تفسير سورة سبأ-11a
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
تفسير القرآن الكريم
تابع فوائد قول الله تعالى : (( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد )) .
العلم بأنه ما بصاحبهم من جنة هذا هو ما مشى عليه المؤلف والقول الثاني : (( ثم تتفكروا )) أي في شأنكم وفي حالكم ثم استأنف فقال : (( ما بصاحبكم من جنة )) وهذا من كلام الله وليس مفعولاً لما يقتضيه التفكر وهو العلم ، وقوله : (( ما بصاحبكم من جنة )) (( صاحبكم )) المراد به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه عبر عنه بالصاحب المضاف إليهم زيادة في التشنيع عليه والتوبيخ كأنه يقول : هذا صاحبكم الذي تعرفونه ليس رجلاً منكراً عليكم بل هو صاحبكم الذين تعرفونه عقله وصدقه وأمانته فكيف تقولون إنه ساحر وإنه مجنون وإنه شاعر وإنه كاهن وما أشبه ذلك ؟ ففيه إيش ؟ الإضافة إليهم زيادة التشنيع عليهم زيادة هذه واحدة فيه أيضاً الإشارة إلى أنه كان ينبغ أن يكونوا أول من يصدقوا به وأول من يناصرهم لأنه صاحبهم وصاحب الإنسان مستحق للنصر منه والمساعدة والمعاونة فكان في الإضافة هنا فائدتان :
الفائدة الأولى : زيادة التشنيع عليهم في أنهم يصفون صاحبهم الذي يعرفونه بهذا الوصف .
الثاني : إيش ؟ أنه كان الأولى بهم وهو صاحبهم أن يكونوا أول الناس تصديقاً به وأشد الناس معونة له وقوله : (( ما بصاحبكم من جنة )) الجار والمجرور خبر مقدم و(( من جنة )) مبتدأ مؤخر قرنت به من الزائدة من حيث الإعراب المفيدة لمعنى من حيث المعنى ، الفائدة منها هو المبالغة أو التأكيد في النفي لأن من إذا دخلت على المنفي أفادت العموم وصارت نصاً فيه وقوله : (( من جنة )) يقول المؤلف : " جنون " فالجنة هنا بمعنى الجنون ويمكن أن يكون المراد به الجن الذي إذا خالط الإنسان جن نعم (( مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ )) إن سبق لنا قبل وقت قريب أنها تستعمل في اللغة على أربعة أوجه : (( إن )) قال : بمعنى ما فهي نافية (( هو )) أي محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو صاحبهم (( إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ )) أي قبل (( عَذَابٍ شَدِيدٍ )) في الآخرة إن عصيتموه يعني ما محمد عليه الصلاة والسلام إلا رجل من أعقل ومن أحنى الناس على قومه لأنه نذير لكم مماذا ينذركم ؟ من العذاب الشديد القريب لهم لأنه قال : (( بين يدي عذاب شديد )) وبين يدي الشيء هو أن يكون قريباً منه فالنبي عليه الصلاة والسلام هذه حاله رجل عاقل ناصح لقومه حانٍ عليهم لأن الذي ينذرك من العذاب يعتبر محسناً إليك ولا لا ؟ لو أن رجلاً جاء يصيح أيها الناس جاءكم العدو أيها الناس جاءتكم النار سعير ، أيها الناس جاءكم الماء فيضان ، بماذا تصف هذا الرجل ؟ ناصح ولا غاش ؟ ناصح ، ولا تصفه بأنه مجنون ؟ تصفه بأنه عاقل ناصح حانٍ يحب لك السلامة من الشرور فالنبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة لنا ماهو إلا نذير ينذرنا من العذاب الشديد القريب ولهذا قال : (( بين يدي عذاب شديد )) والشديد بمعنى القوي وهل المراد عذاب الآخرة أو يشمل عذاب الآخرة والدنيا ؟ الصحيح أنه يشمل عذاب الآخرة والدنيا ولذلك عذب المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلام في الدنيا قبل الآخرة فزعماء قريش وصناديدهم نعم قتلوا في بدر وألقوا جيفاً منتنة في قليب من قلب بدر ومن بقي منهم كان آخر أمره أن دخلت عليهم البلد من أقطارها وأذلوا حتى كان الواحد لا يأمن إلا بتأمين ، من دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار آبي سفيان فهو آمن ، ومن لم يكن في هذا فليس بآمن وهذا من أكبر الذل أن تستحل بلدك ولا تأمن فيها إلا بتأمين هذا لاشك أنه ذل وعار وآخر الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي من عليهم وقال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) وهذا بلا شك أنه عذاب في الدنيا لكن إذا أسلموا كان مثل هذا العذاب كافيا ومن أبى وكفر كان له العذاب الشديد أيضاً في الآخرة والله أعلم .
