تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي ذر رضي الله عنه أن ناسا قالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: ( أوليس قد جعل لكم ما تصدقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة ) قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ ! قال: ( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) رواه مسلم ... " .
الشيخ : لكنهم يفضلوننا بالتصدق بفضول أموالهم، أي: بما أعطاهم الله تعالى من فضل المال، يعني: ولا نتصدق، وهذا كما جاء في الحديث الآخر عن فقراء المهاجرين قالوا: ( ويعتقون ولا نعتق ) فانظر إلى الهمم العالية من الصحابة رضي الله عنهم يغبطون إخوانهم بما أنعم الله عليهم من الأموال التي يتصدقون بها ويعتقون منها، ليسوا يقولون عندهم فضول أموال يركبون بها المراكب الفخمة، ويسكنون القصور المشيدة، ويلبسون الثياب الجميلة، لا لأنهم قوم يريدون ما هو خير وأبقى وهو الآخرة، قال الله عز وجل: (( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ))، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ))، فهم اشتكوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام شكوى غبطة لا شكوى حسد، ولا اعتراضٍ على الله عز وجل، ولكن يطلبون فضلًا يتميزون به عمن أغناهم الله فتصدقوا بفضول أموالهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أوليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به؟ ) يعني: إذا فاتكم الصدقة بالمال فهناك الصدقة بالأعمال الصالحة، ( إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة ) وقد سبق الكلام على الأربع السابقة في الدرس الماضي، أما قوله صلى الله عليه وسلم: ( أمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة ) فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفضل الصدقات، لأن هذا هو الذي فضَّل الله به هذه الأمة على غيرها فقال: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )) ولكن لا بد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروط: الشرط الأول: أن يكون الآمر والناهي عالمـًا بحكم الشرع، فإن كان جاهلًا فإنه لا يجوز أن يتكلم، لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أمر بما يعتقد الناس أنه شرع الله، وليس له أن يتكلم في شرع الله بما لا يعلم، لأن الله حرم ذلك بنص القرآن فقال تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ))، فمن منكرات الأمور أن يتكلم الإنسان عن شيء يقول إنه معروف وهو لا يدري أنه معروف أو إنه منكر وهو لا يدري أنه منكر. الشرط الثاني: أن يكون عالمـًا بأن المخاطب قد ترك المأمور أو فعل المحذور، فإن كان لا يدري فإنه لا يجوز له أن يفعل، لأنه حينئذ يكون قد قفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى: (( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ))، يوجد بعض الناس الذين عندهم غيرة وحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتسرعون فينكرون من غير أن يعلموا الحال التي عليها المخاطب، مثلًا: يجد إنسانًا معه امرأة في السوق فيتكلم عليها ليش تمشي مع المرأة؟ وهو لا يدري أنها محرم له هذا خطأ خطأ عظيم، إذا كنت في شك فاسأله قبل أن تتكلم، إذا كنت في شك فاسأله قبل أن تتكلم، أما إذا لم يكن هناك قرائن توجب الشك في هذا الرجل فلا تتكلم، ما أكثر الناس الذين يصطحبون نساءهم في الأسواق، وانظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام كيف يعامل الناس في هذه المسألة: ( دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أصليت؟ قال: لا، قال: قم وصل ركعتين وتجوز فيهما ) ما قال لماذا لا تقعد، لأن الإنسان إذا دخل المسجد ينهى أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين في أي وقت أي وقت تدخل المسجد في الصباح في المساء بعد العصر بعد الفجر لا تجلس حتى تصلي ركعتين، فهذا الرجل جاء وجلس لكن فيه احتمال أنه صلى قبل أن يجلس والرسول صلى الله عليه وسلم لم يره، ولهذا قال له: ( أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين وتجوز فيهما ) يعني: خفف، فهنا لم يأمره أن يقوم فيصلي حتى سأله وهذه الحكمة. الشرط الثالث من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ألا يترتب على النهي عن المنكر ما هو أنكر منه، فإن ترتب على ذلك ما هو أنكر منه فإنه لا يجوز، من باب درء أعلى المفسدتين بأدناهما، فلو فرض أن شخصًا وجدناه على منكر وليكن شرب الدخان مثلًا، لكن لو نهيناه عن شرب الدخان ذهب يشرب الخمر، فإننا لا ننهاه إذا كنا نعلم أن الرجل يبي يشرب إما هذا وإما هذا فإننا لا ننهاه عن شرب الدخان لماذا؟ لأن شرب الدخان أهون من شرب الخمر، ولهذا قال الله تعالى يعني دليل هذه المسألة قول الله تعالى: (( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ))، فسب آلهة المشركين مصلحة مشروع، لكن إذا ترتب عليه سب الله عز وجل وهو أهل للثناء والمجد فإنه ينهى عنه ينهى عنه، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ( لعن الله من لعن والديه، قالوا: كيف يلعن الإنسان والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ) يقابله ( ويسب أمه فيسب أمه ) فالحاصل أنه لا بد ألا يتضمن الإنكار ما هو أنكر من المنكر، درءًا لأعلى المفسدتين بأدناهما، ثم إنه يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن ينوي بهذا إصلاح الخلق لا الانتصار عليهم، لأن من الناس من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لينفذ سلطته وينتصر لنفسه، وهذا نقص كبير قد يحصل فيه خير من جهة درء المنكر وفعل المعروف، لكنه نقص كبير أنت إذا أمرت أو نهيت إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر فانوِ بقلبك أنك تريد إصلاح الخلق، لا أنك تتسلط عليهم وتنتصر عليهم، حتى تؤجر ويجعل الله في أمرك ونهيك بركة والله المستعان. بسم الله الرحمن الرحيم: سبق الكلام على أول هذا الحديث حديث أبي ذر رضي الله عنه ( أنا ناسًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إن أهل الدثور ) يعني: أهل الأموال ( ذهبوا بالأجور ) وذكروا من ذلك ( أنهم يتصدقون ولا يتصدق الفقراء، وأنهم يعتقون ولا يعتق الفقراء ) فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدقة ليست خاصة بالمال، تكون بالتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد ( ففي كل تسبيحة صدقة، وفي كل تحميدة صدقة، وفي كل تكبيرة صدقة، وفي كل تهليلة صدقة ) وأن الصدقة تكون أيضًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبق لنا معنى المعروف ومعنى المنكر ومعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروط ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وفي بضع أحدكم صدقة ) يعني: أن الرجل إذا أتى امرأته فإن ذلك صدقة، ( قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ ) يعني: لو زنى ووضع الشهوة في الحرام هل يكون عليه وزر؟ ( قالوا: نعم، قال : فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) والحمد لله، يعني: أن الرجل إذا استغنى بالحلال عن الحرام كان له بهذا الاستغناء أجر ومن ذلك أيضًا، إذا أكل الإنسان طعامًا فإنه ينال شهوته بالأكل والشرب ومع ذلك لكونه يستغني به عن الحرام يكتب له به أجر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص: ( واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك ) مع أن ما يجعله الإنسان في فم امرأته لا بد منه، إذ المرأة تقول أنفق علي أو تطلقني، وتخصمه في ذلك تغليه إذا لم ينفق مع قدرته على النفاق فلها الحق في أن تفسخ النكاح، ومع ذلك إذا أنفق عليها يبتغي بذلك وجه الله فإن الله تعالى يأجره على ذلك.
الشيخ : وفي هذا تنبيه على ما يسميه الفقهاء بقياس العكس في هذا -أعني- في حديث أبي ذر رضي الله عنه تنبيه على قياس العكس، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في ضد الأصل لمفارقة العلة، فهنا العلة في كون الإنسان يؤجر إذا أتى أهله هو أنه وضعها في حلال وضع شهوته في حلال، نقيض هذه العلة إذا وضع شهوته في حرام فإنه يعاقب على ذلك، وهذا ما يسمى عند العلماء بقياس العكس، لأن القياس أنواع: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، وقياس عكس، والله الموفق.
قراءة قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرةرضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح ) متفق عليه . النزل: القوت والرزق وما يهيأ للضيف . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ) متفق عليه . قال الجوهري الفرسن من البعير: كالحافر من الدابة قال وربما استعير في الشاة . عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) متفق عليه ... " .
القارئ : نقل المؤلف رحمه الله تعالى: " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نُزلًا كلما غدا أو راح ) متفق عليه. والنُزل: القوت والرزق وما يهيأ للضيف. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ) متفق عليه، قال الجوهري: الفرسن من البعير كالحافر من الدابة، قال: وربما استعير في الشاة . وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) متفق عليه ".
شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح ) متفق عليه . النزل: القوت والرزق وما يهيأ للضيف . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ) متفق عليه . قال الجوهري الفرسن من البعير: كالحافر من الدابة قال وربما استعير في الشاة . عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) متفق عليه ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم هذه الأحاديث الثلاثة التي نقلها المؤلف رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أما الأول: فهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( من غدا إلى المسجد أو راح كتب الله له في الجنة نُزلًا كلما غدا أو راح ) غدا بمعنى: ذهب غدوة، أي: ذهب أول النهار، وذلك مثل أن يذهب إلى المسجد لصلاة الفجر، أو راح الرواح يطلق على ما بعد الزوال، مثل الذهاب إلى صلاة الظهر أو العصر، وقد يطلق الرواح على مجرد الذهاب، كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة: ( من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى ) إلى آخر الحديث، فإن معنى راح في الساعة الأولى أي: ذهب إلى المسجد في الساعة الأولى، لكن إذا ذكرت الغدوة مع الرواح صارت الغدوة أول النهار والرواح آخر النهار، وظاهر الحديث أن من غدا إلى المسجد أو راح سواء غدا للصلاة أو لطلب علم أو لغير ذلك من مقاصد الخير أن الله يكتب له في الجنة نُزلًا، والنزل ما يقدم للضيف من طعام ونحوه على وجه الإكرام، أي: أن الله تعالى يعد لهذا الرجل الذي ذهب إلى المسجد صباحًا أو مساءً يعد له في الجنة نزلًا إكرامًا له، ففي هذا الحديث إثبات هذا الجزاء العظيم لمن ذهب إلى المسجد أول النهار أو آخره، وفيه بيان فضل الله عز وجل على العبد حيث يعطيه على مثل هذه الأعمال اليسيرة هذا الثواب الجزيل، وأما حديثه الثاني فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرْسن شاة ) يعني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث حث على الهدية للجار للجار ولو شيئًا قليلًا، قال: ( ولو فرسن شاة ) الفرسن ما يكون في ظلف الشاة وهو شيء بسيط زهيد، كأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا تحقرن شيئًا، لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو قَلَّ، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءها تعاهد جيرانك ) حتى المرق إذا أعطيته جيرانك هدية فإنك تثاب على ذلك، كذلك أيضا لا تحقرن شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق فإن هذا من المعروف، إذا لم تلق أخاك بوجه معبس مكفهر بل بوجه منطلق منشرح فإن هذا من الخير ومن المعروف، لأن أخاك إذا واجهته بهذه المواجهة يدخل عليه السرور ويفرح، وكل شيء يدخل السرور على أخيك المسلم فإنه خير وأجر، وكل شيء تغيض به الكافر فإنه خير وأجر، قال الله تعالى: (( وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِح )).
شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عنه أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان متفق عليه ... "
الشيخ : أما الحديث الثالث حديثه فهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء من الإيمان أو شعبة من الإيمان ) فهذا الحديث بين فيه الرسول عليه الصلاة والسلام ليس خصلة واحدة أو شعبة واحدة، ولكنه شعب كثيرة، بضع سبعون يعني: ثلاثة وسبعون إلى تسع وسبعين أو بضع وستون شعبة، ولكن أفضلها كلمة واحدة وهي لا إله إلا الله، هذه الكلمة لو وزنت بها السموات والأرض لرجحت بهن، لأنها كلمة الإخلاص كلمة التوحيد، الكلمة التي أسأل الله أن يختم لي ولكم بها، من كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة، هذه الكلمة هي أفضل شعب الإيمان، أدناها إماطة الأذى عن الطريق يعني: إزالة الأذى عن الطريق، وهو كل ما يؤذي المارِّين من حجر أو شوك أو زجاج أو خرق أو غير ذلك، كل ما يؤذي المارِّين إذا أزلته فإن ذلك من الإيمان ( والحياء شعبة من الإيمان ) وفي حديث آخر ( الحياء من الإيمان ) الحياء حالة نفسية تعتري الإنسان عند فعل ما يخجل منه، وهي صفة حميدة كانت خلق النبي عليه الصلاة والسلام، كان من خلق الرسول عليه الصلاة والسلام الحياء، حتى إنه أحيا من العذراء في خدرها عليه الصلاة والسلام، إلا إنه لا يستحي من الحق، فالحياء صفة محمودة لكن الحق لا يستحيى منه، فإن الله يقول: (( وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ))، وقال: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا )) الحق لا تستحي منه، ولكنَّ ما سوى الحق فإن من الأخلاق الحميدة أن تكون حييًّا، ضد ذلك من لا يستحي لا يبالي بما فعل ولا يبالي بما قال، ولهذا جاء: ( مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) والله الموفق.
