التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم-06b
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
اقتضاء الصراط المستقيم
الحجم ( 5.38 ميغابايت )
التنزيل ( 521 )
الإستماع ( 80 )


1 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " ومثله ما روى مسلم في صحيحه عن أبي قيس زياد بن رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية ، أو يدعو إلى عصبية ، أو ينصر عصبية فقتل فقتله جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه " . ذكر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الأقسام الثلاثة التي يعقد لها الفقهاء باب قتال أهل القبلة من البغاة والعداة وأهل العصبية، فالقسم الأول الخارجون عن طاعة السلطان ، فنهى عن نفس الخروج عن الطاعة والجماعة وبين أنه إن مات، ولا طاعة عليه مات ميتة جاهلية ، فإن أهل الجاهلية من العرب ونحوهم لم يكونوا يطيعون أميرا عاما على ما هو معروف من سيرتهم ثم ذكر : الذي يقاتل تعصبا لقومه ، أو أهل بلده ونحو ذلك وسمى الراية عمية، لأنه الأمر الأعمى الذي لا يدرى وجهه فكذلك قتال العصبية يكون عن غير علم بجواز قتال هذا . وجعل قتلة المقتول قتلة جاهلية سواء غضب بقلبه ، أو دعا بلسانه ، أو ضرب بيده وقد فسر ذلك فيما رواه مسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل فقيل : كيف يكون ذلك ؟ قال : الهرج القاتل والمقتول في النار " أستمع حفظ

5 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " والقسم الثالث : الخوارج على الأمة إما من العداة الذين غرضهم الأموال كقطاع الطريق ونحوهم ، أو غرضهم الرياسة كمن يقتل أهل المصر الذين هم تحت حكم غيره مطلقا ، وإن لم يكونوا مقاتلة ، أو من الخارجين عن السنة الذين يستحلون دماء أهل القبلة مطلقا كالحرورية الذين قتلهم علي رضي الله عنه ثم إنه صلى الله عليه وسلم سمى الميتة والقتلة ميتة جاهلية وقتلة جاهلية على وجه الذم لها والنهي عنها وإلا لم يكن قد زجر عن ذلك . فعلم أنه كان قد قرر عند أصحابه أن ما أضيف إلى الجاهلية من ميتة ، أو قتلة ونحو ذلك فهو مذموم منهي عنه وذلك يقتضي ذم كل ما كان من أمور الجاهلية وهو المطلوب ." أستمع حفظ

6 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " ومن هذا ما أخرجاه في الصحيحين عن المعرور بن سويد قال " رأيت أبا ذر عليه حلة وعلى غلامه مثلها ، فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعيره بأمه فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنك امرؤ فيك جاهلية وفي رواية قلت : على ساعتي هذه من كبر السن قال : نعم هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه " . ففي هذا الحديث أن كل ما كان من الجاهلية فهو مذموم ؛ لأن قوله : فيك جاهلية . ذم لتلك الخصلة ، فلولا أن هذا الوصف يقتضي ذم ما اشتمل عليه لما حصل به المقصود . وفيه أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية . وفيه أن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية وبيهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره، ولا فسقه ". أستمع حفظ