قال الله عز وجل : ما في آخر الفوائد (( قل إنما أعظكم )) قال الله تعالى : (( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ )) إلى آخره في هذا دليل أو ويستفاد من الآية الكريمة : دعوة الإنسان المعاند للتأمل في الأمر والنظر فيه حتى لا يتعجل بالرد لقوله : (( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا )) .
ومن فوائدها : أنه ينبغي لمن طلب الحق أن يكون مخلصاً لله بعيداً عن الهوى لقوله : (( أن تقوموا لله )) .
ومن فوائدها : جواز التعاون في طلب الوصول إلى الحق من قوله : (( مثنى وفرادى )) .
ومنها : أن الإنسان قد لا يصل إلى الحق إلا بمساعدة غيره لقوله : (( مثنى وفرادى )) فإنه إذا أمكن أن يصل إلى الحق بنفسه فذاك وإلا استعان بغيره .
ومنها : أن التفكير كما يكون في الآيات الكونية يكون كذلك في الآيات الشرعية لأنه هنا طلب منه التفكر فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام وفي الرسول نفسه أيضاً .
ومن فوائدها : انتفاء الجنون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله : (( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ )) .
ومنها : بيان عتو قريش الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه صاحبهم الذي يعرفونه وكان الأولى بهم أن يصدقوه .
ومنها : أننا إذا أردنا استكشاف حال الشخص فإننا نسأل مصاحبه الذي يصاحبه ويلازمه لأنه أعلم الناس به وقد كان بعض السلف إذا أراد أن يسأل عن حال شخص يسأل المسئول يقول هل سافرت معه ؟ فإن قال لا ترك تعديله له وإن قال نعم قبل تعديله إياه ، لماذا ؟ لأن السفر مظهر حقيقة الرجال حتى قيل إنه إنما كان سفراً لا لأن الإنسان يسفر ويبتعد عن البلد ويخرج إلى الفضاء ولكن لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ولاشك أن السفر من أكبر ما يدل على خصال الرجل لأنه في البلد الناس كل له شأن يوريه عن الآخر لكن في السفر محك للأخلاق الفاضلة وفي عدمها .
ومن فوائد الآية الكريمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم منذر للناس من عذاب قريب إذا خالفوه لقوله : (( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )) .
ومنها : استعمال الأسلوب المناسب للحال وهذا معروف في علم البلاغة أن يستعمل الإنسان ما يوافق مقتضى الحال فهنا ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام تخويف وإنذار لأنه يخاطب المكذبين لكن عند وصف الرسول عليه الصلاة والسلام الوصف المطلق يقول : (( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ))[الفتح:8]فبدأ بالبشارة قبل الإنذار وهذا من حيث حال النبي صلى الله عليه وسلم المطلقة أما في المقامات التي تقتضي ذكر الإنذار دون غيره فيستعمل فيها الإنذار دون غيرها طيب .
ومن فوائد الآية الكريمة : إثبات الجزاء وعقوبة المخالفين لقوله : (( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )) .
