تابع فوائد قول الله تعالى : (( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد )) . حفظ
العلم بأنه ما بصاحبهم من جنة هذا هو ما مشى عليه المؤلف والقول الثاني : (( ثم تتفكروا )) أي في شأنكم وفي حالكم ثم استأنف فقال : (( ما بصاحبكم من جنة )) وهذا من كلام الله وليس مفعولاً لما يقتضيه التفكر وهو العلم ، وقوله : (( ما بصاحبكم من جنة )) (( صاحبكم )) المراد به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه عبر عنه بالصاحب المضاف إليهم زيادة في التشنيع عليه والتوبيخ كأنه يقول : هذا صاحبكم الذي تعرفونه ليس رجلاً منكراً عليكم بل هو صاحبكم الذين تعرفونه عقله وصدقه وأمانته فكيف تقولون إنه ساحر وإنه مجنون وإنه شاعر وإنه كاهن وما أشبه ذلك ؟ ففيه إيش ؟ الإضافة إليهم زيادة التشنيع عليهم زيادة هذه واحدة فيه أيضاً الإشارة إلى أنه كان ينبغ أن يكونوا أول من يصدقوا به وأول من يناصرهم لأنه صاحبهم وصاحب الإنسان مستحق للنصر منه والمساعدة والمعاونة فكان في الإضافة هنا فائدتان :
الفائدة الأولى : زيادة التشنيع عليهم في أنهم يصفون صاحبهم الذي يعرفونه بهذا الوصف .
الثاني : إيش ؟ أنه كان الأولى بهم وهو صاحبهم أن يكونوا أول الناس تصديقاً به وأشد الناس معونة له وقوله : (( ما بصاحبكم من جنة )) الجار والمجرور خبر مقدم و(( من جنة )) مبتدأ مؤخر قرنت به من الزائدة من حيث الإعراب المفيدة لمعنى من حيث المعنى ، الفائدة منها هو المبالغة أو التأكيد في النفي لأن من إذا دخلت على المنفي أفادت العموم وصارت نصاً فيه وقوله : (( من جنة )) يقول المؤلف : " جنون " فالجنة هنا بمعنى الجنون ويمكن أن يكون المراد به الجن الذي إذا خالط الإنسان جن نعم (( مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ )) إن سبق لنا قبل وقت قريب أنها تستعمل في اللغة على أربعة أوجه : (( إن )) قال : بمعنى ما فهي نافية (( هو )) أي محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو صاحبهم (( إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ )) أي قبل (( عَذَابٍ شَدِيدٍ )) في الآخرة إن عصيتموه يعني ما محمد عليه الصلاة والسلام إلا رجل من أعقل ومن أحنى الناس على قومه لأنه نذير لكم مماذا ينذركم ؟ من العذاب الشديد القريب لهم لأنه قال : (( بين يدي عذاب شديد )) وبين يدي الشيء هو أن يكون قريباً منه فالنبي عليه الصلاة والسلام هذه حاله رجل عاقل ناصح لقومه حانٍ عليهم لأن الذي ينذرك من العذاب يعتبر محسناً إليك ولا لا ؟ لو أن رجلاً جاء يصيح أيها الناس جاءكم العدو أيها الناس جاءتكم النار سعير ، أيها الناس جاءكم الماء فيضان ، بماذا تصف هذا الرجل ؟ ناصح ولا غاش ؟ ناصح ، ولا تصفه بأنه مجنون ؟ تصفه بأنه عاقل ناصح حانٍ يحب لك السلامة من الشرور فالنبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة لنا ماهو إلا نذير ينذرنا من العذاب الشديد القريب ولهذا قال : (( بين يدي عذاب شديد )) والشديد بمعنى القوي وهل المراد عذاب الآخرة أو يشمل عذاب الآخرة والدنيا ؟ الصحيح أنه يشمل عذاب الآخرة والدنيا ولذلك عذب المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلام في الدنيا قبل الآخرة فزعماء قريش وصناديدهم نعم قتلوا في بدر وألقوا جيفاً منتنة في قليب من قلب بدر ومن بقي منهم كان آخر أمره أن دخلت عليهم البلد من أقطارها وأذلوا حتى كان الواحد لا يأمن إلا بتأمين ، من دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار آبي سفيان فهو آمن ، ومن لم يكن في هذا فليس بآمن وهذا من أكبر الذل أن تستحل بلدك ولا تأمن فيها إلا بتأمين هذا لاشك أنه ذل وعار وآخر الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي من عليهم وقال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) وهذا بلا شك أنه عذاب في الدنيا لكن إذا أسلموا كان مثل هذا العذاب كافيا ومن أبى وكفر كان له العذاب الشديد أيضاً في الآخرة والله أعلم .
