ما المراد بالاستعتاب في قوله تعالى : (( فإن يستعتبوا فما هم من المعتبين )) .؟
الشيخ : الاستعتاب طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه قبول العذر والرِّضا فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية بالغاية التي هي الرضا لأنَّ الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه الـمُستَعْتَب.
ما الحكمة في تعبير المتكلم عن نفسه بصيغة الغائب كما في خطابات القرآن .؟
الشيخ : لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إنَّ المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْق بين أن يقولَ الملك ملك الدنيا: إنَّ الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا أو يقول إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم وهذه من قاعدة البلاغة التعبير تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم لاسيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك. نعم
العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء .؟
الشيخ : الواقع أنَّ العذاب على أهلَ النار واقِع على كُلِّ البدن ولهذا قال الله تعالى: (( كلما نضِجَتْ جلودهم بدَّلْنَاهم جلودًا غيرَها لِيذوقوا العذاب )) لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم.
قراءة الآيات القرآنية .
مناقشة تفسير قوله تعالى : (( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين )) .
الطالب: ظنكم؟ يجوز أن تكون خبر
الشيخ : عطنا واحد مما تقول أنه يجوز
الطالب: خبر
الشيخ : ظنُّكم خبر؟ نعم، و(الذي ظننتم)؟
الطالب: هذا نعت
الشيخ : طيب (أرداكُم)؟
الطالب: (أرداكُم) خبر ثاني
الشيخ : خبر ثاني، طيب فيه وجه ثاني في الإعراب يا أيوب؟ في وجه ثاني في الإعراب يلا يا أيوب قل نعم ولَّا لا
الطالب: .. منتبه
الشيخ : أنا هذا بلائي منك دائمًا ما أنت بمنتبه وش فيهك اشتقت إلى الأهل؟
الطالب: (ذلكم) مبتدأ (ظنكم) بدل منه و(الذي ظننتم) نعت و(أرداكم) خبر
الشيخ : و(أرداكم) خبر تمام إذًا اتفق القولان أنَّ (الذي ظننتم) صفة، طيب (( أصبحْتم من الخاسرين )) ما معنى أصبحتم هنا؟
الطالب: صِرْتم
الشيخ : صِرْتم، معناها المطابق للفظ ما هو؟
الطالب: أصبح أي صار في الصباح هذا الأصل
الشيخ : أي نعم هذا الاصل لكنها قد تستعمل بمعنى صار، نعم طيب قوله: (( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم )) ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ (( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم )) شو المناسبة؟ يعني هذا قد تخفى مناسبتُه إذ أنَّ الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك
الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس ...
الشيخ : ارتباطُه بما قبله { لا تتسوك هنا تكون رائحة كريهة } طيب مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج لأنَّ ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا لكنه قال: فالنار مثوى لهم. أي فلن يتخلصوا منها، (( إن يستعتبوا فما هم من المعتَبِين )) ما معنى يستعتبوا؟
الطالب: يطلبوا العتبى
الشيخ : وهي؟
الطالب: يعني المعذرة .... العذر
الشيخ : العذر ثم الرضا، طيب (( فما هم من المعتبين ))؟
الطالب: أي إن الله لن يرضى عنهم
الشيخ : تمام، إعراب (( فما هم من المعتبين ))؟
الطالب: الفاء بحسب ما قبلها
الشيخ : لا مي هي بحسب ما قبلها، معروف (( وإن يستعتبوا فما هم من المعتَبِين )) الفاء؟
الطالب: ... رابطة لجواب الشرط
الشيخ : رابطة لجواب الشرط، طيب استمر (ما)؟ على لغة مَن؟
الطالب: غالبًا حجازية
الشيخ : نعم ما دمت تقول عملها تعمل عمل ليس ... ، طيب اسم ما؟ .. مبني ... في محل ايش؟ .. وعلامة جرِّه؟ المعتبينِ كسرة ظاهرة في آخرِه اي؟ ... نعم جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ أليس كذلك؟ هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟
الطالب: ما يختلف اللفظ
الشيخ : إذًا تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب، طيب (( ما هذا بشرا )) هل تتفق اللغتان في هذا؟
الطالب: (( ما هذا بشرًا )) لا
الشيخ : لغة تميم أن يقال
الطالب: ..تميم يقال ما هذا بشرٌ
الشيخ : ما هذا بشرٌ توافِقُونه على ذلك؟ نعم لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةً عمل (ليس) عند الحجازيين فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا إذا قلت خاطبت إنسان وقلت ما زيد قائمًا. عرفنا أنك ايش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ عرفْنا أنَّك تميميٌّ ولهذا قال الشاعر
ومُهَفْهَفُ الأعطاف قلت له انتَسِبْ -يعني من أين أنت- فأجاب: ما قتْلُ المحِبِّ حرامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟ أنه تميمي، إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا ومسعود يعيد علينا البيت
الطالب: ما قتْلُ المحِبِّ
الشيخ : لا لا البيت ما هو ..