ومنها : استعمال الأوصاف التي تستلزم الموافقة والمتابعة من قوله : (( ما بصاحبكم )) فأنت عندما تخاطب الإنسان لا تأتي لا بالألفاظ التي تبعده بل الذي ينبغي أن تأتي له بالألفاظ التي تدنيه وتقربه لتؤلف قلبه .
الفائدة الأولى : زيادة التشنيع عليهم في أنهم يصفون صاحبهم الذي يعرفونه بهذا الوصف .
الثاني : إيش ؟ أنه كان الأولى بهم وهو صاحبهم أن يكونوا أول الناس تصديقاً به وأشد الناس معونة له وقوله : (( ما بصاحبكم من جنة )) الجار والمجرور خبر مقدم و(( من جنة )) مبتدأ مؤخر قرنت به من الزائدة من حيث الإعراب المفيدة لمعنى من حيث المعنى ، الفائدة منها هو المبالغة أو التأكيد في النفي لأن من إذا دخلت على المنفي أفادت العموم وصارت نصاً فيه وقوله : (( من جنة )) يقول المؤلف : " جنون " فالجنة هنا بمعنى الجنون ويمكن أن يكون المراد به الجن الذي إذا خالط الإنسان جن نعم (( مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ )) إن سبق لنا قبل وقت قريب أنها تستعمل في اللغة على أربعة أوجه : (( إن )) قال : بمعنى ما فهي نافية (( هو )) أي محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو صاحبهم (( إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ )) أي قبل (( عَذَابٍ شَدِيدٍ )) في الآخرة إن عصيتموه يعني ما محمد عليه الصلاة والسلام إلا رجل من أعقل ومن أحنى الناس على قومه لأنه نذير لكم مماذا ينذركم ؟ من العذاب الشديد القريب لهم لأنه قال : (( بين يدي عذاب شديد )) وبين يدي الشيء هو أن يكون قريباً منه فالنبي عليه الصلاة والسلام هذه حاله رجل عاقل ناصح لقومه حانٍ عليهم لأن الذي ينذرك من العذاب يعتبر محسناً إليك ولا لا ؟ لو أن رجلاً جاء يصيح أيها الناس جاءكم العدو أيها الناس جاءتكم النار سعير ، أيها الناس جاءكم الماء فيضان ، بماذا تصف هذا الرجل ؟ ناصح ولا غاش ؟ ناصح ، ولا تصفه بأنه مجنون ؟ تصفه بأنه عاقل ناصح حانٍ يحب لك السلامة من الشرور فالنبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة لنا ماهو إلا نذير ينذرنا من العذاب الشديد القريب ولهذا قال : (( بين يدي عذاب شديد )) والشديد بمعنى القوي وهل المراد عذاب الآخرة أو يشمل عذاب الآخرة والدنيا ؟ الصحيح أنه يشمل عذاب الآخرة والدنيا ولذلك عذب المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلام في الدنيا قبل الآخرة فزعماء قريش وصناديدهم نعم قتلوا في بدر وألقوا جيفاً منتنة في قليب من قلب بدر ومن بقي منهم كان آخر أمره أن دخلت عليهم البلد من أقطارها وأذلوا حتى كان الواحد لا يأمن إلا بتأمين ، من دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار آبي سفيان فهو آمن ، ومن لم يكن في هذا فليس بآمن وهذا من أكبر الذل أن تستحل بلدك ولا تأمن فيها إلا بتأمين هذا لاشك أنه ذل وعار وآخر الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي من عليهم وقال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) وهذا بلا شك أنه عذاب في الدنيا لكن إذا أسلموا كان مثل هذا العذاب كافيا ومن أبى وكفر كان له العذاب الشديد أيضاً في الآخرة والله أعلم .
قال الله عز وجل : ما في آخر الفوائد (( قل إنما أعظكم )) قال الله تعالى : (( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ )) إلى آخره في هذا دليل أو ويستفاد من الآية الكريمة : دعوة الإنسان المعاند للتأمل في الأمر والنظر فيه حتى لا يتعجل بالرد لقوله : (( أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا )) .