7 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أبغض الناس إلى الله ثلاثة : ملحد في الحرم ، ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية ، ومطلب دم امرئ بغير حق ليريق دمه ". أخبر صلى الله عليه وسلم أن أبغض الناس إلى الله هؤلاء الثلاثة وذلك؛ لأن الفساد إما في الدين وإما في الدنيا فأعظم فساد الدنيا قتل النفوس بغير الحق، ولهذا كان أكبر الكبائر بعد أعظم فساد الدين الذي هو الكفر . وأما فساد الدين فنوعان : نوع يتعلق بالعمل ، ونوع يتعلق بمحل العمل. فأما المتعلق بالعمل فهو ابتغاء سنة الجاهلية. وأما ما يتعلق بمحل العمل فالإلحاد في الحرم ؛ لأن أعظم محال العمل الحرم وانتهاك حرمة المحل المكاني أعظم من انتهاك حرمة المحل الزماني، ولهذا حرم من تناول المباحات من الصيد والنبات في البلد الحرام ما لم يحرم مثله في الشهر الحرام . ولهذا كان الصحيح أن حرمة القتال في البلد الحرام باقية كما دلت عليه النصوص الصحيحة بخلاف الشهر الحرام فلهذا والله أعلم ذكر صلى الله عليه وسلم الإلحاد في الحرم وابتغاء سنة جاهلية. والمقصود أن من هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة جاهلية، فسواء قيل: متبع ، أو مبتغ ، فإن الابتغاء هو الطلب والإرادة، فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في هذا الحديث . والسنة الجاهلية كل عادة كانوا عليها فإن السنة هي العادة وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس مما يعدونه عبادة ، أو لا يعدونه عبادة قال تعالى : { قد خلت من قبلكم سننٌ فسيروا في الأرض } وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لتتبعن سنن من كان قبلكم " والاتباع هو الاقتفاء والاستنان ، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة جاهلية ، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم، ولفظ الجاهلية قد يكون اسما للحال وهو الغالب في الكتاب والسنة ، وقد يكون اسما لذي الحال . فمن الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه : " إنك امرؤ فيك جاهلية " . وقول عمر : إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، وقول عائشة : كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء وقولهم : يا رسول الله ، كنا في جاهلية وشر أي في حال جاهلية ، أو طريقة جاهلية ، أو عادة جاهلية ونحو ذلك . فإن الجاهلية وإن كانت في الأصل صفة ، لكنه غلب عليه الاستعمال حتى صار اسما ، ومعناه قريب من معنى المصدر، وأما الثاني فتقول طائفة جاهلية وشاعر جاهلي ، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم ، أو عدم اتباع العلم فإن من لم يعلم الحق ، فهو جاهل جهلا بسيطا ، فإن اعتقد خلافه ، فهو جاهل جهلا مركبا ، فإن قال خلاف الحق عالما بالحق ، أو غير عالم فهو جاهل أيضا كما قال تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا } وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل " . ومن هذا قول بعض شعراء العرب: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا وهذا كثير وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل، وإن علم أنه مخالف للحق كما قال سبحانه: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالةٍ }. قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : كل من عمل سوءا فهو جاهل. وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول ، أو فعل فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه ، أو ضعفه في القلب بمقاومة ما يعارضه وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فيصير جهلا بهذا الاعتبار ". أستمع حفظ

8 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " ومن هنا تعرف دخول الأعمال في مستحق الإيمان حقيقة لا مجازا وإن لم يكن كل من ترك شيئا من الأعمال كافرا، ولا خارجا عن أصل مسمى الإيمان وكذلك اسم العقل ونحو ذلك من الأسماء. ولهذا يسمي الله تعالى أصحاب هذه الأحوال موتى وعميا وصما وبكما وضالين وجاهلين ، ويصفهم بأنهم لا يعقلون، ولا يسمعون . ويصف المؤمنين بأولي الألباب وأولي النهى، وأنهم مهتدون، وأن لهم نورا، وأنهم يسمعون ويعقلون . فإذا تبين ذلك فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية وتلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم قد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنه في جاهلية وإن كان في دار الإسلام . فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة . والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص المسلمين كما قال صلى الله عليه وسلم : " أربع في أمتي من أمر الجاهلية " وقال لأبي ذر : " إنك امرؤ فيك جاهلية " ونحو ذلك . فقوله في هذا الحديث : ومبتغ الإسلام سنة جاهلية . يندرج فيه كل جاهلية مطلقة ، أو مقيدة يهودية ، أو نصرانية ، أو مجوسية ، أو صابئة ، أو وثنية ، أو مركبة من ذلك ، أو بعضه ، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان لفظ الجاهلية لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها فإن المعنى واحد، وفي الصحيحين عن نافع عن ابن عمر " أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة " . أستمع حفظ

16 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " وفي الصحيحين عن نافع عن ابن عمر " أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة " . ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئآرها، ولا يستقوا منها فقالوا : قد عجنا منها واستقينا ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين ، ويهريقوا ذلك الماء " . وفي حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لما مر بالحجر : " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ، إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم ". فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء ، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ونهى عن الانتفاع بمياههم حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة وهي أشد غزوة كانت على المسلمين أن يعلفوا النواضح بعجين مائهم ". ذكر فوائد لحديث ابن عمر. أستمع حفظ

17 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " وكذلك أيضا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب، فروى أبو داود عن سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن عليا رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير ، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما برز منها ، أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال : " إن حبي النبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل ؛ فإنها ملعونة " . ورواه أيضا عن أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أيضا أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعناه ولفظه : "فلما خرج منها" مكان "برز" . وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله بإسناد أوضح من هذا عن علي رضي الله عنه نحوا من هذا : أنه كره الصلاة بأرض بابل، أو أرض الخسف ، أو نحو ذلك . وكره الإمام أحمد الصلاة في هذه الأمكنة، اتباعا لعلي رضي الله عنه وقوله : نهاني أن أصلي في أرض بابل ؛ فإنها ملعونة . يقتضي أن لا يصلي في أرض ملعونة . والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا، فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى أرض العذاب: دخل في ذلك الصلاة، وغيرها. ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار : { لا تقم فيه أبدًا } فإنه كان من أمكنة العذاب قال سبحانه : { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوانٍ خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم } وقد روى أنه لما هدم خرج منه دخان" أستمع حفظ