الطالب: ما أذكره
الشيخ : ما تذكره أنا، أعده بس قد قلناه الآن قريبًا نبدأ الدرس الآن درس اليوم
الطالب: ومُهَفْهَفُ الأعطاف قلت له انتَسِبْ فأجاب: ما قتْلُ الحبيب حرامُ
الشيخ : المحِبِ، بارك الله فيك تمام، نبدأ درسنا الآن درس اليوم
الطالب: شيخ بارك الله فيك بالنسبة لإعراب (( ما هم بمعتبين )) شيخ يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد
الشيخ : أين؟
الطالب: (( ما هم بمعتبين ))
الشيخ : هذه من كيسِك يا ولد مي هي بفي القرآن (( فما هم من المعتبين )).
قال الله تبارك وتعالى: (( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ )) إلى آخره (قيضنا لهم) يقول: " سَبَّبْنَا (( لهم )) "
الطالب: شيخ ما أخذْنا الفوائد
الشيخ : ايه؟ عجيب، من أين؟
5 - مناقشة تفسير قوله تعالى : (( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين )) . أستمع حفظ
فوائد قوله تعالى : (( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين )) .
ومن فوائدها تمامُ قُدْرَةِ الله عز وجل وأنَّه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أنَّ هؤلاء المجرمين يظُنُّون أنَّ الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر.
ومن فوائد الآية التي بعدها أنَّ مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث فهذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة، لأنَّ الذي يُنكِر البعث كافر والكافر لا حظَّ له لا في الدنيا ولا في الآخرة لقول الله تعالى: (( قل إنَّ الخاسرين الذين خسِرُوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة )).
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أنَّ هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا لقوله تعالى: (( فأصبحتم من الخاسرين )).
ومن فوائد الآية .. أنَّ أهل النار لن يخرجُوا منها سواءٌ صبروا أم لم يصبروا لقوله: (( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم )) ويبَيِّنُه قوله تعالى: (( اصْلَوهَا فاصْبِرُوا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون )) وقوله تعالى: (( وسواءٌ علينا أجزِعْنا أم صبَرْنا ما لنا من محيص )).
ومن فوائد هذه الآية الكريمة الإشارة إلى أنَّ النار لا تفنى لقوله: (( فإن يصْبِرُوا فالنَّار مثْوًى لهم )) وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أنَّ الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أنَّ النار تفنَى في آخر النهاية لكنَّ هذا الزعمَ باطل يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف بل نقول: إنَّه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف وذلك لأنَّ كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة موضع مِن كتاب الله عز وجل الموضع الأول الأخ ارفع يدك يلَّا ايش؟ ما تدري ... الموضع الأول في سورة النساء ما هي الآية؟
الطالب: (( إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا * إلَّا طريق جهنم خالدين فيها أبدًا وكان ذلك على الله يسيرًا ))
الشيخ : الموضع الثاني
الطالب: سورة الأحزاب
الشيخ : ما هو؟
الطالب: ....