ومن فوائدها : أنه ينبغي لمن طلب الحق أن يكون مخلصاً لله بعيداً عن الهوى لقوله : (( أن تقوموا لله )) .
ومن فوائدها : جواز التعاون في طلب الوصول إلى الحق من قوله : (( مثنى وفرادى )) .
ومنها : أن الإنسان قد لا يصل إلى الحق إلا بمساعدة غيره لقوله : (( مثنى وفرادى )) فإنه إذا أمكن أن يصل إلى الحق بنفسه فذاك وإلا استعان بغيره .
ومنها : أن التفكير كما يكون في الآيات الكونية يكون كذلك في الآيات الشرعية لأنه هنا طلب منه التفكر فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام وفي الرسول نفسه أيضاً .
ومن فوائدها : انتفاء الجنون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله : (( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ )) .
ومنها : بيان عتو قريش الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه صاحبهم الذي يعرفونه وكان الأولى بهم أن يصدقوه .
ومنها : أننا إذا أردنا استكشاف حال الشخص فإننا نسأل مصاحبه الذي يصاحبه ويلازمه لأنه أعلم الناس به وقد كان بعض السلف إذا أراد أن يسأل عن حال شخص يسأل المسئول يقول هل سافرت معه ؟ فإن قال لا ترك تعديله له وإن قال نعم قبل تعديله إياه ، لماذا ؟ لأن السفر مظهر حقيقة الرجال حتى قيل إنه إنما كان سفراً لا لأن الإنسان يسفر ويبتعد عن البلد ويخرج إلى الفضاء ولكن لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ولاشك أن السفر من أكبر ما يدل على خصال الرجل لأنه في البلد الناس كل له شأن يوريه عن الآخر لكن في السفر محك للأخلاق الفاضلة وفي عدمها .
ومن فوائد الآية الكريمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم منذر للناس من عذاب قريب إذا خالفوه لقوله : (( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )) .
ومنها : استعمال الأسلوب المناسب للحال وهذا معروف في علم البلاغة أن يستعمل الإنسان ما يوافق مقتضى الحال فهنا ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام تخويف وإنذار لأنه يخاطب المكذبين لكن عند وصف الرسول عليه الصلاة والسلام الوصف المطلق يقول : (( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ))[الفتح:8]فبدأ بالبشارة قبل الإنذار وهذا من حيث حال النبي صلى الله عليه وسلم المطلقة أما في المقامات التي تقتضي ذكر الإنذار دون غيره فيستعمل فيها الإنذار دون غيرها طيب .
ومن فوائد الآية الكريمة : إثبات الجزاء وعقوبة المخالفين لقوله : (( إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )) .
ومنها : استعمال الأوصاف التي تستلزم الموافقة والمتابعة من قوله : (( ما بصاحبكم )) فأنت عندما تخاطب الإنسان لا تأتي لا بالألفاظ التي تبعده بل الذي ينبغي أن تأتي له بالألفاظ التي تدنيه وتقربه لتؤلف قلبه .
1 - تابع فوائد قول الله تعالى : (( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد )) . أستمع حفظ
تفسير قول الله تعالى : (( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد )) .
