تتمة شرح حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله ). متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله ؟! فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. متفق عليه.
الشيخ : أو بقي قائماً ، فصعد أبو بكر المنبر وخطب الناس خطبة عظيمة بليغة في هذا المقام الضنك قال : " أما بعد أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات " : رضي الله عنه وهو أشد الناس فجيعة به ، " ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، ثم تلا قوله تعالى : (( إنك ميت وإنهم ميتون )) ، وقوله تعالى : (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا )) " ، يقول عمر : " حتى عُقرت فما تقلني رجلاي " : يعني عجز أن يقف ، جلس لأنه علم أن هذا هو الحق ، فانظر إلى ثبات أبي بكر في هذا المقام العظيم . أما الثالث الموضع الثالث : ففي صلح الحديبية ، صلح الحديبية فيه شروط ظاهرها أنها غضاضة على المسلمين ، منها : أنَّ من جاء من قريش مسلما -انتبه- من جاء من قريش مسلما رده الرسول إلى قريش ، ومن ذهب من المسلمين إلى قريش فلا يلزمهم رده ، هذا الشرط ظاهره أنه إجحاف ، عجز عمر لا يصبر على هذا ، فقال : يا رسول الله كيف ؟ كيف من خرج منهم مسلما وجاء مهاجرا إلينا نرده ومن ذهب منا لا يردونه ، ( كيف نعطي الدنية في ديننا ؟ ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، لكن هذا أمر الله ، وأنا عبد الله ورسوله ، ولن أعصي الله ، وسينصرني الله عز وجل ) : فعجز عمر . فذهب إلى أبي بكر يستنجد به لعله يشير على الرسول عليه الصلاة والسلام بعدم الموافقة ، فكان جواب أبي بكر رضي الله عنه كجواب الرسول عليه الصلاة والسلام حرفا بحرف ، موافقة عظيمة في هذا المقام الضنك ، قال : ( إنه لرسول الله ، وإن الله ناصره ، فاستمسك بغرزه ) : يقول لعمر : يعني احذر أن تخالفه فإنه على الحق . في هذه المواطن الثلاثة العظيمة تبين ثبات أبي بكر رضي الله عنه ، وأنه أثبت الصحابة وأحق الصحابة بالخلافة ، وأحزمهم وأعقلهم ، وهكذا يتبين حال الإنسان الثابت الذي ينظر إلى الأمور من بعيد ، ويسبر غورها ، والإنسان الذي عنده غيرة لكنه يريد أن يتعجل ، فالتعجل قد يكون فيه ضرر . المهم من هذا الحديث ، أو الفائدة منه في هذا الباب الذي بوبه النووي -رحمه الله- في * رياض الصالحين * : " أن من امتنع من الزكاة وجب على الإمام قتاله حتى يؤدي الزكاة " ، والله الموفق .
شرح حديث عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم. متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا. فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. متفق عليه.
وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. متفق عليه.
القارئ : نقل المؤلف -رحمه الله تعالى- في سياق الأحاديث في باب تأكيد وجوب الزكاة : " عن أبي أيوب رضي الله عنه : ( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال : تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم ) متفق عليه . وعن أبي هريرة رضي الله عنه : ( أنَّ أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دُلَّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة ؟ قال : تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان قال : والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا. فلما ولَّى قال النبي صلى الله عليه وسلم : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) متفق عليه . وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال : ( بايعتُ النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم ) متفق عليه " . الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم : هذه الأحاديث الثلاثة في باب تأكيد وجوب الزكاة وبيان فضلها : حديث أبي أيوب وأبي هريرة وجرير ، وكلها تدل على ما سبق : مِن أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من فرائض الإسلام ، وفي حديث أبي أيوب زيادة : ( وتصل الرحم ) : والرحم هم القرابة من جهة الأب أو من جهة الأم ، وصلتهم بما جرى به العُرف والعادة ، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يبين كيفية الصلة ، وكل شيء جاء في الكتاب والسنة ولم يبيَّن فإن مرجعه إلى عادة الناس وعرفهم ، وهذا يختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأزمان واختلاف البلدان ، ففي حالة الحاجة والفقر وشدة المؤونة تكون صلتهم بإعطائهم ما يتيسر من المال ، وما يسد حاجتهم ، وكذلك إذا كان هناك مرض في القرابة فإن صلتهم أن تعودهم وتتكرر عليهم حسب ما بهم من المرض وحسب القرابة . وإذا كانت الأمور ميسرة وليس هناك حاجة كما في عرفنا