تفسير قوله تعالى : (( أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون )) حفظ
قال الله تعالى: (( أولئك يلعنهم الله)) ((أولئك)) مبتدأ، وجملة ((يلعنهم)) خبره، والجملة خبر ((إن الذين يكتمون)) وقوله: ((يلعنهم الله)) أي يطردهم ويبعدهم عن رحمته، لأن اللعن في اللغة الطرد والإبعاد.وقوله: ((ويلعنهم اللاعنون)) أي يسألون لهم اللعنة وهم أيضا بأنفسهم يبغضونهم ويعادونهم، وقوله: ((يلعنهم اللاعنون)) قد يقول القائل هذا تحصيل حاصل، لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، و يدخل الداخلون، فهذا تحصيل الحاصل، فيقال لا، لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائما به على الوجه الأكمل، قد تقول قام القائمون بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه، فمعنى يلعنهم اللاعنون أي الذين يعرفون من يستحق اللعنة ويوجهونها إلى أهلها هذا معنى اللاعنون، وليس معنى قوله: ((يلعنهم اللاعنون)) يعني من قال لعنهم الله فهو المراد، لأن هذا تحصيل حاصل، لكن معنى اللاعنون أي ذوي اللعن الذين يعرفون مستحق اللعنة ويوجهون إليه، فهم ذووا عليم بالمستحق، وذووا حكمة في توجيه العنة إليه، إذا هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى مع ظهوره وبيانه يستحقون هذا الجزاء ـ والعياذ بالله ـ الوخيم من الله ومن عباد الله، عكس ذلك الذين يبينون الحق، الذين يبينون الحق ماذا يكون لهم؟ يكون لهم المودة والمحبة من الله ومن أولياء الله، وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل: (أن العالم يستغفر له أهل السموات والأرض حتى الحيطان في الماء)نعم؟ لأن الذين يبين شريعة الله يلقي الله تعالى في قلوب عباده محبته و مودته والقبول له حتى في السماء، فلهذا يكون عكس هؤلاء الذين يكتمون، ونحن نعلم ذلك وإن لم يرد به نص خاص عن طريق القياس الجلي، وجه ذلك: إذا كان الله تعالى يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه ومن عباده أفليسوهو الذي سبقت رحمته غضبه، أفليس من يبينون الهدى والبينات، أفليس من يستحقون أن يكون الله تعالى يثني عليهم بدل اللعنة، ويقربهم بدل البعد وكذلك أولياءه؟ الجواب: بلى، لأننا نعلم أن رحمت الله سبقت غضبه، فإذا كان غضبه يستحق هذا الكاتم ما ذكره فإن رحمته تستحق خلاف ذلك فيمن بين ووضح.