فوائد حفظ
الشيخ : في هذا الحديث دليل على تفاضل الأعمال ، أي العمل أحب إلى الله ؟، وما كان أحب فهو أفضل .
وفيه إثبات المحبة من الله عز وجل لقوله : ( أي العمل أحب إلى الله ؟ ) والسلف يقولون : إن الله تعالى يحب وإن محبته تتعلق بالأشخاص وتتعلق بالأعمال وتتعلق بالأمكنة . وإذا جاء النص بتعلقها بالأزمنة أثبتنا ذلك ، وأهل التعطيل والتحريف يقولون : إن الله لا يحب عملاً ولا عاملاً ولا زماناً ولا مكاناً ، لماذا ؟ .
لأنهم يرجعون في إثبات الصفات ونفيها إلى العقل ، ولا شك أن هذا عدوان واعتداء ، لأن الصفات من الأمور الغيبية التي يتوقف الإثبات فيها والنفي على مجرد الخبر فالعاقل لا يدرك .
ثم ما هذه العقول التي يوزن بها الكتاب والسنة ؟ ، فيقال العقل يثبت هذا فأثبتوه وينفي هذا فانفوه ، أي عقل ؟ بأي عقل يوزن الكتاب والسنة .!
ورضي الله عن الإمام مالك رحمه الله قال : " أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا الكتاب والسنة وأخذها بقوله " ، هذا مو صحيح ، نحن نؤمن بأن الله يحب ويُحب حباً حقيقياً ، لكن ليس كمحبتنا ، وإذا كنا نحن الآن نشعر بأن حبنا يختلف باختلاف المتعلق ، فاختلاف محبة الله مع محبة العبد من باب أولى ، الإنسان مثلا يحب الطعام الشهي ، ويحب الصديق ، ويحب الولد ، ويحب الزوجة ، ويحب الله ويحب رسول الله ، هل متعلقات هذا الحب سواء ؟ .
أبداً تختلف اختلافاً عظيماً ، أليس كذلك ؟ إذا الواحد منا يحب الطعام الشهي لكن هل يحب ولده مثل حبه لهذا الطعام ؟ لو كان كذلك أكل الولد ، نعم ، لكن حبه يختلف باختلاف متعلقه ، فإذا كان حبنا يختلف هذا الاختلاف المتباين فحب الله تعالى أشد تبايناً من محبة المخلوقين .
أثبت أن الله يحب وقل هذه الصفة من صفات ربنا أثبتها الله لنفسه وأثبتها لها رسوله لكنها لا تماثل محبة المخلوقين .طيب .
وفي هذا الحديث دليل على محبة الله تعالى للصلاة على وقتها ، وبضده كراهة الله تعالى للصلاة على غير وقتها ، لكن من نعمة الله أن الله أباح للعبد أن يصلي في آخر الوقت ، فإن صلى بعده فالصواب أن الصلاة غير مقبولة إلا أن يكون هناك عذر كما بينت السنة أن : ( من نام على صلاة أو نسيها فليصلها إذا استيقظ ) .
ومن فوائد هذا الحديث أن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله لقوله : ( ثم أيٌ ؟ قال : ثم بر الوالدين ) . وما معنى بر الوالدين ؟ معناه إسداء الخير الكثير إليهما ، لأنه مأخوذ من البر . والباء والراء تدل على السعة . فالبر إسداء الخير الكثير إليهما : بالمال والبدن والجاه والعلم وغير ذلك ، حتى الذي ينصح والده قد بر به ، والذي يعلم والده قد بر به .
لا يقل أحدكم : أنا لا أنصح والدي أخشى أن يغضب وأن يزعل ، نقول له يا أخي عليك بملة إبراهيم ، إبراهيم نصح والده حتى غضب أبوه ، ماذا قال له ؟ قال له : (( لئن لم تنته لأرجمنك )) يقول لولده ، فلذة كبده يصل به الغضب إلى هذا الحال ، فالواجب أن تنصح والديك ، لكن نعم استعمل الحكمة واللين ، واحترم مقامك لا تقل له : يا رجل اتق الله ، خاف ربك ، كيف تعمل هذا العمل ؟ هذا ما يجوز ، لكن يقول كما قال إبراهيم : (( يا أبتِ ))، كلام لطيف ، لأن مقام الوالد يجب أن يكون محترماً .
والحاصل أن من بر الوالدين إسداء النصيحة لهما حتى وإن غضبا .
الثالث ، المرتبة الثالثة الجهاد في سبيل الله ، والجهاد في سبيل الله في هذا الحديث يشمل النوعين من الجهاد : وهما الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم والبيان ، لأن الجهاد يشمل المعنيين قال الله تعالى : (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين )) والمعلوم أن جهاد المنافقين لا يتأتى فيه الجهاد بالسلاح ، أليس كذلك ؟ .
إذا يتعين أن يكون جهاد المنافق بالعلم والبيان ، ولا يمكن أن يكون بالسلاح لأن المنافق لم يبرز لنا العداوة حتى نقاتله ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لما استئذن في قتل بعض المنافقين : ( لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ) .
وفي قوله : ( لو استزدته لزادني ) قد يقول قائل : كيف يقول ابن مسعود هذا أهو يعلم الغيب ؟ هو يعلم الغيب ؟ ربما لو استزاده لقال كفى ، هذا وارد ، كما قام رجل فقال : يا رسول الله ادعُ الله لي أن يجعلني منهم ، فقال : ( سبقك بها عكاشة ) ؟.
لكن ابن مسعود فهم من فحوى الخطاب وحال النبي صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظة أنه لو استزاده لزاده ، طيب .
فإن قال قائل : ما تقولون في قول عائشة رضي الله عنها : ( لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما رأينا من النساء - يعني من خروجهن متبرجات متطيبات - لمنعهن )، فهل يكون مثل ذلك ؟ .
نقول ربما يكون هذا التفقه من عائشة رضي الله عنها مطابقاً للواقع ، لأنه إذا كان يترتب على حضورهن المسجد مصلحة ومفسدة أكبر فما الواجب حسب القواعد الشرعية ؟ نعم ؟.
الواجب درء المفاسد ، مع أنه بيوتهن بنص الحديث خير لهن .
وأما ما وقع من قول بلال بن عبد الله بن عمر لأبيه عبد الله بن عمر لما حدثه بهذا الحديث : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) قال : والله لنمنعهن . فابن عمر غضب على ولده وسبه سبا شديدا لم يسبه مثله قط ، ويقال إنه هجره إلى الموت ، فابن عمر بين السبب قال : " أقول قال رسول الله وتقول والله لأمنعهن ! " فكان عليه أن يتأدب ويتلطف في الجواب ، فيقول كما قالت عائشة : ( لو علم النبي صلى الله عليه وسلم من النساء ما رأينا لمنعهن ) هذا هو الصواب . فيكون هذا تفقهاً قد يكون مصيباً وقد يكون غير مصيب . أما المعارضة بصراحة : " والله لنمنعهن " فهذه توجب الغضب ، ولهذا غضب عبد الله بن عمر رضي الله عنه على ابنه ، نعم .