فوائد حفظ
الشيخ : هذه الأحاديث فيها بيان سبب نزول الآية: (( وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها )) وهذه الآية بعد أمره تعالى بالسعي إلى الجمعة عند سماع النداء، (( يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ))، وكان الصحابة رضي الله عنهم في شدة إلى الطعام، ومحتاجون إلى الميرة، فأقبلت عير من الشام، وكان من عادتهم إذا أقبلوا على المدينة ضربوا الدفوف، ليسمع أهل المدينة فيخرجوا ويشتروا منهم، فصادف أن جاءت والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فخرجوا، لكنهم خرجوا لا للّهو وإنما للتجارة، ولهذا قال: انفضوا إليها ولم يقل إليهما، وتركوك قائماً.
في هذه الأحاديث مع الآية فوائد عظيمة:
منها: الإنكار الشديد على هؤلاء الذين انفضّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل حطام الدنيا، لأن الله أنزل فيهم قرآناً يُتلى غلى يوم القيامة.
وفيه أيضاً: بيان أن ما في الآخرة خيرٌ مما في الدنيا، لقوله تعالى : (( قل ما عند الله خيرٌ من اللهو ومن التجارة ))، وفي معنى هذا قوله تعالى : ((بل تؤثرون الحياة الدنيا* والآخرة خيرٌ وأبقى )).
وفي هذا أيضاً دليل على مشروعية الخطبة قائماً، لقوله تعالى : (( وتركوك قائماً ))، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُنْكر إلا إذا أمِرَ بالإنكار، ولهذا لم يُنكر عليهم، بل سكت وترك أمرهم لله عز وجل.
وفيه أيضاً: أن الجمعة تنعقد باثني عشر رجلاً، لأنه لم يبقَ معه إلا اثنا عشر رجلاً، والظاهر أنه لم يرجع أحدٌ ممن انفضّوا، وهذا أحد الأقوال في المسألة، فمن العلماء من قال: أنها تنعقد - أي الجمعة - باثني عشر رجلاً، واستدل بهذا الحديث، ومنهم ممن قال: تنعقد بأربعين رجلاً، واستدل بحديث: أول جمعة جمِّعت في المدينة وكانوا أربعين رجلاً في حرّة بني بياضة،
وقال بعضهم: تنعقد بثلاثة، لحديث : ( ما من ثلاثة نفر في قرية لا تُقام فيهم الجمعة إلا استحوذ عليهم الشيطان، أو قال: الجماعة )، ومنهم من قال تنعقد باثنين كسائر الجماعات، فإن الجماعات تنعقد باثنين كما هو معروف.
وأقرب الأقوال: أنها تنعقد بثلاثة، والجواب عن إقامة الجمعة في حرّة بين بياضة وكانوا أربعين: أن هذا وقع اتفاقاً يعني مصادفة وكذلك يُقال في هذا، في حديث جابر أنه بقي اثنا عشر رجلاً على وجه الاتفاق والمصادفة، ولا ينزل لو لم يبقَ إلا خمسة رجال أو عشرون رجلاً، ومثل هذا لا يكون دليلاً على الحُكُم
وفيه دليل على وجوب الاستماع إلى خطبة الجمعة، وأنه يجب على من أتى إلى المسجد أن يحضر الخطبة ويستمع إليها، لأن الله أنكر على هؤلاء حين خرجوا.