع عقب بدرٍ ، وغزوة بني النضير عقب غزوة أحدٍ ، وغزوة بني قريظة عقب الخندق . وأما يهود خيبر ، فسيأتي ذكر قصتهم إن شاء الله تعالى أستمع حفظ

10 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ وكان هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا صالح قومًا فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرهم الباقون ورضوا به غزا الجميع وجعلهم كلهم ناقضين كما فعل بقريظة ، والنضير ، وبني قينقاع وكما فعل في أهل مكة ، فهذه سنته في أهل العهد وعلى هذا ينبغي أن يجري الحكم في أهل الذمة كما صرح به الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم وخالفهم أصحاب الشافعي ، فخصوا نقض العهد بمن نقضه خاصةً دون من رضي به وأقر عليه وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة أقوى وآكد ولهذا كان موضوعًا على التأبيد بخلاف عقد الهدنة والصلح . والأولون يقولون لا فرق بينهما ، وعقد الذمة لم يوضع للتأبيد بل بشرط استمرارهم ودوامهم على التزام ما فيه فهو كعقد الصلح الذي وضع للهدنة بشرط التزامهم أحكام ما وقع عليه العقد قالوا : والنبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت عقد الصلح والهدنة بينه وبين اليهود لما قدم المدينة ، بل أطلقه ما داموا كافين عنه غير محاربين له فكانت تلك ذمتهم غير أن الجزية لم يكن نزل فرضها بعد أستمع حفظ

12 - القراءة من قول المصنف: غير أن الجزية لم يكن نزل فرضها بعد فلما نزل فرضها ، ازداد ذلك إلى الشروط المشترطة في العقد ولم يغير حكمه وصار بعضهم العهد وأقرهم الباقون ورضوا بذلك ولم يعلموا به المسلمين صاروا في ذلك كنقض أهل الصلح وأهل العهد والصلح سواءٌ في هذا المعنى ، ولا فرق بينهما فيه وإن افترقا من وجهٍ آخر يوضح هذا أن المقر الراضي الساكت إن كان باقيًا على عهده وصلحه لم يجز قتاله ولا قتله في الموضعين وإن كان بذلك خارجًا عن عهده وصلحه راجعًا إلى حاله الأولى قبل العهد والصلح لم يفترق الحال بين عقد الهدنة وعقد الذمة في ذلك فكيف يكون عائدًا إلى حاله في موضعٍ دون موضعٍ هذا أمرٌ غير معقولٍ . توضيحه أن تجدد أخذ الجزية منه لا يوجب له أن يكون موفيًا بعهده مع رضاه وممالأته ومواطأته لمن نقض وعدم الجزية يوجب له أن يكون ناقضًا غادرًا غير موفٍ بعهده هذا بين الامتناع . فالأقوال ثلاثةٌ النقض في الصورتين وهو الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفار وعدم النقض في الصورتين وهو أبعد الأقوال عن السنة والتفريق بين الصورتين والأولى أصوبها ، وبالله التوفيق . وبهذا القول أفتينا ولي الأمر لما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ودورهم وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته وكاد - لولا دفع الله - أن يحترق كله وعلم بذلك من علم من النصارى ، وواطئوا عليه وأقروه ورضوا به ولم يعلموا ولي الأمر فاستفتى فيهم ولي الأمر من حضره من الفقهاء فأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك وأعان عليه بوجهٍ من الوجوه أو رضي به وأقر عليه وأن حده القتل حتمًا ، لا تخيير للإمام فيه كالأسير بل صار القتل له حدا ، والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة ملتزمًا لأحكام الله بخلاف الحربي إذا أسلم ، فإن الإسلام يعصم دمه وماله ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام فهذا له حكمٌ والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكمٌ آخر وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وأفتى به في غير موضعٍ أستمع حفظ