الشيخ : (( إنَّ الله لعنَ الكافرين وأعَدَّ لهم سعيرًا * خالدين فيها أبدًا لا يجدون ولِيًّا ولا نصيرًا )) طيب الموضع الثالث؟
الطالب: سورة الجن (( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ))
الشيخ : أحسنت فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاث، طيب هذه (( وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين )) قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين، لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية.
ومن فوائد الآية الكريمة إثبات النار لقوله: (( فالنار مثوى لهم )).
ومنها أنها هي المثوى وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إنَّ الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير وقد بيَّنَّا أنَّ هذه الكلمة كلمة كُفْر لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها يعني لو اعتقد أنَّ القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إنَّ القبر ليس المثوى الأخير
6 - فوائد قوله تعالى : (( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين )) . أستمع حفظ
التعليق على تفسير الجلالين : (( وقيضنا )) سببنا (( لهم قرناء )) من الشياطين (( فزينوا لهم ما بين أيديهم )) من أمر الدنيا واتباع الشهوات (( وما خلفهم )) من أمر الآخرة بقولهم لا بعث ولا حساب (( وحق عليهم القول )) بالعذاب وهو (( لأملأن جهنم ))[ 119 : 11 ] الآية (( في )) جملة (( أمم قد خلت )) هلكت (( من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين )).
قال تعالى: (( وحَقَّ عليهم القولُ في أُمَمٍ قد خلَتْ مِن قبلِهم مِن الجن والإنس إنَّهم كانوا خاسرين )) (حق عليهم) أي وجب (القول) قول من؟ قول الله تبارك وتعالى فما هو القول الذي حَقّ؟ فسَّره المؤلف بقوله: " وهو (( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين )) وقيل القول هو قوله تعالى: (( إنَّ الذي حقَّتْ عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتْهم كلُّ آية حتى يروا العذاب الأليم )) ونقول كما أسلفنا في القاعدة في التفسير أنَّ الآية إذا كانت تحتَمِل معنيَيْن لا مُرَجِّحَ لأحدهما على الآخر ولا منافَاةَ بينهما فإنها تُحمَل على المعنيين جميعًا، نقول: حقَّ عليهم قول الله تعالى: (( إن الذي حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية )) وهذا في الدنيا يعني مهما عالجْتَ الإنسان الذي حقَّتْ عليه كلمة الله فلن يهتدي، وحقَّتْ عليهم كلمة الله في الآخرة وهي (( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين )) إذًا لا فائدة، إنَّ أبرَزَ مثَلٍ لنا في هذا ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم مع عمِّه أبي طالب الذي كان -أعني عمَّه- كان يُدافِع عنه أشد المدافعة ويُؤْوِيه وينصرُه ويشهَد بأنه حق لكنه لم ينقَدْ لذلك ولم يتَّبِع، هل أغنَى عنه مِن الله شيئا؟ لا، عند موته يقول: يا عمّ قل: لا إله إلا الله كلمة أحَاجّ لك بها عند الله. ولم ينفعه ذلك كان آخر ما قال أنّه على ملة عبد المطلب، لأن أبا طالب عند موتِه حضرَه النبي عليه الصلاة والسلام وحضره رجلَان من كبار قريش فكان الرسول يقول: يا عم قل لا إله إلا الله. وهما يقولان له: أترغب عن ملةِ عبد المطلب يعني عن ملَّةِ الكفر، آخِر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله. مع العلم بأنَّه يقر و يعترِف بأنَّ الرسول حقّ، يقول:
ولقد علمت بأنَّ دينَ محمد مِن خير أديانِ البرية دينًا
ويقول في لاميته المشهورة:
لقد علموا أن ابننا لا مُكَذَّبٌ لدينا ولا يُعنَى بقول الأباطِل
أي بقول السحرة يعني ليس بساحر، ومع ذلك قد حقَّتْ عليه الكلمة نسأل الله العافية وأن يحسِن لنا ولكم الخاتمة، حقَّت عليه الكلمة فلم يُؤمِن، يقول: (( في أمم )) " (في) جملة (أمم) " (( في أمم )) يعني في جملتهم واحتَجنا إلى قوله (في جملة) يعني إدخال (جملة) وإن كانت معروفة من السياق، لأنَّه لو قال: في أمم لكان هؤلاء مشارِكين لكل الأمم الماضية والمستقبلَة مع أنَّهم في أمتهم وحدَهم فيكون المعنى: في أمَم أي في جملة أمم، (( قد خلت )) هلكَتْ (( من قبلهم من الجن والإنس )) إلى آخره (من قبلهم) أي قبلِ هؤلاء المكذبين (مِن الجن والإنس) الجنّ هم عالم غيبِيّ خلقهم اللهُ تعالى من نار لأنَّ أباهم إبليس كان مِن نار، ولهذا كان شأنهم أو كانت حالُهم الطَّيْش والسرعة والاندِفَاع كالنَّار في لهبِها فهم خُلِقُوا من النار أعنِي الجن، وهم مكلَّفون بالإيمان بالله وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليوم الآخر، ولكن هل الأعمال التي كُلِّفُوا بها هل هي الأعمال التي كُلِّفَت بها الإنس أو غيرها؟ إن نظرْنا إلى عمومات الأدلة قلنا: إنَّ الجن مكلَّفَةٌ بما كلِّف به الإنس، لأنَّ الشريعة التي بين أيدينا لم تأتِ بشريعةٍ للجِن، شريعة واحدة والرسول واحِد فهم مكلَّفُون مثلًا بصلاةٍ كصلاتنا ووضوء كوضوئنا وحجٍّ كحجِّنا وصوم كصومنا وصدقةٍ كصدقتنا كلّ ما نحن مكلَّفون به فهم مكلفون به، إذ أننا لا نرى في الشريعة التي بين أيدينا تشريعَاتٍ للجن، هذا إذ نظرْنا إلى ايش؟ إلى عموم الأدلة، إذا نظرْنا إلى حكمةِ الله تعالى في شرعِه قلنا: إنهم مكلَّفُون بشريعةٍ تلِيق بهم، فكما أنَّ الإنس إذا اختلَفوا يُجعَل لكل صنف ما يلِيق به فكذلك الجن، والجن مخالفون للإنس في الحدِّ والحقيقة مخالفون تمامًا للإنس فتكون شريعتُهم خاصَّة تليق بهم، لكن تحريم الظلم والشرك والعدوان وما أشبه ذلك هذا عام على الجن والإنس، إنما أريد التكليفات البدنية كالصلاة مثلًا هل صلاتهم كصلاتنا أو صيامهم كصيامنا هذا هو محلّ الخلاف بين العلماء، منهم مَن يقول: إنَّ الجن مكلفون كما كُلِّف الإنس تمامًا. حجة هؤلاء الأخ؟ ما حجة هؤلاء؟
الطالب: خلقٌ من خلقِ الله ...
الشيخ : لا، غلط، لأن خلقٌ من خلقِ الله ترِد علينا الملائكة، الظاهر أنك سرحْت بارك الله فيك، نعم شوف ترى كل الأرض مُجدِبَة ما فيها مرعى أبدًا إلا في هذا المسجد ما دمت في المسجد، لا تفكر أن تلقى مرعى أبدًا نعم،
الطالب: عموم الأدلة
الشيخ : عموم الأدلة التي بين أيدينا التي أرسل بها الرسول عليه الصلاة والسلام لا نجِد فيها أحكامًا تخُصُّ الجن واضح يا جماعة؟ فالأصل العموم الأصل أنَّ ما كُلِّف به الإنس هو ما كُلِّف به الجن، القول الثاني الأخ صاحبَ الثوب الأزرق قل:
الطالب: ...
