بيان الشرط الثاني وهو موافقة السنة والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال العلماء الأعلام . حفظ
الشيخ : الشرط الآخر في العمل الصالح أن يكون مطابقا للسّنّة و هذا بيت القصيد من كلمتي في هذه الليلة بأن يعتقد أن الشرط الأول ما اختلف فيه المسلمون و الحمد لله فهو من المسائل الكثيرة التي لا يزالون متّفقين فيها بخلاف مسائل أخرى كثيرة لا يزالون مختلفين فيها إلا من رحم ربك ، فشرط الإخلاص هم متّفقون عليه و الحمد لله و ليس كذلك الشرط الثاني و هو أن يكون العمل الصالح مطابقا للسّنّة فمع الأسف الشديد إنهم لم يتّفقوا على هذا الشرط إن كثيرا منهم بل جمهورهم يعتقد أن العمل الصالح يكون صالحا لمجرّد مطابقته لعبادة من العبادات التي عرفت في الكتاب وفي السّنّة و إن كانوا على علم بأن النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و السلف الصالح جميعا ما تعبدوا الله و لا تقربوا إليه بهذا العمل على الرغم من هذا فجماهير المسلمين اليوم يعتبرونه عملا صالحا أما نحن فنعتقد أن العمل الصالح لا يكون صالحا إلا إذا كان مطابقا للسنة و لو كان عليه صورة العبادة و لو كان في ظاهره طاعة فلا يكون عبادة و لا طاعة إذا كان مطابقا للسنة قد جاء به عليه الصلاة و السلام صراحة إما قولا و إما فعلا أما العمل الصالح الذي لم يجرِ عليه الرسول عليه السلام و الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح فهذا لا يمكن أن يكون عملا صالحا . أما الدليل على ذلك فمن القرآن الآية المشهورة (( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا )) ، لا يظهر استدلالي بهذه الآية على ما أنا في صدده من أنّ العمل الصالح لا يكون صالحا إلا إذا كان سبق تشريعه في الكتاب أو في السّنّة لا يظهر هذا الاستدلال إلا بشيء من البيان ولو بالنقل عن بعض الأئمة الأعلام من ذلك قول إمام دار الهجرة هذه المدينة الطيبة فقد كان يقول " من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمّدا صلى الله عليه و سلم خان الرسالة اقرؤوا قول الله تبارك و تعالى (( اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا )) فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا و لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها " الشاهد من هذه الكلمة الطيبة من إمام دار الهجرة قوله " فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا " فالدين الذي يتديّنه اليوم كثير من الناس و لم يكن يومئذ دينا فهو ليس عملا صالحا بينما هم يعتبرونه عملا صالحا و يتقربون به إلى الله تبارك و تعالى هذا العمل لا يدخل في قوله تعالى السابق (( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا )) لأن العلماء علماء التفسير قالوا لا يكون صالحا إلا إذا وافق السّنّة و أخلص فيه لله عز و جل فما دامت السّنّة لم تأت بهذه العبادة أي عبادة و البدعة تعلمونها كثيرة و كثيرة جدا فهي ليست عبادة مقبولة لهذا الحديث المعروف في صحيح البخاري و مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ) مثل هذا الحديث هو عمدة الإمام مالك في كلمته السابقة حين قال " فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا " لأن الرسول صلى الله عليه و سلم يقول هذا المحدث مردود على صاحبه فإذا رد على صاحبه فذلك كناية عن عدم قبوله من ربه تبارك و تعالى كذلك مما يدل على أن العبادة التي أحدثت و طبعت بطابع العمل الصالح فليس من الصلاح في شيء لأنها بدعة من تلك الأحاديث حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا خطب يوم الجمعة علا صوته و اشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول ( صبّحكم و مسّاكم ) " ثم يقول عليه الصلاة و السلام ( أما بعد فإن خير الكلام كلام الله و خير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ) حديث جابر يفيدنا أن نبينا صلى الله عليه و آله وسلم كان من عادته أن يفتتح خطبة الجمعة بمثل هذا الكلام ( أما بعد فإن خير الكلام كلام الله و خير الهدي هدي محمّد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار ) لماذا كان يكرر و يعتاد هذه الكلمات الطيبات بين يدي موعظته و خطبته يوم الجمعة ؟ ذلك ليركز و ليمكن هذه القاعدة العظيمة في قلوب السامعين ( كل بدعة و كل ضلالة في النار ) و قد تمكنت هذه العقيدة فعلا ... .