15 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ وكان هديه وسنته إذا صالح قومًا وعاهدهم فانضاف إليهم عدو له سواهم فدخلوا معهم في عقدهم وانضاف إليه قومٌ آخرون فدخلوا معه في عقده صار حكم من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكم من حاربه وبهذا السبب غزا أهل مكة ، فإنه لما صالحهم على وضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين تواثبت بنو بكر بن وائلٍ ، فدخلت في عهد قريشٍ ، وعقدها ، وتواثبت خزاعة ، فدخلت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده ثم عدت بنو بكرٍ على خزاعة فبيتتهم وقتلت منهم وأعانتهم قريشٌ في الباطن بالسلاح فعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا ناقضين للعهد بذلك واستجاز غزو بني بكر بن وائلٍ لتعديهم على حلفائه وسيأتي ذكر القصة إن شاء الله تعالى . وبهذا أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم فأمدوهم بالمال والسلاح وإن كانوا لم يغزونا ولم يحاربونا ، ورآهم بذلك ناقضين للعهد كما نقضت قريشٌ عهد النبي صلى الله عليه وسلم بإعانتهم بني بكر بن وائلٍ على حرب حلفائه فكيف إذا أعان أهل الذمة المشركين على حرب المسلمين . والله أعلم . أستمع حفظ

16 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ وكانت تقدم عليه رسل أعدائه وهم على عداوته فلا يهيجهم ولا يقتلهم ولما قدم عليه رسولا مسيلمة الكذاب : وهما عبد الله بن النواحة وابن أثالٍ ، قال لهما : فما تقولان أنتما ؟ " قالا: نقول كما قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما فجرت سنته ألا يقتل رسولٌ . وكان هديه أيضًا ألا يحبس الرسول عنده إذا اختار دينه فلا يمنعه من اللحاق بقومه بل يرده إليهم كما قال أبو رافعٍ بعثتني قريشٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتيته وقع في قلبي الإسلام فقلت : يا رسول الله لا أرجع إليهم . فقال إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد ارجع إليهم فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع قال أبو داود : وكان هذا في المدة التي شرط لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إليهم من جاء منهم وإن كان مسلمًا ، وأما اليوم فلا يصلح هذا انتهى أستمع حفظ

19 - القراءة من قول المصنف: وفي قوله لا أحبس البرد إشعارٌ بأن هذا حكمٌ يختص بالرسل مطلقًا ، وأما رده لمن جاء إليه منهم وإن كان مسلمًا ، فهذا إنما يكون مع الشرط كما قال أبو داود ، وأما الرسل فلهم حكمٌ آخر ألا تراه لم يتعرض لرسولي مسيلمة وقد قالا له في وجهه نشهد أن مسيلمة رسول الله . وكان من هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدًا من أصحابه على عهدٍ لا يضر بالمسلمين من غير رضاه أمضاه لهم كما عاهدوا حذيفة وأباه الحسيل أن لا يقاتلاهم معه صلى الله عليه وسلم فأمضى لهم ذلك وقال لهما : انصرفا نفي لهم بعهدهم ، ونستعين الله عليهم أستمع حفظ

22 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ وصالح قريشًا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين على أن من جاءه رده إليهم ومن جاءهم من عنده لا يردونه إليه وكان اللفظ عاما في الرجال والنساء فنسخ الله ذلك في حق النساء وأبقاه في حق الرجال وأمر الله نبيه والمؤمنين أن يمتحنوا من جاءهم من النساء فإن علموها مؤمنةً لم يردوها إلى الكفار وأمرهم برد مهرها إليهم لما فات على زوجها من منفعة بضعها ، وأمر المسلمين أن يردوا على من ارتدت امرأته إليهم مهرها إذا عاقبوا ، بأن يجب عليهم رد مهر المهاجرة فيردونه إلى من ارتدت امرأته ولا يردونها إلى زوجها المشرك فهذا هو العقاب وليس من العذاب في شيءٍ وكان في هذا دليلٌ على أن خروج البضع من ملك الزوج متقومٌ وأنه متقومٌ بالمسمى الذي هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل أستمع حفظ

30 - القراءة من قول المصنف: كما حرم نكاح المسلمة على الكافر . وهذه أحكامٌ استفيدت من هاتين الآيتين وبعضها مجمعٌ عليه وبعضها مختلفٌ فيه وليس مع من ادعى نسخها حجةٌ ألبتة فإن الشرط الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار في رد من جاءه مسلمًا إليهم إن كان مختصا بالرجال لم تدخل النساء فيه وإن كان عاما للرجال والنساء فالله سبحانه وتعالى خصص منه رد النساء ونهاهم عن ردهن وأمرهم برد مهورهن وأن يردوا منها على من ارتدت امرأته إليهم من المسلمين المهر الذي أعطاها ، ثم أخبر أن ذلك حكمه الذي يحكم به بين عباده وأنه صادرٌ عن علمه وحكمته ولم يأت عنه ما ينافي هذا الحكم ويكون بعده حتى يكون ناسخًا . ولما صالحهم على رد الرجال كان يمكنهم أن يأخذوا من أتى إليه منهم ولا يكرهه على العود ولا يأمره به وكان إذا قتل منهم أو أخذ مالًا ، وقد فصل عن يده ولما يلحق بهم لم ينكر عليه ذلك ولم يضمنه لهم لأنه ليس تحت قهره ولا في قبضته ولا أمره بذلك ولم يقتض عقد الصلح الأمان على النفوس والأموال إلا عمن هو تحت قهره وفي قبضته كما ضمن لبني جذيمة ما أتلفه عليهم خالدٌ من نفوسهم وأموالهم وأنكره وتبرأ منه أستمع حفظ

