تتمة القراءة من الشرح والتعليق عليه حفظ
القارئ : " قوله : ( جاء عبدٌ فبايع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على الهجرة ولم يشعر أنّه عبدٌ ) هذا محمولٌ على أنّ سيّده كان مسلمًا ولهذا باعه بالعبدين الأسودين والظّاهر أنّهما كانا مسلمين ولا يجوز بيع العبد المسلم لكافرٍ ويحتمل أنّه كان كافرًا أو أنها كانا كافرين ولا بدّ من ثبوت ملكه للعبد الذي بايع على الهجرة أما بينة وإمّا بتصديق العبد قبل إقراره بالحرّيّة وفيه ما كان عليه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من مكارم الأخلاق والإحسان العامّ فإنّه كره أن يردّ ذلك العبد خائبًا بما قصده من الهجرة وملازمة الصّحبة فاشتراه ليتمّ له ما أراد وفيه جواز بيع عبدٍ بعبدين سواءٌ كانت القيمة متّفقةً أو مختلفةً وهذا مجمعٌ عليه إذا بيع نقدًا وكذا حكم سائر الحيوان فإن باع عبدًا بعبدين أو بعيرًا ببعيرين إلى أجلٍ فمذهب الشّافعيّ والجمهور جوازه وقال أبو حنيفة والكوفيّون لا يجوز وفيه مذاهب لغيرهم واللّه أعلم " .
الشيخ : والصواب أنه يجوز أن يبيع عبدًا بعبدين ، وشاة بشاتين ، وبعيرًا ببعيرين ، لأن الربا لا يجري فيها والربا يجري في الأصناف الستة وما شاركها في العلة على القول بالقياس في هذه المسألة.
القارئ : قال القرطبي في المفهم : " قوله : ( جاء عبد فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة ولم يشعر أنه عبد ) فيه دليل على أن الأصل في الناس الحرية ، ولذلك لم يسأله ، إذ حمله على ذلك الأصل ، حيث لم يظهر له ما يخرجه عن ذلك ، ولو لم يكن الأمر كذلك لتعين أن يسأل وهذا أصل مالك في هذا الباب ، فكل من ادعى ملك أحد من بني آدم كان مدفوعًا إلى بيان ذلك لكن إذا ناكره المدّعى رقّه وادعى الحرية وسواء كان ذلك المدعى رقه ممن كثر ملك نوعه أو لم يكن ، فإن كان في حوز المدعي لرقه كان القول قوله ، إذا كان حوز رق ، فإن لم يكن فالقول قول المدعى عليه مع يمينه
وقوله : ( جاء سيده يريده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعنيه ) لم يرد في شيء من طرقه أنه صلى الله عليه وسلم طالب سيده بإقامة بينة ، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم صحة ملكه له حين عرف سيده ، ويحتمل أن يكون اكتفى بدعواه ، وتصديق العبد له ، فإن العبد بالغ عاقل يقبل إقراره على نفسه ، ولم يكن للسيد من ينازعه. ولا يستحلف السيد كما إذا ادعى اللقطة وعرف عفاصها ووكائها أخذه ولم يستحلف لعدم المنازع فيها وقوله : ( فاشتراه منه بعبدين ) هذا إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى مكارم أخلاقه ، ورغبة في تحصيل ثواب العتق ، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة ، فحصل له العتق وثبت له الولاء ، فهذا المعتق مولًى للنبي صلى الله عليه وسلم ، غير أنه لا يعرف اسمه ، وفيه دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا نقدًا ، وهذا لا يختلف فيه ، وكذلك في سائر الأشياء ما عدا ما يحرم التفاضل في نقده من الربويات على قدمنا.
وأما بيع ذلك بالنسيئة ففيه تفصيل وخلاف نذكره ، فذهب الكوفيون إلى منع ذلك في الحيوان ، فلا يجوز عندهم فرس بفرسين ، ولا شاة بشاتين مطلقًا إلى أجل ، اختلفت صفاتها أو اتفقت ، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة خرجه البزار من حديث ابن عباس والترمذي من حديث الحسن عن سمرة ، وقال إنه حسن صحيح.