قراءة قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ) قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرا ؟ فقال: ( في كل كبد رطبة أجر ) متفق عليه . وفي رواية للبخاري: ( فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة ) . وفي رواية لهما: ( بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت فاستقت له به فسقته فغفر لها به ) ... " .
القارئ : نقل المؤلف رحمه الله تعالى: " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا : يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر ) متفق عليه، وفي رواية للبخاري: ( فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة )، وفي رواية لهما: ( بينما كلب يُطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت فاستقت له به فسقته فغفر لها به ) ".
شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ) قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرا ؟ فقال: ( في كل كبد رطبة أجر ) متفق عليه . وفي رواية للبخاري: ( فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة ) . وفي رواية لهما: ( بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت فاستقت له به فسقته فغفر لها به ) ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب كثرة طرق الخيرات هذه القصة الغريبة التي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( بينما رجل يمشي في الطريق مسافرًا أصابه العطش فنزل بئرًا فشرب منها وانتهى عطشه فلما خرج وإذا كلب يأكل الثرى من العطش ) يأكل الثرى يعني: الطين المبتل الرطب، يأكله من العطش من أجل أن يمص ما فيه من الماء من شدة عطشه ( فقال الرجل: والله لقد أصاب هذا الكلب من العطش ما أصابه ) أو ( بلغ هذا الكلب من العطش ما بلغ بي، ثم نزل البئر وملأ خفه ماء ) الخف ما يلبس على الرجل من جلود ونحوها ( فملأه ماء فأمسكه بفيه وجعل يصعد بيديه حتى خرج من البئر فسقى الكلب، فلما سقى الكلب شكر الله له ذلك العمل وغفر له وأدخله الجنة بسببه ) وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الجنة أقرب لأحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك ) عمل يسير شكر الله للعامل هذا العمل وغفر له الذنوب وأدخله الجنة، ولما حدث الصحابة بهذا الحديث وكانوا رضي الله عنهم أشد الناس حرصًا على العلم، لا من أجله أن يعلموا فقط، ولكن من أجل أن يعلموا فيعلموا، سألوا النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: ( يا رسول الله لنا في الحيوان أجر؟ قال: في كل ذات كبدٍ رطبة أجر ) لأن هذا كلب من البهائم، فكيف يكون لهذا الرجل الذي سقاه هذا الأجر العظيم؟ هل لنا في البهائم من أجر؟ قال: ( في كل ذات كبدٍ رطبة أجر ) الكبد الرطبة تحتاج إلى الماء، لأنها لولا الماء ليبست وهلك الحيوان، إذًا نأخذ من هذا قاعدة وهي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قص علينا قصة من بني إسرائيل فهو من أجل أن نعتبر بها وأن نأخذ منها عبرة، وهذا كما قال الله عز وجل: (( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )) وفي رواية أخرى ولعلها قصة أخرى ( أن امرأة بغيا من بغايا بني إسرائيل ) بغيا يعني: أنها تمارس الزنا والعياذ بالله من البغايا ( رأت كلبا يطيف بركية ) يعني: يدور عليها عطشان، لكن لا يمكن أن يصل إلى الماء لأنها ركية بئر ( فنزعت ) يعني: من هذا البئر ( فسقت الكلب فغفر الله لها ) وهذه القصة الثانية، فدل هذا على أن البهائم فيها أجر، كل بهيمة أحسنت إليها بسقي أو إطعام أو وقاية من حر أو وقاية من برد، سواء كانت لك أو لغيرك من بني آدم أو كانت من السوائب فإن لك في ذلك أجرًا عند الله عز وجل، هذا وهن بهائم فكيف بالآدميين؟ إذا أحسنت إلى الآدميين صار أشد وأكثر أجرًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( من سقى مسلمًا على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ) ... من فضلك، يعني: لو كان ولدك الصغير وقف عند البرادة يقول: أبي ماء وأسقيته وهو ظمآن فقد سقيت مسلمًا على ظمأ، فإن الله يسقيك من الرحيق المختوم، أجر كثير ولله الحمد، غنائم لكن أين القابل لهذه الغنائم؟ أين الذي يخلص النية ويحتسب الأجر على الله عز وجل؟ فأوصيك يا أخي ونفسي أن تحرص دائمًا على اغتنام الأعمال بالنية الصالحة حتى تكون لك ذخرًا عند الله عز وجل يوم القيامة، كم من عمل بالنية صار كبيرًا وكم من عمل بالغفلة كبير لكنه يكون صغيرًا والله الموفق.