32 - القراءة من قول المصنف: كما ضمن لبني جذيمة ما أتلفه عليهم خالدٌ من نفوسهم وأموالهم وأنكره وتبرأ منه. ولما كان إصابته لهم عن نوع شبهةٍ إذ لم يقولوا : أسلمنا ، وإنما قالوا : صبأنا ، فلم يكن إسلامًا صريحًا ، ضمنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل والشبهة وأجراهم في ذلك مجرى أهل الكتاب الذين قد عصموا نفوسهم وأموالهم بعقد الذمة ولم يدخلوا في الإسلام ولم يقتض عهد الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة النبي صلى الله عليه وسلم وتحت قهره فكان في هذا دليلٌ على أن المعاهدين إذا غزاهم قومٌ ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده وإن كانوا من المسلمين أنه لا يجب على الإمام ردهم عنهم ولا منعهم من ذلك ولا ضمان ما أتلفوه عليهم أستمع حفظ

37 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ وكذلك صالح أهل خيبر لما ظهر عليهم على أن يجليهم منها ، ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح . واشترط في عقد الصلح ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا ، فإن فعلوا ، فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكًا فيه مالٌ وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن أخطب ، واسمه سعية ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير ؟ فقال أذهبته النفقات والحروب فقال " العهد قريبٌ والمال أكثر من ذلك وقد كان حيي قتل مع بني قريظة لما دخل معهم فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى الزبير ليستقره فمسه بعذابٍ فقال " قد رأيت حييا يطوف في خربةٍ ها هنا ، فذهبوا فطافوا ، فوجدوا المسك في الخربة فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب ، وسبى نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا ، وأراد أن يجليهم من خيبر ، فقالوا : دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها ، فنحن أعلم بها منكم ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمانٌ يكفونهم مؤنتها ، فدفعها إليهم على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الشطر من كل شيءٍ يخرج منها من ثمرٍ أو زرعٍ ولهم الشطر وعلى أن يقرهم فيها ما شاء . ولم يعمهم بالقتل كما عم قريظة لاشتراك أولئك في نقض العهد وأما هؤلاء فالذين علموا بالمسك وغيبوه وشرطوا له إن ظهر فلا ذمة لهم ولا عهد فإنه قتلهم بشرطهم على أنفسهم ولم يتعد ذلك إلى سائر أهل خيبر ، فإنه معلومٌ قطعًا أن جميعهم لم يعلموا بمسك حيي وأنه مدفونٌ في خربةٍ فهذا نظير الذمي والمعاهد إذا نقض العهد ولم يمالئه عليه غيره فإن حكم النقض مختص به ثم في دفعه إليهم الأرض على النصف دليلٌ ظاهرٌ على جواز المساقاة والمزارعة وكون الشجر نخلًا لا أثر له ألبتة فحكم الشيء حكم نظيره فبلدٌ شجرهم الأعناب والتين وغيرهما من الثمار في الحاجة إلى ذلك حكمه حكم بلدٍ شجرهم النخل سواءٌ ولا فرق . وفي ذلك دليلٌ على أنه لا يشترط كون البذر من رب الأرض فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالحهم عن الشطر ولم يعطهم بذرًا ألبتة ولا كان يرسل إليهم ببذرٍ وهذا مقطوعٌ به من سيرته حتى قال بعض أهل العلم إنه لو قيل باشتراط كونه من العامل لكان أقوى من القول باشتراط كونه من رب الأرض لموافقته لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل خيبر . والصحيح أنه يجوز أن يكون من العامل وأن يكون من رب الأرض ولا يشترط أن يختص به أحدهما أستمع حفظ