قال الله عز وجل : ما في آخر الفوائد (( قل إنما أعظكم )) قال الله تعالى : (( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ )) إلى آخره في هذا دليل أو ويستفاد من الآية الكريمة : دعوة الإنسان المعاند للتأمل في الأمر والنظر فيه حتى لا يتعجل بالرد لقوله : (( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا )) .
ومن فوائدها : أنه ينبغي لمن طلب الحق أن يكون مخلصاً لله بعيداً عن الهوى لقوله : (( أن تقوموا لله )) .
ومن فوائدها : جواز التعاون في طلب الوصول إلى الحق من قوله : (( مثنى وفرادى )) .
ومنها : أن الإنسان قد لا يصل إلى الحق إلا بمساعدة غيره لقوله : (( مثنى وفرادى )) فإنه إذا أمكن أن يصل إلى الحق بنفسه فذاك وإلا استعان بغيره .
ومنها : أن التفكير كما يكون في الآيات الكونية يكون كذلك في الآيات الشرعية لأنه هنا طلب منه التفكر فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام وفي الرسول نفسه أيضاً .
ومن فوائدها : انتفاء الجنون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله : (( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ )) .
ومنها : بيان عتو قريش الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه صاحبهم الذي يعرفونه وكان الأولى بهم أن يصدقوه .
ومنها : أننا إذا أردنا استكشاف حال الشخص فإننا نسأل مصاحبه الذي يصاحبه ويلازمه لأنه أعلم الناس به وقد كان بعض السلف إذا أراد أن يسأل عن حال شخص يسأل المسئول يقول هل سافرت معه ؟ فإن قال لا ترك تعديله له وإن قال نعم قبل تعديله إياه ، لماذا ؟ لأن السفر مظهر حقيقة الرجال حتى قيل إنه إنما كان سفراً لا لأن الإنسان يسفر ويبتعد عن البلد ويخرج إلى الفضاء ولكن لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ولاشك أن السفر من أكبر ما يدل على خصال الرجل لأنه في البلد الناس كل له شأن يوريه عن الآخر لكن في السفر محك للأخلاق الفاضلة وفي عدمها .
ومن فوائد الآية الكريمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم منذر للناس من عذاب قريب إذا خالفوه لقوله : (( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )) .
ومنها : استعمال الأسلوب المناسب للحال وهذا معروف في علم البلاغة أن يستعمل الإنسان ما يوافق مقتضى الحال فهنا ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام تخويف وإنذار لأنه يخاطب المكذبين لكن عند وصف الرسول عليه الصلاة والسلام الوصف المطلق يقول : (( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ))[الفتح:8]فبدأ بالبشارة قبل الإنذار وهذا من حيث حال النبي صلى الله عليه وسلم المطلقة أما في المقامات التي تقتضي ذكر الإنذار دون غيره فيستعمل فيها الإنذار دون غيرها طيب .
ومن فوائد الآية الكريمة : إثبات الجزاء وعقوبة المخالفين لقوله : (( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )) .
ومنها : استعمال الأوصاف التي تستلزم الموافقة والمتابعة من قوله : (( ما بصاحبكم )) فأنت عندما تخاطب الإنسان لا تأتي لا بالألفاظ التي تبعده بل الذي ينبغي أن تأتي له بالألفاظ التي تدنيه وتقربه لتؤلف قلبه .