ثم قال الله عز وجل هذا مبتدى الدرس الجديد قال تعالى : (( قُلْ )) لهم (( مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ )) (( قل )) الخطاب معلوم أنه للرسول عليه الصلاة والسلام لأنه هو النذير لهؤلاء (( مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ )) (( ما )) يحتمل أن تكون شرطية يعني أي أجر أسأله منك فهو لكن ، ويحتمل أن تكون اسماً موصولاً بأن يكون الذي سألتكم من الأجر فهو لكم ويكون اقتران الفاء بالخبر لأن اسم الموصول يشبه الشرط في العموم فأعطي حكماً (( قل ما سألتكم )) على الإنذار والتبليغ (( من أجر )) (( من )) بيان لـ(( ما سألتكم )) وليست زائدة لأن (( ما )) غير نافية وقوله : (( من أجر )) الأجر هو ما يعطى في مقابلة عمل أو استيفاء نفر ، في مقابلة عمل كما لو استأجرت يعمل لي عمل ، أو استيفاء نفر كما لو استأجرت منك بيتاً ، فالأجر هو ما يعطى على العمل أو استيفاء المنفعة يعني هذا العمل الذي قمت به إن كنت سألتكم عليه أجراً وقلت أعطوني مالاً وأعطوني كذا نعم فهو لكم ، وقوله : (( مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ )) هذا على فرض أن يكون ذلك موجوداً وإلا فإنه غير موجود كما قال تعالى : (( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ))[ص:86]فالرسول عليه الصلاة والسلام ما سأل الأجر بل قال لهم : إن كنت سألتكم أجراً فهو لكم لا تعطوني إياه قال : (( إِنْ أَجْرِيَ )) ما أجري (( إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )) (( إن )) بمعنى ما ومن علامات إن النافية أن يقع بعدها إلا وذلك ليس بشرط هل هو شرط ولا لا ؟ ليس بشرط طيب (( إن أجري )) أي ثواباً على تبليغ وعلى إنذار (( إلا على الله )) وحده ونعم المثيب سبحانه وتعالى فإن من أجره على الله فإنه سيجد الثواب العظيم لأن عطاء أكرم الأكرمين سيكون أعظم العطاء ولهذا يجزي الله سبحانه وتعالى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ثم الداعي إلى الله يؤجر على دعوته سواء قبلت أم رفضت ويؤجر أيضاً على ما يناله عليه من الأذى سواء كان أذى قولياً أو فعلياً وسواء كان يعود الأذى إلى ما رد ما جاء به أو يعود الأذى إلى اتهام هذا الإنسان بما يشدخ كرامته وكل هذا قد وقع للرسول عليه الصلاة والسلام أوذي على دعوته وأوذي فيا يخدش كرامته ونزاهته فأصحاب الإفك لما رموا عائشة رضي الله عنه ما رموا عائشة لأنها عائشة لكن رموها لأنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، الرسول عليه الصلاة والسلام أوذي في عرضه وأوذي في بدنه وأوذي في بدنه وأوذي فيما مهمته التي جاء من أجلها فأجره على من ؟ على الله سبحانه وتعالى واعلم أنك كلما أوذيت في الدعوة إلى الله فإن ذلك زيادة أجر لك من جهة وزيادة قوة لدعوتك من جهة أخرى ، لأن الإنسان إذا أوذي على شيء لابد أن يجد من يتعاطف معه كما تقتضيه سنة الله عز وجل حتى الذين يتكلمون بالباطل إذا أوذوا على باطلهم وجدوا من يتعاطف معهم فكيف بمن يتكلمون بالحق ؟ ولهذا أنا أدعوا نفسي وإياكم إلى أن يكون علمنا منساباً إلى غيرنا بمعنى أن ننشر هذا العلم وأن ندعوا الناس إليه ، صحيح أن حضورنا إلى هذا المجلس وتعلمنا لاشك أنه فائدة عظيمة وأنه مجلس من مجالس الذكر لكن ينبغي أن ننشر هذا العلم وندعوا الناس إليه بقدر المستطاع وأما أن يبقى كنسخ من كتب الفائدة لا تعدو صدورنا فهذا لاشك أنه ضعيف ولا يليق بطالب العلم وعلينا أن نعرف ما جرى لأئمة المسلمين وعلماء المسلمين من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ولست بذلك أريد أن تكرس جهودهم كلها للدعوة لأن الدعوة بلا علم ضررها أكثر من نفعها كما يوجد من بعض الإخوة الحريصين على الخير تجدهم يضيعون أوقاتهم في الزيارات إلى فلان وإلى فلان وفي الخروج حتى إن العلم عندهم ليس بشيء بل تجدهم يكرهون العلم والتعمق فيه ويريد أن تكون دعوتهم دعوة سطحية مهلهلة أي إنسان يأتيهم يقفوه ، أنا أريد منكم أن تكونوا علماء ربانيين دعاة إلى الخير مهما استطعتم ويكون أجركم على من ؟ على الله سبحانه وتعالى لأن الإنسان مسئول عن علمه لأن الله تعالى ما أعطاك العلم إلا بميثاق (( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ))[آل عمران:187]قال : (( إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ )) سبحانه وتعالى (( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )) مطلع يعلم صدقي (( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )) كل شيء فالله شهيد عليه يعني مطلع عليه ومنه حالي معكم فهو مطلع عليه مطلع أني بلغتكم وأنذرتكم ومطلع على أنكم إيش ؟ كذبتموني وخالفتموني فأجري على الله وعقوبتكم على الله عز وجل كما قال تعالى : (( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ))[الغاشية25:26]وهل الله شهيد على ما في نفس الإنسان ؟ نعم شهيد على ما لا يطلع عليه أحد فالله تعالى شهيد عليه .