اليوم فإنه يكفي أن تصلهم بالهاتف أو بالمكاتبة أو بالمناسبات البعيدة كالأعياد وشبه ذلك ، والمهم أن صلة الرحم واجبة ولكن غير محددة في الشرع ، فيُرجع فيها على ما جرى به العرف وتعارفه الناس بينهم . وأما في حديث جرير بن عبد الله ففيه زيادة على ما سبق من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة : ( النصح لكل مسلم ) : أن الإنسان ينصح لكل مسلم ، بحيث يعامله كما يعامل نفسه ، كما يحب أن يعامله الناس : فلا يكذبه ولا يخذله ولا يخدعه ولا يغشه ولا يخونه ويكون له ناصحًا من كل وجه ، وإذا استشاره في شيء وجب عليه أن يشير عليه بما هو الأصلح له في دينه ودنياه ، وقد ذكر أن جرير بن عبد الله رضي الله عنه حينما بايع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذه البيعة : ( النصح لكل مسلم ) ، ذُكر عنه أنه اشترى فرسًا من شخص بثمن ثم إنه لما ركبه ورأى الفرس رآه جيدا فرجع إلى البائع وقال : إن فرسك هذا يساوي أكثر فخذ ، ثم ذهب به ووجده يساوي أكثر فرجع إليه فقال : إن فرسك هذا يساوي أكثر فزاده إلى أن زاده بقدر الثمن الأول مرة أو مرتين ، لأنه بايع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على النصح لكل مسلم ، فعلى المرء أن يكون وَصولًا لرحمه ، وأن يكون ناصحا لإخوانه المسلمين . وفي حديث تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( الدين النصيحة ثلاث مرات قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) ، والله الموفق .
شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها, إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار ) قيل: يا رسول الله فالإبل ؟ قال: ( ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ). قيل: يا رسول الله فالبقر والغنم ؟ قال: ( ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ). قيل: يا رسول الله فالخيل ؟ قال: ( الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر، وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها؛ فهي له ستر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات ). قيل: يا رسول الله فالحمر ؟ قال: ( ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )) ). متفق عليه. وهذا لفظ مسلم.
القارئ : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين : نقل المؤلف -رحمه الله تعالى- في سياق الأحاديث في باب تأكيد وجوب الزكاة : " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار . قيل : يا رسول الله ، فالإبل ؟ قال : ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم وردها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها، كلما مرَّ عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار . قيل : يا رسول الله فالبقر والغنم ؟ قال : ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاءُ ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، كلما مَرَّ عليه أولاها رُد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار . قيل : يا رسول الله فالخيل ؟ قال : الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل سِتر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر : فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام، فهي له وزر. وأما التي هي له ستر : فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينسَ حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر. وأما التي هي له أجر : فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج أو روضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات، ولا تقطع طِولها فاستنت شرفًا أو شرفين إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها إلا كَتب الله له عدد ما شربت حسنات . قيل : يا رسول الله فالحُمُر ؟ قال : ما أنزل علي في الحُمُر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة : (( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره )) ) متفق عليه ، وهذا لفظ مسلم " . الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم : هذا الحديث الذي أورده المؤلف -رحمه الله- في باب وجوب الزكاة ، باب تأكد وجوب الزكاة وبيان فضلها : وهو حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم مطولًا ، فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والخيل والحُمر ، وذكر حكم كل منها عليه الصلاة والسلام ، وهكذا كان صلوات الله وسلامه عليه : يبين للناس بيانا شافيا كافيا حتى ترك أمته وقد أكمل الله به الدين ، وأتم به النعمة على المؤمنين ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ، إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار أو صفائحَ من نار ، وأُحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أُعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد ، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ) : فالذهب والفضة تجب الزكاة في أعيانهما في كل حال ، الزكاة واجبة في أعيان الذهب والفضة في كل حال ، سواء أعدها الإنسان للنفقة أو للزواج أو لشراء بيت يحتاج إلى سكناه أو لشراء سيارة يحتاج لركوبها أو ادخارهما ليستكثر بالمال أو غير ذلك ففيهما الزكاة على كل حال . حتى ذهب المرأة الذي تلبسه والفضة التي تلبسها تجب عليها الزكاة ، تجب عليها الزكاة فيها على كل حال ، لكن لا بد من بلوغ النصاب ، وهو في الذهب : خمسة وثمانون جراما ونصف جرام ، وفي الفضة خمسمئة وخمسة وتسعون جراما ، فإذا كان عند الإنسان من الفضة هذا المقدار ومن الذهب ذلك المقدار وجب عليه الزكاة على كل حال ، فإن لم يفعل فجزاؤه ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام ، إذا كان يوم القيامة صُفحت صفائح من نار لا من ذهب وفضة ، من نار والعياذ بالله ، قطع نارية ويُحمى عليها في نار جهنم ونار جهنم فضلت على نار الدنيا كلها بتسع وستين جزءا ، نار الدنيا كلها حتى نار الغاز وما هو أشد حرارة نار جهنم فُضلت عليه بتسعة وستين جزءا نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها . الطالب : آمين . الشيخ : يُحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه يعني الجنب الأيمن والأيسر ، وجبينه يعني وجهه ، وظهره واضح ، ( كلما بردت أُعيدت ) : لا يبقى حتى تبرد ويسكت عنه كلما بردت أعيدت ، ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) : ليس ساعة ولا ساعتين ولا شهرا ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ، خمسون ألف سنة وهو يعذب هذا العذاب نعوذ بالله ، ( حتى يُقضى بين العباد ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ) ، نسأل الله العافية . وعلى هذا يكون هذا الحديث كالتفسير لقول الله تعالى : (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم )) : ومعنى يكنزونها أي : لا يؤدون زكاتها كما فسرها بذلك أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، لأن ما لا يؤدى زكاته فهو كنز ، ولو كان على رؤوس الجبال ، وما تؤدى زكاته فليس بكنز ولو كان في باطن الأرض . الكنز ما لا تؤدى زكاته ، (( يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم )) : وهذا عذاب وألم جسدي ، ويعذبون عذابا قلبيا فيقال لهم : (( هذا ما كنزتم لأنفسكم فذقوا ما كنتم تكنزون )) ، فيحصل لهم العذاب الجسدي والعذاب القلبي بالتوبيخ والتأنيب ، فماذا يكون قلبه في تلك الساعة وهو يقال له : هذا ما كنزت لنفسك ؟ سيتقطع قلبه ، ألم جسدي وألم قلبي والعياذ بالله ، هذا جزاء من لم يؤد الزكاة من الذهب أو الفضة ، وما قام مقام الذهب والفضة في النقدية فله حكمه ، وعلى هذا فمن عنده أوراق تساوي هذا المبلغ من الذهب والفضة فعليه أن يزكيها ، ومعاملة الناس الآن في جميع الدول أو غالب الدول كلها بالأوراق : فئة ريال فئة خمسة فئة عشرة فئة خمسين فئة مئة فئة خمسمئة في السعودية : هذه الأوراق تقوم مقام الذهب والفضة ، لأنها جعلت بدلا عنها في التعامل بين الناس ، فإذا ملك الإنسان أوراقا تساوي هذا القدر من الفضة فعليه زكاته ، يعني تساوي ستة وخمسين ريال عربي من الفضة فعليه الزكاة ، ومعلوم أن الفضة ترتفع أحيانا وتنزل أحيانا فيقَدِّر قيمتها إذا وجبت عليه الزكاة فإذا بلغت النصاب أي ستة وخمسين ريالا من الفضة فعليه زكاتها ، ومقدار الزكاة ربع العشر . ثم ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الإبل والبقر والغنم ، وجعل من حق الإبل حَلبَها يوم وردها ، إذا وردت على الماء فإنها تُحلب ، وجرت العادة أنهم يحلبونها ويتصدقون بها على الحاضرين هذا من حقها ، لأن الإبل رواية رواية كبيرة فيها ألبان كثيرة ، فإذا وردت الماء درت ، وإذا درت صار فيها فضل كثير من اللبن ، فإذا جاء الفقراء يوزع عليهم ، هذا من حقها . وذكر عليه الصلاة والسلام الخيل أنها لها ثلاثة أنواع : أجر وستر ووزر وأما الحُمر فإنه قال : ( لم ينزل عليه فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة : (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )) ) فإن استعملت الحمير في خير فهي خير ، وإن استعملها الإنسان في شر فهي شر ، والله الموفق .
باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به: قال الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم )) إلى قوله تعالى: (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر )).
