تابع تفسير قول الله تعالى : (( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب )) . حفظ
وعلى من اتبعه وعلى هذا كان ضلال العالم أو ذلة العالم من أعظم ما يفتن الناس ، زلة العالم ليست بهينة لأنه قدوة وأمة ، (( إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي )) وليس عليكم من ذلك شيء (( وإن اهتديت )) لم يقل فإن ذلك من نفسي بل وكله أو أضافه إلى ما جاء به الوحي النازل من عند الله ولهذا قال : (( فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي )) والباء للسببية و (( ما )) إما أن تكون مصدرية وإما أن تكون موصولة ، إن كانت موصولة فإن عائدها محذوف التقدير فبما يوحيه إلي ربي ، وإن كانت مصدرية فلا تحتاج إلى عائد وقوله : (( يوحي إلي ربي )) الوحي في اللغة هو الإعلام بخفاء وسرعة هذا في اللغة ، الإعلام بخفاء وسرعة سواء كان ذلك إعلام بالهمز أو بالإشارة بالعين أو بالإشارة باليد ومنه قوله تعالى : (( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ))[مريم:11]وما يتكلم لأنه قال له : (( آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ))[آل عمران:41]إذا (( أوحى إليهم )) بمعنى أشار إليهم فالوحي في اللغة هو الإعلام بخفاء وسرعة هكذا قال أما في الشرع : فهو إعلام الله سبحانه وتعالى أحداً من خلق بشرع يؤمر بتبليغه أو لا يؤمر إن أمر بتبليغه فهو رسول وإن لم يؤمر فهو نبي وقوله : (( فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي )) الإضافة هنا إضافة خاصة (( ربي )) لأن الله ربه ورب غيره لكن الإضافة هنا إضافة خاصة تفيد أي شيء ؟ تفيد العناية واللطف لأن من أكبر نعم الله على العبد أن يوحي إليه بالرسالة حتى ينال المرتبة العليا من بني آدم كذلك من نعمة الله على العبد أن يلهمه هذه الرسالة في التعلم ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء فهي من أكبر النعم ولهذا قال : (( فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي )) فأضاف الربوبية إلى نفسه لأن هذه الربوبية خاصة تقتضي العناية والتأييد والرحمة واللطف ، (( إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ )) قال المؤلف : " للدعاء " والصواب أن الآية هنا عامة سميع لكل شيء وليس للدعاء فقط بل سميع لما أقول لكم وسميع لما تقولون لي وسميع لدعائي أيضاً بمعنى مجيب وقد مر علينا أن السمع المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين : سمع بمعنى إدراك المسموع ، وسمع بمعنى إجابة المسموع ، السمع الذي بمعنى إدراك المسموع تارة يراد به التهديد وتارة يراد به التأييد وتارة يراد به بيان الإحاطة أي إحاطة الله عز وجل بكل مسموع فهذه ثلاثة أشياء ، تارة يراد به التهديد ، مثل يا عبد الرحمن بن داود ؟
الطالب : ......
الشيخ : لا ، تارة يراد به التهديد .
الطالب : .....
الشيخ : نعم ، وتارة يرد به التأييد ، مثاله يا عبد الله ؟
الطالب : .....
الشيخ : نعم ، قوله عن موسى وهارون : (( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ))[طه:46]، وتارة يراد به بيان الإحاطة ، بدر ، (( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا )) [المجادلة:1]أما السمع الذي بمعنى الإجابة كقوله تعالى : (( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ))[إبراهيم:39]وقول المصلي : " سمع الله لمن حمده " وقوله : (( قريب )) هذه اسم فاعل أو صفة مشبهة والضمير المستتر فيها يعود على من ؟ يعود على الله عز وجل ، وكل فعل أو وصف فالمراد به ذات الله ، سجل هذه القاعدة التي ذكرها ابن القيم في مختصر الصواعق يقول : " كل فعل أو وصف تحمل ضميراً يعود إلى الله فالمراد به ذات الله " لكن يجب أن يكون في ذهنك تنزه الله عز وجل عما لا يليق به ، فيكون القرب هنا قرب رحمته أو قرب علمه أو قرب سمعه أو بصره أو قرب ذاته أيهما ؟ لا ماشي (( قريب )) هو أي ذاته ولهذا صرح ابن القيم بأنه : " قريب بذاته " لكن يجب أن تعلم أنه مع قربه بذاته فهو مستوٍ على عرشه حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ) يقول لهم وهم راكبون على رواحلهم ، ولكن مع هذا يجب أن ننزه الله عما لا يليق به بحيث نتوهم أنه معنا في المكان هذا لا يمكن بل هو قريب بذاته مع علوه وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية قال : " هو عليّ في دنوه قريب في علوه " ولا تظن أن الجمع بين القرب والعلو فوق السماوات متناقض لماذا ؟
أولاً : لأن الله تعالى جمع بينهما لنفسه ودل عليهما كتاب الله ، وكتاب الله عز وجل لا يمكن أن يدل على متناقض (( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ))[النساء:82].