قلت : ويلزمهم على هذا ألا يجيزوا بيع الحيوان بمثله ولا بخلافه ، فلا يجيزون بيع شاة بشاة ولا بفرس إلى أجل ، ويلزمهم عليه ألا يجيزوا فيه القرض ، وكل ذلك معلوم البطلان من الشرع ، ويدل على خلاف ما قالوه ما روي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشًا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى الصدقة.
ومنع مالك ذلك من جنس واحد ، والجنسية المعتبرة عنده هي اتفاق الأغراض والمنافع دون الخلق والألوان ، مخافة الوقوع في سلف يجر نفعًا ، فإذا تداينت المقاصد واختلفت المنافع جاز ذلك ، فيجوز عنده حمار فاره في حمارين من حواشي الحمر إلى أجل ونقدًا ولا يجوز في مثليه إلى أجل ، لأن سلف جر نفعًا ، كذلك في الثياب وسائر العروض ، وقد روي نحو ذلك عن علي وابن عمر والزهري ، وأجاز الشافعي ذلك كله مع الاتفاق والاختلاف ، وتابعه على ذلك الثوري وأبو ثور ، وروي عن ابن عباس مثله لحديث عبد الله بن عمرو المتقدم ، ولم يروا أنه يلزم منه ما حذره مالك ، وقد انفصلت المالكية عن حديث عبد الله بن عمرو أنه محمول على مختلف الجنسين ، بحسب اختلاف الأسنان والمقاصد ، بدليل قوله فيه : أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين ، فلو كان البعير المأخوذ ناجزًا من جنس البعيرين المأخوذين إلى أجل لكان هذا السلف الجار نفعًا المتفق على منعه ، لأنه لم يقترن به صيغة بيع ، ولا شيء يدل عليه فالصورة صورة القرض ، ولا مفرق بينها وبين البيع فيمنع ، فلا بد أن يقدر فيها اختلاف الجنسين ، وبهذا التأويل يصح الجمع بين الأحاديث أعني بين هذا الحديث وبين النهي عن سلف جر نفعًا ، والجمع أولى من الترجيح ، فإن لم يقبل هذا التأويل فالقضية محتملة ، مترددة بين أن يكون البعير من جنس البعيرين ، أو من غير جنسهما على حد سواء ، فالتحق بالمجملات فلا يكون فيه حجة لهم ، ونبقى نحن متمسكين بالقاعدة الكلية التي هي حماية المحرمات ، والله تعالى أعلم "
.
الشيخ : هذا فيه نظر قوله : " حماية المحرمات " لأن عندنا قاعدة كلية أقوى منها ، وهي : (( أحل الله البيع )) ولهذا إذا اختلف الناس هل هذا البيع حرام أو حلال فعلى من ادعى التحريم الدليل.
القارئ : " قوله : ( فلم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله أعبد هو ) يعني أنه لما وقعت له هذه الواقعة أخذ بالحزم والحذر ، فكان يسأل من يرتاب فيه ، وفيه من الفقه : الأخذ بالأحوط ".
الشيخ : قوله : ( لم يبايع أحد ) ليس من البيع وهو تبادل السلع ، يبايع يعني على الهجرة أو على الإسلام أو ما أشبه ذلك.
وظاهر الحديث العموم ( لم يبايع أحد ) وتقييده بمن يرتاب فيه لا بأس به ، لأن الذي لا يرتاب فيه لا حاجة أن يسأل.
ثم في الحديث إشكالًا ، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سأل فلا بد أن يأخذ بما يقول ، وإلا فلا فائدة من السؤال ، فهل يقبل أن يقول البشر أنه عبد؟ يقال : إنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ، لأنهم يعلمون أنهم لو كذبوا على الرسول لفضحهم الله عز وجل ، فلا يمكن أن يكذبوا ، لكن في عهدنا لا نقبله إذا قال : أنا عبد فلان ، أو أنا عبد أو ما أشبه ذلك.