قراءة قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين ) رواه مسلم . وفي رواية : ( مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة ) . وفي رواية لهما: ( بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له ) .
القارئ : نقل المؤلف رحمه الله تعالى: " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين ) رواه مسلم، وفي رواية: ( مَرَّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأُدخل الجنة )، وفي رواية لهما: ( بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له )، وعنه رضي الله عنه قال ".
شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين ) رواه مسلم . وفي رواية : ( مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأدخل الجنة ) . وفي رواية لهما: ( بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له ) .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في غصن أزاله عن طريق المسلمين ) وهذا الحديث فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن رجلًا مَرَّ بطريق ووجد في الطريق غصنا يؤذي المسلمين، سواء كان هذا الغصن من فوق يؤذيهم من رؤوسهم أو من أسفل يؤذيهم من أرجلهم، المهم أنه غصن شوك يؤذي المسلمين، فأزاله عن الطريق أبعده ونحاه فشكر الله له ذلك وأدخله الجنة، مع أن هذا الغصن إذا آذى المسلمين فإنما يؤذيهم بأبدانهم، ومع ذلك غفر الله لهذا الرجل وأدخله الجنة، ففيه دليلٌ على أن فضيلة إزالة الأذى عن الطريق وأنه سبب لدخول الجنة، وفيه أيضًا دليلٌ على أن الجنة موجودة الآن لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى هذا الرجل يتقلب فيها، وهذا أمر دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، ولهذا قال الله تعالى: (( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ )) أعدت يعني: هيئت، وهذا دليل على أنها موجودة الآن، كما أن النار أيضًا موجودة الآن، ولا تفنيان أبدًا، خلقهما الله عز وجل للبقاء لا فناء لهما، ومن دخلهما لا يفنى أيضًا فمن كان من أهل الجنة بقي فيها خالدًا مخلدًا أبد الآبدين، ومن كان من أهل النار دخلها خالدًا مخلدًا فيها أبد الآبدين، وفي هذا الحديث دليلٌ على أن من أزال عن المسلمين الأذى فله هذا الثواب العظيم في أمر حسي فكيف بالأمر المعنوي؟ كيف بالأمر المعنوي؟ يوجد بعض الناس والعياذ بالله أهل شر وبلاء وأفكار خبيثة وأخلاق سيئة يصدون الناس عن دين الله، فإزالة هؤلاء عن طريق المسلمين أفضل بكثير وأعظم أجرًا عند الله، فإذا أزيل أذى هؤلاء إذا كانوا أصحاب أفكار خبيثة سيئة إلحادية يرد عليهم وتبطل أفكارهم.
