تفسير قوله تعالى : (( قال فخذ أربعةً من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبلٍ منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً )) وإعراب قوله (( ثم ادعهن يأتينك سعيا )) حفظ
قال: ((فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا)) قوله: ((خذ أربعة من الطير)) أي الطيور هذه؟ لم يعينها الله عزوجل، ولهذا تعتبر محاولة من حاول تعيينهم من المفسرين محاولة لا فائدة منها، لأنه لا يهمنا، أكانت هذه الطيور إوزا، أم حماما، أم غربانا، أم أي نوع من أنواع الطيور إن الله لم يبينها لنا، ((أربعةمن الطير فصرهن إليك)) ((صرهن)) من صار يصير أو من صار يصور، ((صرهن)) أي أملهن إليك، والصور الميل ومنه الرجل الأصور ـ الذي مالت عينه إلى جانب من جفنه ـ رجل أصور نعم؟ الذي مالت عينه إلى جانب من جفنه، ويسمى الأحول، ولهذا الناس حتى تعرف الناس الآن إذا واحد يقول مصور صورت عينه الشمس مرة القمر وما أشبه ذلك، فمعنى ((صرهن)) أي أملهن، ((صرهن)) اضممهن إليك، ففعل أخذ أربعة من الطير وضمهن إليه وذبحهن ووزعهن أجزاء ((قال ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا)) الجبال التي حوله اجعل على كل جبل منهن أي من هذه الأربعة جزءا، لأجل أن لا يظن الرائي أن عملك سحر، لأنك إذا أبعدتها عنك زالت الشبهة ويكون بعيدا منك ((اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن)) فعل عليه الصلاة والسلام جمع الأربعة وذبحهن، قطعهن أجزاء، جعل على كل جبل جزءا ثم بعد ذلك دعاهن، قال: أيتها الطيور ائتين إليّ، فماذا صار؟ جاءت الطيور جاءت إليه تسعى سعيا. . .نبدأ
قال الله عزوجل: (( قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن )) .
((ادعهن)) أي نادهن، لأن النداء يسمى دعاء، قال الله تعالى: ((لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا)) يعني لا تنادونه كما ينادي بعضكم بعضا فتقولون: يا محمد ولا تقولون يا رسول الله، يا نبي الله، وما أشبه ذلك، إذا ((ادعهن )) يعني نادهن يعني قل: أقبلن.
قال الله تعالى: ((يأتينك سعيا))((يأتينك)) قيل: إنه جواب قوله: ((ادعهن))، وقيل: إنها جوابلفعل شرط مقدر تقديره: إن تدعهن يأتينك، فعلى القول الأول يكون جوابا لقوله: ((ادعهن)) لأن من لازم أمر الله إياه بدعائهن أن يدعوهن، فكأن الشرط معلوم من الأمر، وعلى القول الثاني لا إشكال، إذا جعلنا ((يأتينك )) جوابا لفعل شرط محذوف يعني إن تدعهن يأتينك، ((يأتينك)) هذه جواب سواء قلنا جواب لفعل الأمر ((ادعهن)) أو قلنا: إنها جواب بشرط مقدر تقديره: إن تدعهن، فهي مبنية على السكون وليست مضمومة، مبنية على السكون في محل جزم، وإنما بنيت على السكون لاتصالها بنون النسوة ((يأتينك))، وقوله: ((يأتينك )) من باب أتى يأتي لا من باب آتى يؤتي، بل فرق بين البابين أن آتى بالمد بمعنى أعطى، قال الله تعالى: ((وآتيتم إحداهن قنطارا)) معنى أعطيتم إحداهن ، وأما أتى فهو بمعنى جاء، كما قال الله تعالى: ((أتى أمر الله فلا تستعجلوه)) أتى أمر الله يعني جاء أمر الله، إذا إذا أردت أن تخبر عن شخص بأنه جاء تقول: أتى، وإذا أردت أن تخبر عن شخص بأنه أعطى تقول: آتى، واضح ؟ نعم.
إذا ((يأتينك)) من باب أتى يأتي بمعنى جاء أي يقبلن إليك، (( سعيا)) يحتمل أن تكون مصدرا في موضع الحال، لأن السعي ما فيه شك أنه مصدر وفعلها سعى، لكن هل هي منصوبة على المصدرية وعاملها محذوف تقديره: يأتينك يسعين سعيا ؟ أو هو مصدر في موضع الحال أي يأتينك ساعيات ؟ أيهما أولى؟ الثاني أولى، لماذا؟ لعدم التقدير، وعندنا قاعدة قررناها فيما سبق: أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأكيدا أو تأسيسا فهو تأسيس، وبين أن يكون محذوفا منه أو غير محذوف فهو غير محذوفمنه، هذه قاعدتان مفيدتان: إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأكيدا أو تأسيسا فهو تأسيس، وإذا دار الكلام بين أن يكون محذوفا منه أو غير محذوف فهو غير محذوف منه، فإذا نقول: ((سعيا)) مصدر في موضع الحال، قوله: ((سعيا)) هل يفسر يا عبد العزيز السعي في كل موضع بحسبه؟ أو نقول سعيا على الأرجل؟ قال بعضهم: إن السعي في كل شيء بحسبه نعم؟ يعني أن سعي الطيور هو الطيران فالمعنى: يأتينك طيرانا لا نقص فيهم، أو أنه سعيا على الأقدام على أرجلهم يعني يمشي المشي لكن بسرعة، في هذا قولان للمفسرين، أحدهما أن السعي هنا معنى الطيران لأن سعي كل شيء بحسبه، والثاني: أن المراد بالسعي المشي بسرعة، ولكن أيهما أولى فيما يظهر لنا ؟ الطيران، لأن كونهن يمشين على الأقدام لا يدل على كمالهن إذ أن الطائر إذا كسر جناحه صار يمشي، لكن كونهن يطرن هذا أبلغ، لأنهن أتين على أكمل الحياة في الوجود.