2 - تفسير قول الله تعالى : (( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد )) . أستمع حفظ
تفسير قول الله تعالى : (( قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب )) .
ثم قال : (( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ )) يلقيه إلى أنبيائه (( عَلَّامُ الْغُيُوبِ )) ما غاب عن خلقه ، قوله : (( إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ )) هذه جملة خبرية مؤكدة بـ(( إن )) واسم (( رب )) وخبرها جملة (( يقذف )) و (( علام الغيوب )) خبر ثاني يعني هو أيضاً (( علام الغيوب )) وقوله : (( يفذف بالحق )) القذف هو الرمي بقوة ، الرمي بقوة يسمى قذف وقوله : (( بالحق )) أي بالقول الحق وهو الوحي الذي أنزله الله تعالى على أنبيائه ، وظاهر كلام المؤلف أن القذف لازم لا يتعدى الأنبياء وأن المراد به الوحي المنزل على الرسل ولكن قول المؤلف فيه نظر والصواب أن هذه الآية تفسرها الآية الثانية وهي قوله تعالى : (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ))[الأنبياء:18]وأن معنى الآية قل إن ربي يقذف بالحق على الباطل وهو إشارة إلى أن حقه سوف يمحو باطلهم ويزهقه ويهلكه بدليل أيضاً قال فيما بعد : (( قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ )) قال : (( يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ )) قال : (( علام )) بصيغة المبالغة لأن الغيوب كثيرة فناسب أن يضاف إليها العلم على سبيل المبالغة كما أن فيه مبالغة أيضاً من حيث الكيفية لا من حيث الكمية فقط من حيث الكيفية فإن علم الله عز وجل للغيوب ليس علماً سطحياً بل هو علم عميق يصل إلى أخفى شيء من الغيوب قال الله تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ))[آل عمران:5]والغيوب جمع غيب وهو ما غاب عن الإنسان وهذا خاص بالمستقبل ولا حتى في الحاضر والماضي ؟ أما المستقبل فظاهر فإنه لا أحد يمكنه أن يعلم الغيب في المستقبل بل من ادعى علم الغيب في المستقبل فهو كافر لأن الله يقول : (( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ))[النمل:65]فيكون مدعي الغيب في المستقبل مكذباً للقرآن وتكذيب القرآن كفر أما الحاضر والماضي فهو في الحقيقة غيب نسبي يكون غيباً عن وليس غيباً عمن ؟ شاهده فلو أن حادثة وقعت في بلد ما وأنا لست في هذه البلد فهي بالنسبة إلي غيب وبالنسبة لمن شاهدها ليست بغيب فإذاً المستقبل غيب مطلق والحاضر والماضي غيب نسبي يظهر لمن رآه ولا يظهر لمن لم يره ، قال : (( علام الغيوب )) ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض
تفسير قول الله تعالى : (( قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد )) .