الشيخ : ايش يقول الثاني: أنَّ الجنّ مثل الإنس في العبادة وما كلفوا به أو يختلفون؟ أي نعم وجه ذلك؟
الطالب: لأن بعض العبادات الصلاة يعني قد تكون ليس كصلاتنا
الشيخ : أنَّا نجِد من حكمة الله أنَّ التشريعات مناسبة للمكلَّف بها المريض يصلِّي قاعدًا، المسافر يؤَخِّر الصوم، الذي لا يستطيع الركوب على الراحلة لا يحُجّ، فإذا كانت هذه الاختلافات تكون بين الإنس لاختلاف أحوالهم فما بين الجن والإنس مِن باب أولى، لكن هناك أشياء لا إشكالَ فيها وهي تحريم الشِّرِك والظلم والعدوان وما أشبه ذلك ولهذا نجد كثيرًا من العلماء الذين يقرءُون على مَن مسَّهم الشيطان يُذكِّرُونهم بتحْرِيم الظلم وأنَّه حرام وأنهم معتَدُون وما أشبه ذلك مما يدل على أنَّهم ملتزِمُون بهذا، طيب يقول: (( من الجن والإنس )) إذًا الجن عالم ايش؟ عالم غيبِيّ خلِقُوا من نار مكلفون بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم إلزامًا، لأنَّه مرسل إلى الجن والإنس، لكن غيرُ الرسول لا نعلم هل هم ملزمون بذلك أو لا، لكنهم مأذُونٌ لهم أن يعملوا بها كما قال تعالى: (( وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصِتُوا فلما قُضِي ولَّوا إلى قومهم منذرين * قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أُنزِل من بعد موسى )) مما يدُلُّ على أنهم انتفعوا بكتاب موسى (( أنزل من بعد موسى مصدِّقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم )) إلى آخره، فهم ملزمون بالعمل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، طيب قلنا إنَّهم عالمٌ غيبي هل يمكن أن يبْرُزُوا للناس يومًا من الأيام؟ نعم ربما يبرُزُون لبعض الناس ملَوَّنِين يعني يتلونون هم هم يتلونون قد يتراءَى الجنيُّ للإنسي بصورة إنسان فخْم كبير عظيم، أو بصورة هيكل له قرون وله آذان وله أرجل طويلة وما أشبه ذلك هم يتلَوَّنُون، وأما ما زعم بعض الناس أنَّهم أجساد ليس فيها عظام وأنهم إذا لَمَسْته وجدتَّه رقيقًا جدًّا وأنَّ أعينَهم مشقوقةٌ طولًا هكذا فهذا لا أصل له، نعم طيب إذًا نقول: هم عالَـمٌ الغيب ويدُلُّ لذلك المادة التي يوصفون بها يعني الجِنّ، لأنَّ الجيم والنون تدلُّ على الاستتار والخفاء أرأيتُم الجَنَّة؟ الجَنَّة هي البستان الكثير الأشجار، الجِنَّة الجِنّ، الجُنَّة ما يتخِذُه المقاتل لحمايةِ نفسِه من السهام يستتر به، (( والإنس )) هم هؤلاء البشر من بني آدم وسموا أُنْسًا لأنَّ بعضهم يأنس ببعض ولهذا قيل: إن الإنسان مدنِيٌّ بالطبع، (( من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين )) إنهم -أي الذين حق عليهم القول- كانوا خاسرين كانوا متى؟
الطالب: يوم القيامة
الشيخ : أي في علْمِ الله وليس يوم القيامة كما قال الأخ محمد، لأنَّه لو كان كذلك لقال: يكونون لكن كانوا في علْمِ الله عز وجل وتقديرِه خاسِرين، ولكن اعلَموا بارك الله فيكم أنَّه لا يمكن لأحد أن يضِلّ إلَّا وهو السبب هو السبب في ضلالِ نفسِه لدينا آيةٌ من كتاب الله حاكمة على كلِّ ذلك على كلِّ ما يتوهم أنَّ الضلال مقَدَّرٌ من عند الله ابتلاءً وامتحانًا وإن كان الأمر كذلك لكن سببُ ضلال الإنسان هو نفسُه قال الله تبارك وتعالى: (( فلما زاغُوا أزاغَ الله قلوبَهم )) وقال تعالى: (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاه بِهَا وَلَكِنَّهُ أخلَدَ إِلَى الأَرْضِ )) فماذا نفعل؟ إذا كان هو الذي أخلَدَ إلى الأرض واتَّبَع هواه فماذا نفعل؟ فاعلَمْ أنَّ كلَّ شيء من المعاصي فأنت سببُه وإن شئت فاقرَأْ قول الله تعالى: (( فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبَهم ببعض ذنوبهم )) يا لها مِن موعظة في هذه الآية أنك إذا توليتَ عن أمر الله فاعلَمْ أنَّ ذلك بذنبِك (( فاعلم أنما يريد الله أن يصيبَهم ببعض ذنوبهم )) فصار الإعراض عقوبة وهذا أمر قد لا يتفطَّنُ له بعض الناس، إعراضُك عن الله عز وجل وعن دينِ الله هو عقوبة مِن الله عز وجل لِقوله: (( فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبِهم وإنَّ كثيرًا من الناس لفاسقون )) نعم.
