فوائد حديث: ( إذا بايعت فقل : لا خلابة ). حفظ
الشيخ : في هذا الحديث من الفوائد :
أنه يجوز تصرف الإنسان الذي يخدع في البيع ، ولكن يشترط لنفسه أنه لا خِلابة ، فإن قال قائل : إذا كان يخدع في البيع فهو سفيه ، ومعلوم أن السفيه يحجز عليه ، فيقال : نعم الحجر عليه هو الأصل ، لكن أحيانا لا يصبر عن البيع والشراء ، لو حجرنا عليه ما يصبر ، فهذا إذا تصرف يشترط لنفسه فيقول : ( لا خلابة ) ، فإذا قال : لا خلابة ، فظهر أنه مخدوع فله الفسخ .
ومن فوائد هذا الحديث : أنه لا يثبت خيار الغبن إلا بشرط ، لأنه لو كان يثبت بلا شرط ما احتيج أن يقال : لا خلابة ، إذ أنه إذا غُبن فسخ سواء قال لا خلابة أم لم يقل ، وهذا هو مذهب كثير من أهل العلم : أنه لا خيار في الغبن ، ولكن هذا المذهب فيه نظر ، لأن فيه قضايا تدل على خيار الغبن منها ما سبق في تلقي الجلب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجالب إذا أتى السوق جعل له الخيار ، لأنه قد يغبن .
ومنها ما سبق في المصرَّاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيار للمشتري بعد أن يحلبها ثلاثة أيام ، وهذا يدل على ثبوت الغبن ، ويمكن الجمع بين هذا الحديث وبين الحديثين السابقين الدالين على أنه يثبت الخيار في الغبن ، يمكن أن يقال : إن الغبن نوعان :
غبن عام يخفى على كل أحد فهذا فيه الخيار سواء اشترط المشتري أو البائع ذلك أو لم يشترط ، مثل التدليس ، فإن التدليس لا يعلم به أحد ، وكذلك تلقي الجلب ، فإنه يخفى على كل الركبان .
وغبن آخر يغبن به الغرير الذي لا يعرف ، فهذا هو الذي يحتاج إى قوله : ( لا خلابة ).
أو يجاب بوجه آخر ويقال : إنه يثبت خيار الغبن مطلقا سواء كان الغبن عاما أو خاصا ، لكن قوله : ( لا خلابة ) من باب التأكيد وقطع النزاع ، فإن الخديعة منفية شرعاً لأنها خلاف النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، ولكن إذا نفاها عند العقد صار ذلك من باب التأكيد وقطع النزاع .
أما كونها من باب التأكيد فواضح ، لأن نفي الخلابة ثابت سواء شرط أو لم يشترط لا يجوز لأحد أن يغبن أحداً لكونه غريرا أو لا يعرف الأسعار أو ما أشبه ذلك .
قطع النزاع ، لأنه إذا ثبتت الخديعة ثبت الخيار بدون نزاع ، فلا يقول مثلا البائع إذا غر المشتري : أنت الذي أخطأت على نفسك ، أنت الذي لم تحتط لنفسك أو ما أشبه ذلك ، لأنه يقول : أنا أحطت لنفسي بقولي : لا خلابة ، وهذا الوجه أحسن من الوجه الذي قبله ، يعني أحسن من تقسيم الغبن إلى قسمين ، فنقول : إن هذا الحديث يدل على أن اشتراط الغبن للفائدتين المذكورتين اللتين ذكرناهما : وهي التوكيد وقطع النزاع .
طيب ومن فوائد هذا الحديث على هذا التقرير الذي قررنا : ثبوت خيار الغبن لكل مغبون ، فكل من غبن بتغرير في الثمن أو في المثمن فإن له الخيار .
ومن فوائد هذا الحديث : أنه يجب أن يكون التعامل بين المسلمين بالنصح بالبيان والصدق وعدم التغرير ، وهذا هو الواجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ، ومعلوم أن من غرر أخاه وخدعه في البيع أو الشراء ، فإنه لم يحب لأخيه ما أحب لنفسه ، لأن الذي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه حقيقة هو الذي يعامل أخاه بما يحب أن يعامل به .
طيب هل يمكن أن يقال : إنه يقاس على البيوع ما سواها من العقود ، بحيث لا يجوز الخداع فيها ؟
الجواب : نعم ، لا يجوز الخداع في جميع العقود ، إما أن نأخذها بالقياس على هذا الحديث ، يعني : أن نأخذ حكمها بالقياس على هذا الحديث ، وإما أن نقول : إنها داخلة في عموم قوله تعالى : (( يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود )) ، فإن من الإيفاء بالعقود أن تعامل إخوانك بالنصح ، وفي قوله تعالى : (( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا )) ، وفي قوله تعالى : (( ولا تبخسوا الناس أشياءهم )) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أنه يجب أن تكون معاملة الإنسان لغيره قائمة على النصح بالبيان والصدق .
وفي الحديث دليل أيضًا على أن الشريعة الإسلامية كما جاءت بإصلاح أحوال الناس في أمور الدين جاءت بإصلاح أحوالهم في أمور الدنيا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد هذا الرجل إلى أن يقول : لا خلابة .
وفيه : دليل أيضًا على أنه ينبغي للإنسان أن يرشد الغرير الجاهل إلى ما يسلم به من غائلة هذا الجهل والمغرة ، لأن هذا من النصح ، فلا يجوز للإنسان إذا رأى شخصًا غريرًا وقف على دكان يسأله عن سلعة فقال له صاحب الدكان : قيمتها مئة وهو يدري أن قيمتها خمسين ويسكت ، بل الواجب عليه أن يقول لهذا المشتري : إن قيمتها في السوق خمسون ، ولا يعد ذلك من قطع الرزق كما يظنه بعض العامة .
طيب من فوائد هذا الحديث : أنه لا خيار في الغبن إلا إذا شُرط ، يعني إذا شرط المغبون بأن له الخيار ، ووجه ذلك : أنه لو كان يثبت الغبن أو لو كان يثبت الخيار بالغبن ما احتيج إلى اشتراطه ، وسبق لنا الجواب على ذلك ، وقلنا : إن هذا إنما ذُكر من أجل التوكيد وقطع النزاع ، لأن هناك أحاديث تدل على ثبوت الغبن ، مثل النهي عن تلقي الجَلَب والمصراة ، فإن هذا يدل على خيار الغبن ، وهذا هو الصحيح .