(( قُلْ جَاءَ الْحَقُّ )) قال المؤلف : " الإسلام " والإسلام لاشك أنه دين الحق وأنه سيعلو على جميع الأديان كما قال الله عز وجل : (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ))[التوبة:33]ولو أن المؤلف عمم وقال : (( جاء الحق )) أي كل ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام وما جاء به من الأحكام فهو حق ، (( وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ )) الكفر (( وَمَا يُعِيدُ )) أي لم يبقى له أثر هذه الجملة (( وَمَا يُبْدِئُ وَمَا يُعِيدُ )) أو ما يبدئ فلان وما يعيد أسلوب من أساليب العرب كناية عن هلاك هذا الشيء وعدم وجوده لأن الذي لا يبدئ يعني لا يأتي بالشيء ابتداءً ولا يعيد ما صنعه أولاً هذا غير موجود في الواقع ماله حراك ، لا حراك به فهو كالهالك والمعنى (( ما يبدئ الباطل )) أي يتبين ابتداءً ، (( وما يعيد )) ما يتبين إعادةً فهو إذاً هالك لا أثر له لا ابتداء ولا إعادة فإذا كان الحق قد جاء والباطل ما يبدئ وما يعيد فمعناه أن الدولة ستكون لمن ؟ ستكون للحق لمن جاء به النبي عليه الصلاة والسلام وإن كذبوه ، (( الباطل )) إن كان في الأخبار فهو الكذب وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم وكل ما خالف حكم الله فهو جور وظلم وإن زعم أهله أنهم عادلون فيه فهم كاذبون فالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة نقول : إنها باطل ونقول إنها ظلم وجور وأما ما وافق الشرع فإنه وإن سمي قانوناً أو نظاماً فهو شرع يعني لو أن أحداً صنع مواد معينة في الحكم لكنها مأخوذة من الكتاب والسنة لا نقول إن هذه قوانين وضعية أو نظم وضعية بل نقول هي أحكام شرعية لكنها ركبت على مواد كما أن الفقهاء رحمهم الله على أبواب فالخلاف في كيفية العرض وإلا فهو حق أما أن يقنن الشريعة بمعنى أن ندخل عليها أحكاماً تخالف أحكامها فهذا كفر (( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ))[المائدة:44]فأما تقنينها بمعنى تبويبها وجعلها مواد معينة فهذا لا بأس به بشرط ألا يكون الحكم لازماً بهذه المواد لأن إلزام القضاة أو الحكام بأن يحكموا بهذه المواد معناه أنهم يلزمون بأن يحكموا بما يعتقدون أن الحق في خلافهم لأن الناس يختلفون في اجتهادهم فقد ترى اللحية مثلاً أن الحكم في هذا هو كذا وكذا ويرى القاضي أن الحكم خلاف ذلك فوضعها على أنها موضحة أو كاشفة أو دالة هذا لا بأس به بلا شك لكن وضعها على أنها ملزمة هذا لا يجوز لأن الناس يختلفون في الجهاد قال : (( وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ * ))
تفسير قول الله تعالى : (( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب )) .
(( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ )) عن الحق (( فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي )) أي إثم ضلالي عليها (( وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي )) من القرآن والحكمة (( إِنَّهُ سَمِيعٌ )) للدعاء (( قَرِيبٌ )) ، (( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ )) هذا من باب التنزل مع الخصم وإلا فمن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان أهدى الناس أليس كذلك ؟ طيب وهذا كقول الرجل المؤمن من آل فرعون قال : (( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ))[غافر:28]مع أن المؤمن هذا يؤمن بأنه صادق لكن هذا من باب التنزل مع الخصم لإلزامه بقول الحق ، يقول الله عز وجل : (( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي )) ومعلوم أن الإنسان لا يريد أن يتمادى في إضلال نفسه ومثل النبي عليه الصلاة والسلام إذا ضل نعم ، مثل الرسول إذا ضل لا يكون ضلاله أيضاً .
اضيفت في - 2011-05-25
الحجم ( 3.71 ميغابايت )
التنزيل ( 1004 )
الإستماع ( 169 )