الشيخ : فإن لم يُجد ذلك شيئًا قطعت أعناقهم، لأن الله يقول في كتابه العزيز: (( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ )) وأو هنا قال بعض العلماء: إنها للتنويع يعني: أنهم يقتلون ويصلبون وتقطع أيدهم وأرجلهم من خلاف وينفوا من الأرض حسب جريمتهم، وقال بعض أهل العلم: بل إن أو هنا للتخيير أي: أن ولي الأمر يخير إن شاء قتلهم وصلبهم، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء نفاهم من الأرض حسب ما يرى فيه المصلحة، وهذا القول قول جيد جدًّا أعني: أن أو هنا للتخيير أي: أن ولي الأمر يخير، لأنه ربما يكون هذا الإنسان جرمه ظاهرًا سهل، ولكنه على المدى البعيد يكون صعبًا ويكون مضلًّا للأمة، فهنا مثلًا: هل نقول لولي الأمر إن جرم هذا الإنسان سهل انفه من الأرض اطرده يكفي أو اقطع يده اليمنى ورجله اليسرى يكفي قد يقول لا يكفي، هذا أمر يخشى منه في المستقبل، هذا لا يكفي المسلمين شره إلا أن أقتله، نقول: نعم لك ذلك، فكون هنا للتخيير أقرب إلى الصواب، أقرب إلى الصواب من كونها تنزل على حسب الجريمة، والواجب على ولاة الأمور الواجب عليهم أن يزيلوا الأذى عن طريق المسلمين، أي أن يزيلوا كل داعية إلى شر أو إلى إلحاد أو إلى مجون إو إلى فسوق، بحيث يمنع من نشر ما يريد من أي شيء كان من الشر والفساد، هذا هو الواجب، ولكن لا شك أن ولاة الأمور الذين ولاهم الله على المسلمين في بعضهم تقصير، في بعضهم تهاون، يتهاون بالأمر في أوله حتى ينمو ويزداد، وحينئذ يعجزون عن صده، فالواجب أن يقابل الشر من أول أمره بقطع دابره، حتى لا ينتشر ولا يضل الناس به، المهم أن إزالة الأذى عن الطريق الطريق الحسي طريق الأقدام، والطريق المعنوي طريق القلوب، والعمل إزالة الأذى عن هذا الطريق وهذا الطريق كله مما يقرب إلى الله، وإزالة الأذى عن الطريق طريق القلوب والعمل الصالح أشد أجرًا وأعظم أجرًا وأشد إلحاحًا من إزالة الأذى عن طريق الأقدام والله الموفق.
قراءة قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا ) رواه مسلم .
القارئ : نقل المؤلف رحمه الله تعالى: " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مَسَّ الحصا فقد لَغَا ) رواه مسلم ".
شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا ) رواه مسلم .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم استمع فأنصت فإنه يغفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وفضل ثلاثة أيام، ومن مَسَّ الحصا فقد لَغَا ) هذا فيه دليل على أن الحضور إلى الجمعة بعد أن يحسن الإنسان وضوءه ثم يستمع إلى الخطيب وهو يخطب وينصت فإنه يغفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وفضل ثلاثة أيام، وهذا عمل يسير ليس فيه مشقة على الإنسان أن يتوضأ ويحضر إلى الجمعة وينصت لخطبة الإمام حتى يفرغ، وقوله في هذا الحديث: ( من توضأ ) لا يعارض ما ثبت في * الصحيحين * وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم ) فإن هذا الحديث الثاني فيه زيادة على الحديث الأول فيؤخذ بها، كما أنه أيضًا أصح منه فإنه أخرجه الأئمة السبعة وهذا لم يخرجه إلا مسلم، فيجب أولًا على من أراد حضور الجمعة أن يغتسل وجوبًا، فإن لم يفعل كان آثمًا، ولكن الجمعة تصح، لأن هذا الغسل ليس عن جنابة حتى نقول إن الجمعة لا تصح، بل هو غسل واجب كغيره من الواجبات إذا تركه الإنسان أثم وإن فعله أثيب، ويدل على أنه ليس شرطًا لصحة الصلاة وإنما هو واجب ( أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان دخل ذات يوم وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة فقال له أمير المؤمنين عمر يسأله لماذا تأخر؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت ) يعني: كأنه شغل رضي الله عنه ولم يتمكن من الحضور مبكرًا، قال: ( ما زدت على أن توضأت ثم أتيت، فقال عمر وهو على المنبر والناس يسمعون قال لأمير المؤمنين عثمان: والوضوء أيضًا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل؟ ) يعني: كيف تقتصر على الوضوء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل ) فأمر بالاغتسال لمن أتى الجمعة، ولكن لم يقل له اذهب فاغتسل، لأنه لو ذهب واغتسل فربما تفوته الجمعة التي من أجلها وجب الغسل، فيضيع الأصل إلى الفرع، فالحاصل أن هذا الحديث وإن كان لا يدل على وجوب الاغتسال لكن فيه أحاديث أخرى تدل على وجوب الاغتسال، وفي هذا الحديث دليل على فضيلة الاستماع إلى الخطبة والإنصات، الاستماع أن يرعها سمعه، والإنصات ألا يتكلم، هذا الفرق بينهما، فيستمع ويتابع بسمعه كلام الخطيب، ولا يتكلم، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارًا، الحمار أبلد الحيوانات يحمل أسفارًا يعني كتبًا، هل ينتفع الحمار إذا حمل الكتب بالكتب؟ لا، إذًا هذا الذي حضر لم ينتفع بالخطبة لأنه تكلم، قال: ( والذي يقول له أنصت ) يسكته ( فقد لَغا ) ومعنى لغا: فاته أجر الجمعة، فالمسألة خطيرة، ولهذا قال هنا: ( ومن مس الحصا فقد لغا ) أيُّ حصا هذا؟ كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد يفرش بالحصباء الحصا الصغار كبر العدس أو أكبر قليلًا أو أقل يفرش بها بدل عن الرمل وبدل عن الفرش التي نفرشها الآن، فكان بعض الناس ربما يعبث بالحصا يحركها بيده أو يمسحها بيده أو ما أشبه ذلك، فقال: ( من مسَّ الحصا فقد لَغا ) لأن مس الحصا ينهيه عن استماع الخطبة ( ومن لَغا فلا جمعة له ) يعني: حرم أجر ثواب الجمعة الذي فضلت به هذه الأمة على غيرها، وإذا كان هذا في مس الحصا فكذلك أيضًا الذي يعبث بغير مس الحصا، مثل الذي يعبث بتحريك القلم أو الساعة أو ما أشبه ذلك أو المروحة أيضًا يهف هكذا إلا لحاجة، أو الذي يعبث بالسواك أيضًا يتسوك والإمام يخطب إلا لحاجة، مثل لو جاءه النوم والنعاس وصار يتسوك ليطرد النعاس عنه فهذا لا بأس به، لأنه لمصلحة استماع الخطبة، وقد سئلنا عن الرجل يكتب ما يستمعه في الخطبة لأن بعض الناس ينسى نساء فيقول: أنا كلما مرت علي جملة مفيدة أكتبها هل يجوز أو لا؟ فالظاهر أنه لا يجوز، الظاهر أنه لا يجوز، لأن هذا إذا اشتغل بالكتابة تلهى عما يأتي بعدها، لأن الإنسان ليس له قلبان، فإذا جعل يشتغل بالكتابة تلهى عما يقوله الخطيب أثناء كتابته لما سبق، ولكن الحمد لله الآن قد جعل الله للناس ما يريحهم جاءت هذه المسجلات تحضر المسجل وتسجل الخطبة براحة وتستمعها في بيتك أو في سيارتك على راحتك.
قراءة قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب ) رواه مسلم ... " .
القارئ : نقل المؤلف رحمه الله تعالى: " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب ) رواه مسلم ".
شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب ) رواه مسلم ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه في فضائل الوضوء، الوضوء الذي أمر الله به في كتابه في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ )) هذا الوضوء تطهر فيه هذه الأعضاء الأربعة الوجه واليدان والرأس والرجلان وهذا التطهير يكون تطهيرًا حسيًّا وتطهيرًا معنويًّا، أما كونه تطهيرًا حسيًّا فظاهر، لأن الإنسان يغسل وجهه ويديه رجليه ويمسح الرأس وكان الرأس بصدد أن يغسل كما تغسل بقية الأعضاء، ولكن الله خفف في الرأس لأن الرأس يكون فيه الشعر والرأس هو أعلى البدن، فإذا غسل الرأس ولاسيما إذا كان فيه الشعر لكان في هذا مشقة على الناس ولاسيما في أيام الشتاء، ولكن من رحمة الله عز وجل أن جعل فرض الرأس المسح فقط، فالإنسان إذا توضأ لا شك أنه يطهر أعضاء الوضوء تطهيرًا حسيًّا، وهو يدل على كمال على كمال الإسلام حيث فرض على معتنقيه أن يطهروا هذه الأعضاء التي هي غالبًا ظاهرة بارزة، أما الطهارة المعنوية وهي التي ينبغي أن يقصدها المسلم فهي تطهيره من الذنوب، فإذا غسل وجهه خرجت كل خطايا نظر إليها بعينه، وذكر العين والله أعلم على سبيل التمثيل، وإلا فالأنف قد يخطئ، والفم قد يخطئ، قد يتكلم الإنسان بكلام حرام، وقد يشم أشياء ليس له حق أن يشمها، ولكن ذكر العين لأن.