القارئ : قال -رحمه الله تعالى- : " باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به : قال الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) إلى قوله تعالى : (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أُخَر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولِتكملوا العدة ولِتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون )) " . الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم : قال المؤلف -رحمه الله تعالى- في مؤلفه * رياض الصالحين * : " باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصوم وما يتعلق به " : ذكره -رحمه الله- بعد الكلام على الزكاة ، لأن هذا هو الترتيب الذي جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مُساءلة جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها : صوم رمضان هو : " التعبد لله سبحانه وتعالى بترك الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس " ، هذا هو الصيام ، أن يتعبد الإنسان لله بترك هذه الأشياء ، لا أن يتركها على العادة ، أو من أجل الحُمية البدنية ولكنه يتعبد لله بذلك ، يُمسك عن الطعام والشراب والنكاح وكذلك سائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، من هلال رمضان إلى هلال شوال ، وصيام رمضان أحد أركان الإسلام ، هذه منزلته في دين الإسلام وهو فرض بإجماع المسلمين لدلالة الكتاب والسنة على ذلك . ثم ذكر المؤلف الآيات الواردة في هذا فقال -الآيات التي تدل على هذا- فقال : (( يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) : فوجه الله الخطاب إلى المؤمنين ، لأن صيام رمضان من مقتضيات الإيمان ، ولأن صيام رمضان يكمل به الإيمان ، ولأن ترك صيام رمضان ينقص به الإيمان . واختلف العلماء فيما لو تركه تهاونا وكسلا هل يكفر أو لا ؟ والصحيح أنه لا يكفر ، وأنه لا يكفر الإنسان بترك شيء من أركان الإسلام سوى الشهادتين والصلاة . وقوله تعالى : (( كُتب عليكم الصيام )) أي : فرض ، وقوله : (( كما كتب )) أي : كما فرض ، (( على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) : وإنما ذكر الله تعالى أنه فُرض على من قبلنا ولم يذكر مثل ذلك في الصلاة ، لأن الصيام فيه مشقة ، فيه تعب ، فيه ترك المألوف ، ولا يخفى أنه في أيام الحر وطول النهار يكون شديدًا على النفوس ، فذكر الله أنه فرضه على من قبلنا تسلية لنا ، لأن الإنسان إذا علم أن هذا الشيء له ولغيره هان عليه ، وذكره أيضا من أجل أن يبين أنه جل وعلا أكمل لنا الفضائل كما أكمل لمن سبقنا ما شاء من الفضائل . وقوله : (( لعلكم تتقون )) أي : لأجل أن تتقوا الله ، لأن الصيام جُنة ، يقيك من المعاصي ويقيك من النار ، ( لأن من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) ، فقوله : (( لعلكم تتقون )) أي : لأجل التقوى وهذه هي الحكمة من إيجاب الصوم ، ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) : لأن الله لم يرد أن يعذب العباد بترك ما يشتهون ويألفون ، ولكنه أراد أن يدعوا قول الزور والعمل به والجهل . ثم قال : (( أياماً معدودات )) : ذكرها على وجه التقليل ليبين أن المسألة ليست شهورًا ولا سنوات ، ولكنها أيام ، وليست طويلة أيامًا معدودات ، (( فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر )) : وهذا أيضا تسهيل آخر أولاً : الأيام قليلة أيام معدودة ، وثانيا : أن من كان يشق عليه الصوم أو سافر فإنه يفطر وعليه عدة من أيام أخر : (( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه )) : وهم مقيمون ، (( فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم )) : هذا في أول الأمر ، أول الأمر أول ما فرض الله الصوم قال للذين يطيقونه عليكم فدية طعام مسكين ، فإن تصدقتم فهو خير ، وأن تصوموا خير لكم ، فخير الله الناس في أول الأمر بين أن يصوم الإنسان أو يطعم عن كل يوم مسكين ، ثم تعين الصيام في الآية التي بعدها : (( وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون )) أي : إن كنتم من ذوي العلم الذين يفهمون ، ووجه ذلك أن الصوم أشق على كثير من الناس من إطعام مسكين ، فلما كان أشق عُلم أنه أفضل ، لأن الإنسان إذا عمل عبادة شاقة بأمر الله كان أجرها أعظم ، ومن ثَم كان الأبعد من المسجد أعظم أجرا من الأدنى من المسجد لأنه أكثر عملا ، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب المشقة في العبادات التي يسرها الله ، هذا من التنطع في الدين ، لكن إذا كلفك الله بعبادة وشقت عليك صار هذا أعظم ، أما أن تطلب المشقة كما يفعل بعض الجهال في أيام الشتاء مثلا : يذهب يتوضأ بالماء البارد ، يقول : لأن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع به الدرجات ويمحو به الخطايا ، نقول : يا أخي ما هذا أراد الرسول ، أراد الرسول أن الإنسان إذا توضأ بماء بارد في أيام الشتاء كان أعظم أجرا ولكنه لم يقل : اقصد الماء البارد ، فإذا منَّ الله عليك بماء ساخن تستطيع أن تسبغ الوضوء فيه إسباغا كاملا فهذا أفضل ، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الآيات ، والله أعلم .
