تفسير قول الله تعالى : (( وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد )) . حفظ
(( وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ )) (( قالوا )) يعني عند فزعهم وعند أخذهم من هذا المكان القريب ، (( وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ )) (( أمنا به )) أي بما كنا كافرين به في الأول فيشمل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بموسى وعيسى وإبراهيم وغيرهم من الرسل ، هذا إذا كان الكلام عاماً في جميع الكفار ، فإن كان خاصاً في كفار قريش فالمراد بـ (( آمنا به )) أي بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي قالوا عنه إنه كذاب وبالقرآن الذي قالوا عنه إنه سحر ، (( آمَنَّا بِهِ )) وقال الله تعالى : (( وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ )) بواو والهمزة بدلها (( التناوش )) و (( التناءش )) والهمزة بدل من الواو والتناوش معناه أخذ الشيء من بعيد يقال : تناوشت الشيء يعني أخذته بأطراف أصابعي على بعد أي أنهم لن يتمكنوا من تحقيق ما أرادوه من الإيمان ولا من بعد ولهذا قال : (( َأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ )) و (( أنى )) هنا استفهام بمعنى الاستبعاد يعني أنه يبعد لهم التناوش من المكان البعيد لأن الذي يتناول الشيء إذا كان عن قرب قال تناوله وأدركه ، أما إذا كان عن بعد فيقال : تناوشه ومع ذلك فإنه لا يتمكن منه فهؤلاء يبعد عنهم كل البعد أن ينالوا ما يريدونه من هذا الإيمان لماذا ؟ لأن هذا الإيمان ضروري يعني أنهم اضطروا إليه حين رأوا العذاب (( قالوا آمنا به )) بل كانوا يقولون إنهم لو ردوا إلى الدنيا لآمنوا ولكن الله كذبهم بقوله : (( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ))[الأنعام:28]فهم بإيمانهم هذا إنما يريدون الخلاص من العذاب ولكن العذاب بعد وقوعه لا خلاص منه وهذا له شواهد في القرآن كثيرة قال الله تعالى (( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ))[غافر:85]وقال تعالى : (( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ))[النساء:18]يقول : (( وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ )) أي تناول الإيمان (( مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ )) عن محله إذ هم في الآخرة ومحله في الدنيا أي نعم وهذا بعيد ولا لا ؟ بعيد لأن ما مضى من الزمن لن يرجع حتى الأيام في الدنيا الماضية لا يمكن أن ترجع فيوم الأحد اليوم ليس هو يوم الأحد الماضي وإن وافقه في الاسم لكنه غيره فالشيء الماضي بعيد والشيء المستقبل قريب ، الماضي بعيد وإن قرب والمستقبل قريب وإن بعد لأن كل آت قريب ، طيب إذاً نقول إن هؤلاء حكى الله عنهم أنهم يقولون حين يفزعون ويؤخذون بالعذاب يقولون آمنا ولكن هذا الإيمان لا ينفعهم لأنهم يتناولونه من مكان بعيد .