7 - التعليق على تفسير الجلالين : (( وقيضنا )) سببنا (( لهم قرناء )) من الشياطين (( فزينوا لهم ما بين أيديهم )) من أمر الدنيا واتباع الشهوات (( وما خلفهم )) من أمر الآخرة بقولهم لا بعث ولا حساب (( وحق عليهم القول )) بالعذاب وهو (( لأملأن جهنم ))[ 119 : 11 ] الآية (( في )) جملة (( أمم قد خلت )) هلكت (( من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين )). أستمع حفظ
هل الجن مخاطبون بشريعة تليق بهم أم بشريعة مثل شريعتنا .؟
الشيخ : أن تكون شرائعُهم مناسبَةً لهم.
الطالب: معلوم بأن العبادات توقيفية فكيف سيعبدون الله عز وجل إذًا؟
الشيخ : لا، يعبدون بشريعة من الله يكون الرسول عليه .. قد علَّمَهم لأنه اجتمع بهم علَّمَهم ما يلزمهم. نعم
هل يثبت عن ابن القيم القول بفناء النار وعن شيخ الإسلام .؟
الشيخ : ابن القيم رحمه الله كلامُه في مفتاح دار السعادة وفي شفاء العليل تشُمّ منه رائحَة أنه يرَجِّح ذلك لأنه ذكر القولين وذكر الأدلة وهو رحمه الله إذا تكلَّم يشفي ويطيل النفس، فكلامُه في هذين الكتابين تشُمّ منه رائحة أنه يميل إلى ذلك، لكن له كلامٌ آخر في الوابل الصيب يدُلّ على أنَّه يرى أنّ النارَ ناران: نارُ الكفار هذه لا تفنى، لأنهم خالدين فيها أبدًا، ونار العصاة الذين يُعذَّبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون تفنَى، لأنّ أهلَها ايش؟ خرجوا منها فإذا خرجوا منها ما بقي لبقائِها فائدة، وهذا التقسيم من الناحية العقلية تقسيم قوي يعني الإنسان يميل إليه من الناحية العقلية، لكن قد يبقى النظر بأنَّ يقول القائل: ما الدليل على أنَّ هناك نارين؟ هذا يحتاج إلى دليل، والذي يظهر من الأدلة أنَّ النار واحدة وأنَّ العصاة يعذّبون بالنار التي يعذب بها الكفار، لكن عقلًا كلامه رحمه الله هذا التفصيلي كلام جيد حتى لو قال قائل: أيضًا العقل يدُلُّ على أنه لا بد أن تكون النارُ نارين، لأنَّه لا يمكن أن يعذَّب المؤمن الفاسق بنارٍ شديدة الحرارة كلما نضِجَ جلدُه بُدِّلً جلدًا آخر كما تكون نار الكفار، من الناحية العقلية يوافق العقل تمامًا، فإن كان صوابا فمِن الله وإن كان خطئًا فالله يعفو عنه. نعم
الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ والذي ... منسوب عن شيخ الإسلام
الشيخ : والله هذا ما وقفت على كلامٍ له في ذلك، ... أما أنا ما اطَّلعت على شيء في ذلك لكن يا إخواننا لا يجوزُ أبدًا أن نعرِف الحق بالرجال، يجب أن نعرِف الحق بالدليل، فما دام بين أيدينا كلام الله عز وجل كيف نفكر في أن نرَجِّح أو نقول قال فلان أو قال فلان، لو قال أكبَر الناس ما عدا الرسول عليه الصلاة والسلام قلنا: لا سمع ولا طاعة ولا تصْديق ولا إيمان، بين أيدينا كلام الله عز وجل وهو الخالق عز وجل والعالم بكل شيء.