41 - القراءة من قول المصنف: والصحيح أنه يجوز أن يكون من العامل وأن يكون من رب الأرض ولا يشترط أن يختص به أحدهما والذين شرطوه من رب الأرض ليس معهم حجةٌ أصلًا أكثر من قياسهم المزارعة على المضاربة قالوا : كما يشترط في المضاربة أن يكون رأس المال من المالك والعمل من المضارب فهكذا في المزارعة وكذلك في المساقاة يكون الشجر من أحدهما ، والعمل عليها من الآخر وهذا القياس إلى أن يكون حجةً عليهم أقرب من أن يكون حجةً لهم فإن في المضاربة يعود رأس المال إلى المالك ويقتسمان الباقي ولو شرط ذلك في المزارعة فسدت عندهم فلم يجروا البذر مجرى رأس المال بل أجروه مجرى سائر البقل فبطل إلحاق المزارعة بالمضاربة على أصلهم . وأيضًا فإن البذر جارٍ مجرى الماء ومجرى المنافع فإن الزرع لا يتكون وينمو به وحده بل لا بد من السقي والعمل والبذر يموت في الأرض وينشئ الله الزرع من أجزاءٍ أخر تكون معه من الماء والريح والشمس والتراب والعمل فحكم البذر حكم هذه الأجزاء . وأيضًا فإن الأرض نظير رأس المال في القراض وقد دفعها مالكها إلى المزارع وبذرها وحرثها وسقيها نظير عمل المضارب وهذا يقتضي أن يكون المزارع أولى بالبذر من رب الأرض تشبيهًا له بالمضارب فالذي جاءت به السنة هو الصواب الموافق لقياس الشرع وأصوله أستمع حفظ

44 - القراءة من قول المصنف: وفي القصة دليلٌ على جواز عقد الهدنة مطلقًا من غير توقيتٍ بل ما شاء الإمام ولم يجئ بعد ذلك ما ينسخ هذا الحكم ألبتة فالصواب جوازه وصحته وقد نص عليه الشافعي في رواية المزني ، ونص عليه غيره من الأئمة ولكن لا ينهض إليهم ويحاربهم حتى يعلمهم على سواءٍ ليستووا هم وهو في العلم بنقض العهد . وفيها دليلٌ على جواز تعزير المتهم بالعقوبة وأن ذلك من السياسات الشرعية فإن الله سبحانه كان قادرًا على أن يدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضع الكنز بطريق الوحي ولكن أراد أن يسن للأمة عقوبة المتهمين ويوسع لهم طرق الأحكام رحمةً بهم وتيسيرًا لهم . وفيها دليلٌ على الأخذ بالقرائن في الاستدلال على صحة الدعوى وفسادها ، لقوله صلى الله عليه وسلم لسعية لما ادعى نفاد المال العهد قريبٌ والمال أكثر من ذلك أستمع حفظ

47 - القراءة من قول المصنف: وكذلك فعل نبي الله سليمان بن داود في استدلاله بالقرينة على تعيين أم الطفل الذي ذهب به الذئب وادعت كل واحدةٍ من المرأتين أنه ابنها ، واختصمتا في الآخر فقضى به داود للكبرى ، فخرجتا إلى سليمان ، فقال بم قضى بينكما نبي الله ، فأخبرتاه فقال ائتوني بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : لا تفعل رحمك الله هو ابنها ، فقضى به للصغرى فاستدل بقرينة الرحمة والرأفة التي في قلبها ، وعدم سماحتها بقتله وسماحة الأخرى بذلك لتصير أسوتها في فقد الولد على أنه ابن الصغرى . فلو اتفقت مثل هذه القضية في شريعتنا ، لقال أصحاب أحمد والشافعي ومالكٍ رحمهم الله عمل فيها بالقافة وجعلوا القافة سببًا لترجيح المدعي للنسب رجلًا كان أو امرأةً . أستمع حفظ

