بسم الله الرحمن الرحيم تفسيرقول الله تعالى : (( الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير )) . حفظ
ست وأربعون آية قول : مكية أصح الأقوال في المكي والمدني أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل بمكة وما نزل قبل الهجرة أي قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فإنه مكي ولو نزل في غير مكة هذا هو أصح ما قيل في تعريف المكي والمدني ، الغالب في الآيات المكية قوة العبارة وشدتها وقصر الآيات وموضوعها غالباً في أصول الدين وتقرير التوحيد وأما الآيات المدنية فإنها بالعكس تجد عباراتها أسهل وغالب موضوعها في فروع الدين لأن الناس غالبهم قد قاموا بالتوحيد ولها ضوابط معروفة في أصول التفسير وعلامات وهنا يقول : إنها مكية واعلم أن الصورة إذا كانت مكية واستثني بعض آياتها مثلاً تقول : مكية إلا آية كذا وكذا فإن هذا الاستثناء غير مقبول من قائله إلا بدليل لأن الأصل أن الصورة جزء واحد بمعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا نزلت آية قال : ضعوها في موضع كذا من سورة كذا ، فالسور المكية مكية ولا يستثنى منها شيء والسور المدنية ولا يستثنى منها شيء إلا بدليل ، دليل لا يكفي أن يقول العالم إلا كذا إلا كذا لابد فيه من سند لأنها خير والأخبار لابد من سند لها حتى تصل إلى غاية السند ،وقول المؤلف : " إنها خمس أو ست وأربعون آية " هذا لا يضر الاختلاف في عدد الآيات أمر ليس بضار ولهذا في سورة الفاتحة كما تعلمون اختلف العلماء هل البسملة آية من آياتها أو مستقلة ؟ مع الاتفاق على أن الفاتحة سبع آيات .
قال الله عز وجل : بسم الله الرحمن الرحيم ، البسملة آية من كتاب الله مستقلة لا تكون تبعاً لما قبلها ولا مقدمة لما بعدها بمعنى أنها ليست من التي قبلها ولا من التي بعدها لكنه يؤتى بها ابتداء السور علامة على ابتدائها إلا في سورة براءة فإن الله تعالى لم ينزل فيها بسملة لماذا ؟ يقول بعض العلماء لأنها بعض من سورة الأنفال ويقول آخرون : لأنها نزلت بالسيف والشدة على المنافقين والكفار وهذا لا يناسبه البداءة بالبسملة التي هي بسم الله الرحمن الرحيم فإن البسملة بركة ورحمة لا تتناسب مع الشدة والغلظة والقتل والقتال ولكن هذا ليس بصحيح بل أقرب شيء أن الصحابة أشكل عليهم هل هي من الأنفال أو مستقلة فوضعوا فاصلاً ولم يضعوا البسملة فلم يجزموا لا بهذا ولا بهذا على أننا نعلم بأن الله تعالى لم ينزلها لأنها لو نزلت البسملة بين الأنفال والبراءة لكان بقاؤها حتمياً لقوله تعالى : (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ))[الحجر:9]وعلى هذا الصحابة رضي الله عنهم مطابقاً تماماً في واقع الحال ، أما إعرابها فقد تقدم مراراً وذكرنا أن أحسن إعرابات فيها أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف مؤخر فعلي مناسب ، فإذا كنت وأردت أن تتوضأ وقلت : بسم الله الرحمن الرحيم فالتقدير بسم الله أتوضأ .
(( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ )) إلى آخره اعلم أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم هذا هو الحمد وقد حمد الله نفسه سبحانه وتعالى في أول الأمور وآخرها ففي أول الأمور الكونية قال : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ )) (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ))[الأنعام:1] وفي أول الأمور الشرعية قال : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا ))[الكهف:1]كما حمد نفسه على منتهى الأمور أيضاً قال الله تعالى في آخر سورة الزمر (( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الزمر:75]فحمد الله سبحانه وتعالى نفسه في أول الأمر وفي منتهى الأمر لأن الله سبحانه وتعالى له الأمر أولاً وآخراً وكل أمره فإنه محمود عليه لأنه مبني على الحكمة والرحمة ، هنا يقول : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ )) (( الحمد )) مبتدأ و (( لله )) خبره واللام هنا للاستحقاق وللاختصاص للمعنيين جميعاً أما كونها للاستحقاق فلأنه لا أحد أحق بالحمد من الله عز وجل فإنه محمود على كل حال لأن كل ما يفعله وما يشرعه سبحانه وتعالى فإنه محمود عليه لكماله وأما كونها للاختصاص فلأن الحمد أل هنا للاستغراق أي كل حمد فهو ثابت لله ومعلوم أنه لا أحد يختص بهذا الوصف العام الشامل إلا الله عز وجل لأن من يحمد سوى الله لا يحمد إلا على أجزاء جزئية غير شاملة ، لكن الذي يحمد على كل شيء هو الله وبهذا عرفنا أن اللام للاستحقاق وللاختصاص أيضاًَ قال (( الحمد لله )) قال المؤلف : " حمد تعالى نفسه بذلك كما بين في أول سبأ ، في أول سبأ قال : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ ))[سبأ:1]لكن هنا حمد نفسه لعموم ملكه الذي له ما في السماوات والأرض وهنا حمد لابتداء خلقه قال : (( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ )) (( فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ )) قال المؤلف في تفسيره .