فوائد حديث : ( ... عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا ... ) . حفظ
الشيخ : هذا الحديث فيه فوائد منها: جواز المكاتبة، والمكاتبة معناها أن يشتري العبد نفسه من سيده بثمن مؤجل، مثل أن يتفق مع سيده ويقول اشتري نفسي منك بعشرة آلاف درهم يحل منها كل شهر ألف، هذه هي الكتابة، وهي سنة وقيل واجبة إذا تم فيها الشرط المذكور في القرآن وهو قوله تعالى (( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا )) قال العلماء أي صلاحا في دينهم وكسبا، فإذا جاء العبد يطلب من سيده أن يكاتبه وكان العبد صالحا لا يُخشى أن يهرب إلى الكفار ولا أن يفسق ويكون ماجنا مع الفساق، وكذلك أيضا علم فيه أنه يكتسب بحيث لا يكون كلّاً على غيره وعبئًا عليهم فإنه في هذه الحال يُكاتبه وجوبا وهذا قول الظاهرية ولكن أكثر أهل العلم على أن الكتابة سنة وذلك لأن العبد مملوك لسيده فلا يجب أن يخرج من ملكه شيئا إلا لسبب كالكفارة ونحو ذلك، وقول الجمهور له وجهة نظر، لأنه ملكه فلا يُلزم بإخراج شيئا من ملكه، وقول الظاهرية له وجهة نظر من حيث أن الشرع له تشّوف إلى العتق.
وفي هذا الحديث من الفوائد أيضا جواز استعانة المكاتب في قضاء دين كتابته، وهل يُقاس عليه جواز استعانة المدين في غير الكتابة إخوانه المسلمين في قضاء دينه؟ الظاهر نعم، إذ لا فرق، وقد يقول قائل الفرق أن العتق مطلوب والشارع متشوف إليه فيُرّخص فيه ما لا يُرّخص في غيره ولكن الظاهر أنه لا بأس أن يسأل الإنسان إخوانه المسلمين الإعانة في قضاء دينه.
ومن فوائد هذا الحديث أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قد يكون عندها مال ولهذا طلبت أن تعد لأهل بريرة ما كاتبوها عليه وهو سيأتي أنه تسع أواق وهذا لا يمنع أن يكون عندها من مال الله عز وجل من الفيء أو غيره، والنبي عليه الصلاة والسلام كان لا يبقى عنده شيء كان ينفقه في سبيل الله.
ومن فوائد هذا الحديث تصديق من يغلب على ظنه الصدق وإن كان يقول شيئا لنفسه، لأن عائشة صدقت بريرة في أن أهلها كاتبوها ولم تقل هات وثيقة من أهلك أنهم كاتبوك.
ومن فوائد هذا الحديث أن الولاء لمن اعتق وإن اشترطه البائع، يعني لو قال البائع أبيع عليك عبدي ولكن إن عتق فولاؤه لي فإنه لا يكون له، لأنه شرط مخالف للشرع.
ومن فوائد هذا الحديث أن جميع الشروط المخالفة للشرع باطلة ولو اتفق عليها الطرفان، وعلى هذا فلو باعه صاعا طيبا من البر بصاعين دون ذلك ورضي بهذا فإنه لا يجوز لأنه مخالف لشرط الله عز وجل.
ومن فوائد هذا الحديث إبطال الشرط الفاسد حتى وإن شُرِط وأُكد لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مئة مرة ) يعني حتى لو أكده فإنه لا يستحق ما شرطه، ولكن في هذه الحال هل نقول لمن فات غرضه ببطلان الشرط له الخيار، يعني مثل أن يشترط أن الولاء له في العتق ويلتزم المشتري بذلك ثم نقول الشرط فاسد ويُلغى والولاء لمن اعتق وهو المشتري، هل يكون للبائع الخيار، لأنه إذا كان الولاء له فسيكون ثمنه أقل فهل له الخيار؟ يقال في هذا تفصيل: أما من علم أن الشرط باطل فليس له الخيار، وأما من ظن أنه صحيح فله الخيار لأنه جاهل، أما إذا كان عالما ويدري أن هذا الشرط فاسد فإننا لا نُمّكنه أن يفسخ العقد لأنه دخل على بصيرة.
