تتمة القراءة من شرح النووي مع تعليق الشيخ عليه حفظ
القارئ : قال النووي رحمه الله تعالى في باب النهي عن لباس الرجل الثوب المعصفر : " قال : رأى رسول الله علي ثوبين معصفرين فقال : إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ، وفي الرواية الأخرى قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال : أأمك أمرتك بهذا ؟. قلت : اغسلهما قال : بل أحرقهما ،
وفي رواية علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسي والمعصفر ، هذا الإسناد الذي ذكرناه فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض وهم يحيى بن سعيد الأنصارى ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وخالد بن معدان وجبير بن نفير ، واختلف العلماء في الثياب المعصفرة وهي المصبوغة بعصفر ، فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك لكنه قال غيرها أفضل منها ، وفي رواية عنه أنه أجاز لبسها في البيوت وأفنية الدور ، وكرهه في المحافل والأسواق ونحوها ، وقال جماعة من العلماء هو مكروه كراهة تنزيه وحملوا النهي على هذا لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس حلة حمراء ، وفي الصحيحين عن بن عمر رضي الله عنهما قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ بالصفرة ، وقال الخطابي النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج فأما ما صبغ غزله ثم نسج فليس بداخل في النهي ، وحمل بعض العلماء النهي هنا على المحرم بالحج أو العمرة ليكون موافقا لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : نهي المحرم أن يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران ، وأما البيهقي رضي الله عنه فأتقن المسألة فقال في كتابه معرفة السنن : نهى الشافعي الرجل عن المزعفر وأباح المعصفر ، قال الشافعي : وإنما رخصت في المعصفر لأني لم أجد أحدا يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنه إلا ما قال علي رضي الله عنه : نهاني ولا أقول نهاكم ، قال البيهقي وقد جاءت أحاديث تدل على النهي على العموم ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، هذا الذي ذكره مسلم ثم أحاديث أخر ثم قال : ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها إن شاء الله ، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعي أنه قال : إذا كان حديث النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي فاعملوا بالحديث ودعوا قولي ، وفي رواية فهو مذهبي ، قال البيهقي قال الشافعي : وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر قال وآمره إذا تزعفر أن يغسله ، قال البيهقي فتبع السنة في المزعفر فمتابعتها في المعصفر أولى ، قال وقد كره المعصفر بعض السلف وبه قال أبو عبد الله الحليمي من أصحابنا ورخص فيه جماعة ، والسنة أولى بالاتباع والله أعلم "
.
الشيخ : لا شك أن القول بالإباحة يحمل إذا وقع من الأئمة على عدم بلوغ ذلك إليهم ، والأمر واضح أنه في المعصفر ، والمزعفر من باب أولى .
وقوله : " قال أن غيره أولى " لا يتلائم مع الحديث وكون النبي صلى الله عليه وسلم شدد في هذا ، واحتجاج من أباحه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لبس حلة حمراء جوابه أن معناه أن أعلامها حمر يعني خطوطها وليست كلها حمراء ، وهذا جواب واضح وسديد .
فالصواب أن المعصفر دائر بين الكراهة والتحريم ، أما أن يقال بالإباحة فلا أحد يتجاسر على أن يقول بالإباحة مع حديث عبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب ، ولهذا قال البيهقي رحمه الله : " لو أن الشافعي بلغه هذا الحديث لقال به "، والشافعي رحمه الله قد فوّض العلماء تفويضا تاما على أنهم إذا وجدوا الحديث يخالف قوله فليأخذوا بالحديث ، وفوضهم أن يجعلوه مذهبا له ، قال : " فهو مذهبي " . وهذا لا شك هو الواجب على كل مسلم .
إذًا فالصواب أن ذلك إما محرم وإما مكروه ، أما المزعفر فإنه لا يجوز في الإحرام قطعا لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( لا تلبسوا ثوبا مسه زعفران أو الورس ) ولأنه طيب ، وأما المعصفر فحكمه في حق المحرم كحكمه في حق المحل ولا فرق ، نعم