50 - القراءة من قول المصنف: قال أصحابنا : وكذلك لو ولدت مسلمةٌ وكافرةٌ ولدين وادعت الكافرة ولد المسلمة وقد سئل عنها أحمد ، فتوقف فيها . فقيل له ترى القافة ؟ فقال ما أحسنها ، فإن لم توجد قافةٌ وحكم بينهما حاكمٌ بمثل حكم سليمان ، لكان صوابًا ، وكان أولى من القرعة فإن القرعة إنما يصار إليها إذا تساوى المدعيان من كل وجهٍ ولم يترجح أحدهما على الآخر فلو ترجح بيدٍ أو شاهدٍ واحدٍ أو قرينةٍ ظاهرةٍ من لوثٍ أو نكول خصمه عن اليمين أو موافقة شاهد الحال لصدقه كدعوى كل واحدٍ من الزوجين ما يصلح له من قماش البيت والآنية ودعوى كل واحدٍ من الصانعين آلات صنعته ودعوى حاسر الرأس عن العمامة عمامة من بيده عمامةٌ وهو يشتد عدوًا ، وعلى رأسه أخرى ، ونظائر ذلك قدم ذلك كله على القرعة . أستمع حفظ

55 - القراءة من قول المصنف: والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقص علينا هذه القصة لنتخذها سمرًا ، بل لنعتبر بها في الأحكام بل الحكم بالقسامة وتقديم أيمان مدعي القتل هو من هذا استنادًا إلى القرائن الظاهرة بل ومن هذا رجم الملاعنة إذا التعن الزوج ونكلت عن الالتعان . فالشافعي ومالكٌ رحمهما الله يقتلانها بمجرد التعان الزوج ونكولها استنادًا إلى اللوث الظاهر الذي حصل بالتعانه ونكولها . ومن هذا ما شرعه الله سبحانه وتعالى لنا من قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر وأن وليي الميت إذا اطلعا على خيانةٍ جاز لهما أن يحلفا ويستحقا ما حلفا عليه وهذا لوثٌ في وأولى بالجواز منه وعلى هذا إذا اطلع الرجل المسروق ماله على بعضه في يد خائنٍ معروفٍ بذلك ولم يتبين أنه اشتراه من غيره جاز له أن يحلف أن بقية ماله عنده وأنه صاحب السرقة استنادًا إلى اللوث الظاهر والقرائن التي تكشف الأمر وتوضحه وهو نظير حلف أولياء المقتول في القسامة أن فلانًا قتله سواءٌ بل أمر الأموال أسهل وأخف ولذلك ثبت بشاهدٍ ويمينٍ وشاهدٍ وامرأتين ودعوى ونكولٍ بخلاف الدماء . فإذا جاز إثباتها باللوث فإثبات الأموال به بالطريق الأولى والأحرى . والقرآن والسنة يدلان على هذا وهذا ، وليس مع من ادعى نسخ ما دل عليه القرآن من ذلك حجةٌ أصلًا ، فإن هذا الحكم في ( سورة المائدة ) ، وهي من آخر ما نزل من القرآن وقد حكم بموجبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده كأبي موسى الأشعري وأقره الصحابة . أستمع حفظ

60 - القراءة من قول المصنف مع التعليق: ومن هذا أيضًا ما حكاه الله سبحانه في قصة يوسف من استدلال الشاهد بقرينة قد القميص من دبرٍ على صدقه وكذب المرأة وأنه كان هاربًا موليًا ، فأدركته المرأة من ورائه فجبذته فقدت قميصه من دبرٍ فعلم بعلها والحاضرون صدقه وقبلوا هذا الحكم وجعلوا الذنب ذنبها ، وأمروها بالتوبة وحكاه الله - سبحانه وتعالى - حكاية مقررٍ له غير منكرٍ والتأسي بذلك وأمثاله في إقرار الله له وعدم إنكاره لا في مجرد حكايته فإنه إذا أخبر به مقرا عليه ومثنيًا على فاعله ومادحًا له دل على رضاه به وأنه موافقٌ لحكمه ومرضاته فليتدبر هذا الموضع فإنه نافعٌ جدا ، ولو تتبعنا ما في القرآن والسنة وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ذلك لطال وعسى أن نفرد فيه مصنفًا شافيًا إن شاء الله تعالى . أستمع حفظ