هل يرسل الله إلى الجن رسلا .؟
الشيخ : يعني هل فيهم رسول؟ يقول الله عز وجل: (( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم )) (إلا رجالًا نوحي إليهم) وقال العلماء: إن الرجال لا يكونون مِن الجن لكن في هذا التعليل نظَر، لأن الله يقول في سورة الجن: (( وأنه كان رجال من الإنس يعوذُون برجال من الجن ))، قال في الآية الأخرى: (( إلا رجالًا من أهل القرى )) (من أهل القرى) فيقال: الجن أيضًا من أهل القرى، قريتُك أنت فيها والجن فيها أيضًا، لكن أيُّكم أحق بالأرض الإنس ولّا الجن؟
الطالب: الإنس
طالب آخر: الجن
الشيخ : كيف الجن يلّا أطلع عن بيتك يا مسعود
الطالب: لأن يا شيخ الجن يمكن لهم أن يسكنون في الأماكن التي لا يسكن فيها الإنس يسَعُهم ذلك وفي الفضاء
الشيخ : والإنس؟
الطالب: لا، الإنس ما يمكن
الشيخ : ما يمكن؟
الطالب: اي، لا قصدي يعني بالفضاء أما
الشيخ : أما تعلم أنّ الآن فيه أقمار صناعية لها أربعة أشهر خمسة أشهر فيها إنس؟
الطالب: الغالب
الشيخ : على كلِّ حال الأحَقّ هم الإنس لا شكّ ولهذا لو اعتدى أحدٌ من الجن ونزلَ بيتك فلك أن تخرِجَه. نعم
الطالب: الدليل يا شيخ؟
الشيخ : الدليل هو هذا أنَّ الرسول عليه السلام جعل الأرض لمالِكها ( من اقتطَع من الأرض شبرًا ظلمًا طوّقَه الله به يوم القيامة من سبع أرضين ).
الطالب: الدليل على أنهم أولى من الجن؟
الشيخ : هذا هو، أنا أستطيع أن أحرِث في الأرض وأزرع وأبني وأعمل ما شئت ولا معارِضَ لي، لكن لو جاءوا واعتدوا على بيتك وحفرُوا فيه وأصبحْت وإذا السطح مملوء من الزرع والمجالس مملوءة من النخيل
الطلب: لو قالوا: نحن أولى بالبيت. الجن؟
الشيخ : على كل حال جزاك الله خير تنازَل لهم
ألا يجوز أن يكون قوله سبحانه وتعالى : (( إنهم كانوا خاسرين )) أنه يوم القيامة من باب قوله تعالى : (( أتى أمر الله فلا تستعجلوه )) .؟
الشيخ : لا، (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) لولا أنه قال: (فلا تستعجلوه) لكان على ظاهره، انتهى الوقت.
11 - ألا يجوز أن يكون قوله سبحانه وتعالى : (( إنهم كانوا خاسرين )) أنه يوم القيامة من باب قوله تعالى : (( أتى أمر الله فلا تستعجلوه )) .؟ أستمع حفظ
قراءة الآيات القرآنية .
مناقشة تفسير قوله تعالى : (( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين )) .
الطالب: قال المفسر أن معناها سببنا لهم والصحيح أن معناها هيئنا لهم
الشيخ : نعم و(القرناء) جمع ايش؟
الطالب: جمع (قرين) هو الإنس والجن
الشيخ : نعم، (ما بين أيديهم) محمد؟
الطالب: نعم (ما بين أيديهم) للدنيا
الشيخ : (وما خلفهم)؟
الطالب: من الآخرة
الشيخ : هل الآخرة خلفهم ولّا أمامهم؟
الطالب: أمامَهم لكن هنا تأتي بمعنى أمام أيضًا كقوله تعالى: (( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا )).