ومن فوائد هذا الحديث استفتاء من هو أعلم عند الإشتباه لأن عائشة استفتت النبي عليه الصلاة والسلام ويمكن أن يُقال أن هذا من باب المشورة أيضا فيستفاد منه مشورة من هو أسد منك رأيا وأعلم منك.
ومن فوائد هذا الحديث أنه ينبغي للعالم أن يقوم خطيبا في الناس حين تدعو الحاجة إلى ذلك وإن لم يكن في يوم الجمعة وهذه من الخطب العارضة التي يكون لها سبب.
ومن فوائد هذا الحديث أن كتاب الله عز وجل قد تضمن كل ما يحتاج الناس إليه كل شيء فهو في كتاب الله لقوله ( من اشترط شرطا ليس في كتاب الله )، ولكن هل المعنى ليس في كتاب الله أي ليس هذا الشرط موجودا في كتاب الله أو المعنى ليس في كتاب الله حِّله وإباحاته؟ الثاني هو المراد.
ومن فوائد هذا الحديث أن شرط الله أحق بالإلتزام وهو أي شرطه ما شرطه في شرعه من شروط، مثل شروط البيع والإجارة وغير ذلك، فشرط الله أحق، ومنها أن شرط الله أوثق يعني أقوى وأعظم من شرط المخلوقين. وفي هذا الحديث أيضا من الفوائد جواز بيع المكاتب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابتاعيها، فأذن لها بالشراء ولو كان حراما لم يأذن لها فيه، وإذا اشترى المكاتب بقي على كتابته فلا يمكن للمشتري أن يفسخه لأن الكتابة عقد لازم من السيد وجائز من العبد، إذ أن العبد يملك أن يقول هونت أو فسخت الكتابة أما السيد فلا.
ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز أن يتعجل الدين المؤجّل ووجه ذلك ( فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ) إلى آخره وهو كذلك يجوز تعجيل الدين المؤجل في الكتابة وغيرها، ولكن إذا اشترط المدين أن يوضع من الدين شيء، مثل أن يكون عليه عشرة آلآف إلى سنة وقال للدائن أعطيك ثمانية آلآف نقدا الآن، فهل يجوز؟ قال بعض أهل العلم أنه لا يجوز، لأن هذا يشبه بيع عشرة بثمانية فلا يجوز، وقال بعض العلماء أنه جائز لأن في ذلك فائدتين، الفائدة الأولى للمدين وذلك لأنه سوف يخفف عنه بعض الشيء والفائدة الثانية للدائن وذلك بتعجيل حقه، وهذا هو الصواب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لغرماء عبدالله بن حرام ( ضعوا وتعجلوا ) وهذه هي المسألة وليست هذه من باب البيع بل هذه من باب الإسقاط فإن صاحب الدين أسقط فكما لو أنه قال له أعطني ثمانمئة واسمح عنك فلا بأس بها لأن هذا رضي بالتعجيل وهذا رضي بالنقص، طيب فإن أراد المدين أن يُعجل الدين ولكن صاحب الدين أبى قال لا أريد، قال خذ دينك عشرة آلآف ريال خذها الآن قال لا أريدها، فهل له أن يمتنع أو ليس له أن يمتنع؟ في هذا خلاف بين العلماء بناء على هبة الصفات، هل يلزم قبولها أو لا، فإذا قلنا بوجوب قبول هبة الصفات قلنا بوجوب قبول الدائن تعجيل حقه لأن فيه مصلحة له ونظيرها أن يكون على الإنسان عشرة أصواع بُر متوسط فيوفيها المدين بعشرة أصواع بُر جيد، فهل يلزمه أن يقبل؟ نقول نعم يلزمه، لأنه زاده خيرا وكذلك فيما لو أراد تعجيل الدين بدون نقص فإنه يلزم الغريم أي الدائن أن يقبل إلا إذا كان في ذلك ضرر، فإن كان في ذلك ضرر على من له الحق فليس عليه أن يقبل، الضرر مثل يا أخ، نزّل رأسك علشان نشوف اشارتك، أنت أي أنت، مثال الضرر إذا قال المدين للدائن أنا أوفي حقك الآن كاملا، قال لا، لا أقبضه حتى يتم الأجل؟
الطالب : ... شعير مثلا؟
الشيخ : لا ما هو شعير دراهم، أي نعم.