62 - القراءة من قول المصنف: والمقصود التنبيه على هديه واقتباس الأحكام من سيرته ومغازيه ووقائعه صلوات الله عليه وسلامه . ولما أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في الأرض كان يبعث كل عامٍ من يخرص عليهم الثمار فينظر كم يجنى منها ، فيضمنهم نصيب المسلمين ويتصرفون فيها وكان يكتفي بخارصٍ واحدٍ . ففي هذا دليلٌ على جواز خرص الثمار البادي صلاحها كثمر النخل وعلى جواز قسمة الثمار خرصًا على رءوس النخل ويصير نصيب أحد الشريكين معلومًا وإن لم يتميز بعد لمصلحة النماء وعلى أن القسمة إفرازٌ لا بيعٌ وعلى جواز الاكتفاء بخارصٍ واحدٍ وقاسمٍ واحدٍ وعلى أن لمن الثمار في يده أن يتصرف فيها بعد الخرص ويضمن نصيب شريكه الذي خرص عليه . فلما كان في زمن عمر ، ذهب عبد الله ابنه إلى ماله بخيبر ، فعدوا عليه فألقوه من فوق بيتٍ ففكوا يده فأجلاهم عمر منها إلى الشام ، وقسمها بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية أستمع حفظ

63 - القراءة من قول المصنف مع التعليق: فصلٌ وأما هديه في عقد الذمة وأخذ الجزية فإنه لم يأخذ من أحدٍ من الكفار جزيةً إلا بعد نزول ( سورة براءةٌ ) في السنة الثامنة من الهجرة فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس ، وأخذها من أهل الكتاب وأخذها من النصارى ، وبعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن ، فعقد لمن لم يسلم من يهودها الذمة وضرب عليهم الجزية ولم يأخذها من يهود خيبر ، فظن بعض الغالطين المخطئين أن هذا حكمٌ مختص بأهل خيبر ، وأنه لا يؤخذ منهم جزيةٌ وإن أخذت من سائر أهل الكتاب وهذا من عدم فقهه في السير والمغازي ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم وصالحهم على أن يقرهم في الأرض ما شاء ولم تكن الجزية نزلت بعد فسبق عقد صلحهم وإقرارهم في أرض خيبر نزول الجزية ثم أمره الله سبحانه وتعالى أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية فلم يدخل في هذا يهود خيبر إذ ذاك لأن العقد كان قديمًا بينه وبينهم على إقرارهم وأن يكونوا عمالًا في الأرض بالشطر فلم يطالبهم بشيءٍ غير ذلك وطالب سواهم من أهل الكتاب ممن لم يكن بينه وبينهم عقدٌ كعقدهم بالجزية كنصارى نجران ، ويهود اليمن ، وغيرهم فلما أجلاهم عمر إلى الشام ، تغير ذلك العقد الذي تضمن إقرارهم في أرض خيبر ، وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب . ولما كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة وأعلامها ، أظهر طائفةٌ منهم كتابًا قد عتقوه وزوروه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عن يهود خيبر الجزية وفيه شهادة علي بن أبي طالبٍ ، وسعد بن معاذٍ ، وجماعةٍ من الصحابة رضي الله عنهم فراج ذلك على من جهل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه وسيره وتوهموا ، بل ظنوا صحته فجروا على حكم هذا الكتاب المزور حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - وطلب منه أن يعين على تنفيذه والعمل عليه فبصق عليه واستدل على كذبه بعشرة أوجهٍ منها : أن فيه شهادة سعد بن معاذٍ ، وسعدٌ توفي قبل خيبر قطعًا ومنها : أن في الكتاب أنه أسقط عنهم الجزية والجزية لم تكن نزلت بعد ولا يعرفها الصحابة حينئذٍ فإن نزولها كان عام تبوك بعد خيبر بثلاثة أعوامٍ . ومنها : أنه أسقط عنهم الكلف والسخر وهذا محالٌ فلم يكن في زمانه كلفٌ ولا سخرٌ تؤخذ منهم ولا من غيرهم وقد أعاذه الله وأعاذ أصحابه من أخذ الكلف والسخر وإنما هي من وضع الملوك الظلمة واستمر الأمر عليها . ومنها : أن هذا الكتاب لم يذكره أحدٌ من أهل العلم على اختلاف أصنافهم فلم يذكره أحدٌ من أهل المغازي والسير ولا أحدٌ من أهل الحديث والسنة ولا أحدٌ من أهل الفقه والإفتاء ولا أحدٌ من أهل التفسير ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم إن زوروا مثل ذلك عرفوا كذبه وبطلانه فلما استخفوا بعض الدول في وقت فتنةٍ وخفاء بعض السنة زوروا ذلك وعتقوه وأظهروه وساعدهم على ذلك طمع بعض الخائنين لله ولرسوله ولم يستمر لهم ذلك حتى كشف الله أمره وبين خلفاء الرسل بطلانه وكذبه . أستمع حفظ