ثانياً : أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء يعني لو فرض أن بين القرب والعلو تناقضاً في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق لماذا ؟ لأن الله ليس كمثله شيء ولهذا نقول : إن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة وهو مع ذلك مستوٍ على عرشه لا تقول هذا محال ، نقول هذا محال بالنسبة لمن ؟ للمخلوق أما بالنسبة للخالق فيجب أن نؤمن بما أخبرنا به عن صفاته وهو استواؤه على عرشه ونزوله إلى السماء الدنيا ونقول : إن هذا ممكن في حق الخالق .
الوجه الثالث مما نجمع فيه بين القرب والعلو : أنه قد يكون الشيء عالياً وهو قريب حتى من المخلوقات مثل القمر ، القمر عالي لكنه قريب كأنه معنا كأنه في المكان الذي أنت فيه وضوءه واصل إلى الأرض وهو في السماء وأظنه مر علينا في البلاغة بيتان في هذا المعنى " دانٍ إلى أيدي العفاة وشاسع عن كل ند في الندى وضريب كالبدر أفرق في العلو وضوءه للعصبة السارين جد قريب " نعم طيب المهم أن الله إذا أضاف الشيء إلى نفسه سواء كان فعلاً أو وصفاً فإنه لا يجوز لنا العدول عن تحويل هذا الشيء المضاف إلى الله إلى شيء آخر لأننا إذا سلكنا ذلك احتج علينا من ؟ احتج علينا أهل التأويل من المعتزلة والأشاعرة وقالوا : كيف تأولون هذه الآية ما دام لا تأولون وتنكرون علينا التأويل في آيات أخرى أو في نصوص أخرى ؟ فإذا قلت لهم إن هذا يمنعه العقل قالوا : ونحن نرى أن ظواهر الآيات والأحاديث يمنعها العقل لكن إذا أبقيت النصوص على ماهي عليه على ظاهر دلالتها مع تنزيه الله عما لا يليق به سلمت في دينك وسلمت أمام الله عز وجل حين يسألك يوم القيامة كيف تصرفت في كلامي وكيف أخرجته عن ظاهره وسلمت أيضاً من معارضة أهل التأويل وقد مر علينا في تلخيص الحموية أن الفلاسفة الذين ينكرون المعاد يل وينكرون كل شيء احتجوا على المعتزلة وأهل التعطيل وقالوا : كيف تجوزون التأويل في آيات الصفات وأحاديثها ولا تجوزون التأويل في نصوص المعاد ؟ إذا أولتم في هذا فأولوا في هذا وإلا فقد ظهر تناقضكم وسبق لنا إجابة المعتزلة للفلاسفة ماذا قالوا لهم ؟ قالوا : إننا قد علمنا بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات المعاد وعلمنا أن الشبهة المانعة منه فاسدة فوجب القول بثبوته ، هذه حجة هي إجماع هذه من أهم المسائل لطالب العلم في علم التوحيد وذكرنا أن هذه الحجة التي دفع بها المعتزلة اعتراض الفلاسفة ذكرنا أن هذه الحجة احتج بها أهل السنة على المعتزلة ، وقالوا : قد علمنا بالضرورة أن الرسول جاء بإثبات الصفات لله وعلمنا فساد الشبهة المانعة منه فوجب القول بثبوته وأن فرض القاعدة في هذا وهذا هو اللي فيه السلامة أما أن نتناقض ونأول في شيء ونبقي النصوص على ظاهرها في شيء فإن هذا وهم وضعف في الطريقة فالمهم أن القريب هنا لا نقول قريب في علمه أو قريب في رحمته أو قريب في سمعه أو ما أشبه ذلك فنخصصها بشيء لأنك إذا قلت قريب في رحمته أو سمعه أو بصره أو علمه أو ما أشبه ذلك خصصته فإذا قلت قريب بذاته اشتمل كل ما تقتضيه هذه الذات من الصفات فكان أعم وقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول بأن سبحانه وتعالى قريب بنفسه وتلميذه ابن القيم قال : إنه قريب بذاته ولكن مع ذلك يجب علينا أن نعلم علم اليقين بأنه قريب ولكنه في السماء على عرشه وهذا لا تناقض فيه وقد علمتم الجواب على ما يوهم أنه متناقض وأن الجواب من كم لوجه ؟ من ثلاثة أوجه والله أعلم