الطالب : ...
الشيخ : أحسنت، مثال الضرر أن يكون الدائن أراد أن يوفي المدين في زمن فيه خوف ويخشى عليه من اللصوص وقال أنا لا أقبل حتى يحل الأجل، فهنا لا يُلزم بأن يستوفي، كذلك فيما إذا أراد أن يوفي عن رديء بجيد وقال أنا لا أريد، أنا أريد أن توفيني على حسب ما في ذمتك، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه أن يقبل، والضرر مثل أن يخشى مِنَّته، ويقول أنا أوفيتك خيرا مما تطلبني وما أشبه ذلك، المهم أن القول الراجح أنه إذا قدم المدين قضاء الدين فإنه يجب على الدائن أن يقبل إلا إذا كان في ذلك ضرر عليه.
في هذا الحديث إشكال وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة أن تقبل الشرط مع فساده فقال ( ابتاعي واشترطي لهم الولاء ) فكيف يصح هذا؟ نقول نعم، هذا ليس إقرارا للشرط الفاسد لأن النبي صلى الله عليه وسلم سوف يُبطله، لكن فائدة ذلك أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الشرط الفاسد وإن اشتُرط واتُفق عليه المتعاقدان فإنه باطل، حتى لو اتفق عليه الطرفان، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عائشة بإلتزام أن يكون الولاء لهم على وجه الدوام والاستمرار، ومن هنا نأخذ أن الإنسان لو سُئل عن تفسير آية والسائل عالم فله أن يقول ما في قلبه وإن كان خطأ، لماذا؟ لأنه سوف يُصحح من قِبل العالم، ومن ذلك أيضا ما يكون في أسئلة الامتحان للطلاب، قد يُجيب الطالب بغير ما يعتقد، بغير ما يدين الله به، ومنه قصة المسيء في صلاته فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يُعيد الصلاة مع أنه ...
الطالب : ...
الشيخ : مع أنه المسيء في صلاته
الطالب : ...
الشيخ : لا، شيبة؟
الطالب : مع أنه مسيء في صلاته.
الشيخ : ههه ما شاء الله عليه مع أنه مسيء في صلاته، أي مع أنه لا يطمئن فيها وصلاته غير صحيحة صحيح، لكن أمره بذلك ليُبيّن أنه وإن فعل الإنسان الشيء الفاسد فإنه لا يُنفّذ، فإن قال قائل وفي ذلك ضرر على أهل بريرة أن يشترطوا الولاء لهم ويتم العقد على ذلك ثم يُقال ليس لكم حق، فالجواب بأحد الأمرين : إما أن يقال إن الأمر فاش، منتشر وأن أهل بريرة يعلمون ذلك ولكن أرادوا أن يقعوا في المعصية فهذا جزاؤهم، وإما أن يُقال أنهم رضُوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام والحق لهم ولم يطالبوا بفسخ العقد، وقد قلنا قبل قليل أنه إذا فات غرض المشترط شرطا فاسدا فإن له الخيار وهؤلاء ربما يكونون قد رضوا بحكم النبي عليه الصلاة والسلام ولم يريدوا أن يطالبوا بحقهم، ونظير ذلك قصة الرجل الذي كان عليه خاتم من ذهب فنزعه النبي صلى الله عليه وسلم من يده وطرحه فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قِيل للرجل خذ خاتمك انتفع به قال والله لا آخذ خاتما طرحه النبي صلى الله عليه وسلم، فربما يكون الصحابة رضي الله عنهم الذين فات شرطهم تركوا المطالبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبطله، أبطل الشرط وإن كان لهم حق المطالبة.
ومن فوائد هذا الحديث أن تكرار الشروط الفاسدة وتأكيدها لا يفيد لقوله ( وإن كان مئة مرة )، نعم سليم.