الشيخ : يعني الخلف والوراء قد يأتي بمعنى الأمام كما في الآية التي ذكرْت، طيب ما معنى التزيين لهم في الدنيا؟
الطالب: التزيين لهم في الدنيا على حالتين: إما أنهم ينكِرُون البعث وإما أنهم يمَنُّونهم
الشيخ : لا لا، هم زيَّنُوا لهم ما بين أيديهم في الدنيا
الطالب: ايه، التزيين في الدنيا الوسوسة لهم بالشهوات
الشيخ : نعم
الطالب: .. بالشهوات
الشيخ : وتمنِّي الأماني وأنَّ الله سيغفر لهم وما أشبه ذلك، طيب (وما خلفهم) كيف التزيين؟
الطالب: (وما خلفهم) تزيين على حالتين: الأولى بإنكار البعث، والثانية بأن يمنِّيهم أنَّ لهم الحسنى في الآخرة
الشيخ : تمام، إنكار البعث ..أن قالوا لا تخافوا ما في بعث. نعم
الطالب: هل ينطبق على الملاحدة؟
الشيخ : أو أنهم قالوا إنْ بُعِثْتُم فلكم الحسنى عند الله، طيب بارك الله فيك، قوله: (في أمم) تقديرها؟(في أمم) (وحق عليهم القول في أمم)؟
الطالب: في جملة أمم
الشيخ : لماذا لم نقل: (في) للظرفية و(أمم) هي الظرف؟ نعم
الطالب: لو قلنا بالظرفية يدُلّ أنَّ الأُمة ليست داخلة في العقاب وفي العذاب، إذا قلنا: في جملة أمم ....
الشيخ : غير هذا
طالب آخر: إذا قلنا (في أمم) يكون المعنى: مشاركون كل الأمم، والمعنى أنهم أمة يعني
الشيخ : وهم أمة منفردة إذًا المعنى: في جملة الأُمم.
13 - مناقشة تفسير قوله تعالى : (( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين )) . أستمع حفظ
فوائد قوله تعالى : (( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين )) .
ومن فوائد الآية الكريمة الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقِلٌّ بعملِه وأنه لا علاقة لله تعالى به. أفهمتم؟ والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام: القسم الأول: مَن قال: إنَّ الإنسان مُجبرٌ على عمله وليس له إرادةٌ ولا اختيار، وأنَّ فعلَه الاختياري كفعلِه الاضطراري فالذي يذهب ويجيء باختيارِه كالذي يرتعِش أو يمشي مجنونًا في الأرض. وهذا مذهب مَن؟ مذهب الجبرية، زعيمُهم الجهم بن صفوان الذي تتلْمذ على الجعد بن دِرهم، الطرف الثاني: مَن قال: إنَّ العبد مستقِلٌّ بعمله وليس لله فيه علاقة فالإنسان مرِيدٌ مختَار ولا لأَحدٍ عليه سلطة. وهذا مذهب مَن؟ القدرية وهم المعتزلة، والقدرية يُسَمَّون مجوسَ هذه الأمة، لأنهم ادَّعَوا أنَّ للحوادث خالِقَيْن، فالحوادث التي مِن فعل لله هي مِن فعلِه، والحوادث التي هي مِن فعل العبد هي مِن فعلِه استقلالًا، وهؤلاء هم المعتزلة ومَن ظاهرهم، وزعمائُهم: عمرو بن عبيد وواصل ابن عطاء. القول الثالث: مَن قالوا: إنَّ العبد له إرادة واختيار ولكنَّ إرادتَه واختيارَه تابعةٌ لإرادة الله تعالى ومشيئتِه وهؤلاء هم السلف الصالح أهلُ السنة والجماعة فقالوا: إنَّ العبد هو القائم الصائم الراكع الساجد الذاهب الجائي هو العبد وليس الله وقالوا: إنَّ هذه الأفعال تُنسَبُ إليه، وما أكثرَ ما في القرآن (( جزاءً بما كانوا يعملون )) (( جزاءً بما كانوا يفعلون )) وما أشبهَ ذلك