تتمة باب وجوب صوم رمضان وبيان فضل الصيام وما يتعلق به: قال الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم )) إلى قوله تعالى: (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر )).
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم : سبق الكلام على هذه الآية الكريمة : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ )) . وقسم العلماء -رحمهم الله- المرض إلى ثلاثة أقسام : قسم مرض لا يرجى بُرؤه بل هو مستمر ، فهذا لا صيام على المريض ، ولكن عليه أن يطعن عن كل يوم مسكينا ، لأنه من جنس الكبير العاجز عن الصوم ، الذي لا يرجى زوال عجزه . والثاني : المريض مرضًا يضره الصوم ، ويُخشى عليه أن يتلف به كمريض لا يصبر عن الماء ، مثل بعض أنواع مرض السكري أو ما أشبه ذلك ، فهذا يحرم عليه الصوم لقول الله تعالى : (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا )) . والقسم الثالث : مرض يشق معه الصوم لكن لا ضرر فيه ، فهنا الأفضل أن يفطر ولا يصوم ويقضي بعد ذلك ، وأما المرض الذي لا يؤثر فيه الصيام شيئًا كمرض العين اليسير ، ومرض السن وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز فيه الفطر ، لأن الحكمة من الرخصة هو إزالة المشقة ، وهذا لا مشقة عليه إطلاقا ، فلا يحل له الفطر ، والأصل وجوب الصوم في وقته إلا بدليل بين واضح يبيح للإنسان أن يفطر ثم يقضي بعد ذلك . وأما السفر فإن السفر ينقسم فيه الصوم أيضا إلى ثلاثة أقسام : قسم يضره الصوم ويشق عليه مشقة شديدة بسبب سفره ، مثل أن يسافر في أيام الحر والأيام الطويلة ، ويُعلم أنه لو صام لتضرر به وشق عليه مشقة غير محتملة ، فهذا يكون عاصيا إذا صام ، والدليل لذلك ( أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام ، وهو في سفر فدعا بماء وشربه والناس ينظرون إليه ) : حتى لا يكون في صدورهم حرج إذا أفطروا وكان ذلك بعد العصر- ، ولكن بعض الصحابة رضي الله عنهم بقوا على صومهم فجيء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالوا وقيل له : ( إن بعض الناس قد صام فقال : أولئك العصاة أولئك العصاة ) : فوصفهم بالعصيان ، لأنهم لم يقبلوا رخصة الله مع مشقة ذلك عليهم مشقة شديدة . والقسم الثاني : من يشق عليه مشقة لكنها محتملة ، فهذا يكره له الصوم ، وليس من البر أن يصوم ، ودليل ذلك : ( أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في سفر فرأى زِحامًا ورجلا قد ظلل عليه فقال : ما هذا ؟ قالوا : صائم قال : ليس من البر الصيام في السفر ) . والقسم الثالث : من لا يتأثر بالسفر إطلاقا ، يعني هو صائم ولا يتأثر ، لأن النهار قصير والوقت بارد ولا يهمه ، فهذا اختلف العلماء أيهما أفضل أن يفطر أو يصوم أو يُخير ؟ والصحيح أن الأفضل أن يصوم ، لأن ذلك أشد اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولأنه أيسر على المكلف ، فإن الصيام مع الناس أيسر من القضاء كما هو معروف ، ولأنه أسرع في المبادرة إلى إبراء الذمة ، ولأنه يصادف الزمن الذي يكون الصوم فيه أفضل وهو شهر رمضان ، فمن أجل هذه الوجوه الأربعة صار الصوم أفضل . قال أبو الدرداء رضي الله عنه : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في حرٍ شديد ، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ، وكان الصيام في السفر ، وأكثرنا ظِلا صاحب الكساء ، وما فينا صائم إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعبد الله بن رواحة ) : هذا حكم الصوم في السفر ، والسفر عامٌّ فيمن يسافر للعمرة ، أو يسافر لغير ذلك ، وفيمن سفره دائم وسفره عارض ، وعلى هذا فأهل التكاسي وأهل سيارات الحمولة يفطرون ولو كان سفرهم مستمرًا ، لأن لهم وَطنًا يأوون إليه ، فإذا فارقوا هذا الوطن فهم مسافرون . فإذا قال قائل : متى يصومون ؟ قلنا : يصومون في أيام الشتاء أيسر لهم وأسهل ، أو إذا قدموا إلى بلدهم في رمضان يلزمهم الصوم ، لأنه زال عنهم السفر ، والله الموفق .
شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جنة؛ فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه ). متفق عليه. وهذا لفظ رواية البخاري. وفي رواية له: ( يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها ). وفي رواية لمسلم: ( كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به: يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك ).
القارئ : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين : قال -رحمه الله تعالى- : " باب وجوب صوم رمضان : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به . والصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم . والذي نفس محمد بيده لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح ، وإذا لقي ربه فرح بصومه ) متفق عليه ، وهذا لفظ رواية البخاري . وفي رواية له : ( يتركُ طعامه وشرابه وشهوته مِن أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها ) . وفي رواية لمسلم : ( كل عمل ابن آدم يضاعف : الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف . قال الله تعالى : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به : يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان : فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه . ولخُلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك ) " . الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم : هذا الحديث حديث أبي هريرة نقله المؤلف -رحمه الله- في باب وجوب الصوم في *رياض الصالحين * بعد أن ذكر الآيات ، وذكر فيه فوائد : أولاً : أن الله سبحانه وتعالى جعل الصوم له ، وعمل ابن آدم الثاني يعني غير الصوم لابن آدم يقول الله تعالى : ( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي ) : والمعنى أن الصيام يختصه الله سبحانه وتعالى من بين سائر الأعمال ، لأنه أي الصيام أعظم العبادات إخلاصا فإنه سر بين الإنسان وبين ربه لأن الإنسان لا يعلم إذا كان صائما أو مفطرا هو مع الناس يذهب ويأتي ويخرج ويدخل ولا يعلم به ، نيته باطنة ، فلذلك كان أعظم إخلاصا فاختصه الله من بين سائر الأعمال . قال بعض العلماء : " ومعناه أن الله سبحانه وتعالى إذا كان يوم القيامة وكان على الإنسان مظالم للعباد فإنه يؤخذ للعباد من حسناته إلا الصيام ، فإنه لا يؤخذ منه شيء ، لأنه لله عز وجل وليس للإنسان " : وهذا معنى جيد أن الصيام يتوفر أجره لصاحبه ولا يؤخذ منه لمظالم الخلق شيئا . ومنها : أن العمل عمل ابن آدم يزجى به الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم ، فإنه يُعطى أجره بغير حساب ، يعني أنه يضاعف أضعافا كثيرة كثيرة ، قال أهل العلم : " وذلك لأن الصوم اشتمل على أنواع الصبر الثلاثة : ففيه صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على أقدار الله " : أما الصبر على طاعة الله ، فلأن الإنسان يحمل نفسه على الصيام مع كراهيته له أحيانا ، يكرهه لمشقته لا لأن الله فرضه ، لو كره الإنسان الصوم لأن الله فرضه لحبط علمه ، لكنه كرهه لمشقته ومع ذلك يحمل نفسه عليه فيصبر عن الطعام والشراب والنكاح لله عز وجل ، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي : ( يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) . النوع الثاني من أنواع الصبر : الصبر عن معصية الله ، وهذا حاصل للصائم ، فإنه يصبر نفسه عن معصية الله عز وجل : فيتجنب اللغو والرفث والجهل والزور وغير ذلك من محارم الله . الثالث : الصبر على أقدار الله ، وذلك أن الإنسان يصيبه حال الصوم ولاسيما في أيام الصيف الطويلة الحارة ، يصيبه من الكسل والملل والعطش ما يتألم منه ويتأذى به ، ولكنه صابر لأن ذلك في مرضاة الله . فلما اشتمل على أنواع الصبر الثلاث كان أجره بغير حساب ، قال الله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) . ومنها ، من الفوائد التي اشتمل عليها هذا الحديث : أن للصائم فرحتين : الفرحة الأولى : عند فطره ، إذا أفطر فرح بفطره ، فرح بفطره من وجهين : الوجه الأول : أنه أدى فريضة من فرائض الله ، وأنعم الله بها عليه ، وكم من إنسان في المقابر يتمنى أن يصوم يوماً واحدا فلا يحصل له ، وهذا قد منَّ الله عليه بالصوم فصام فهذه نعمة ، كم من إنسان شرع في الصوم ولم يتمه فإذا أفطر فرح لأنه أدى فريضة من فرائض الله . ويفرح أيضا فرحا آخر : وهو أن الله أحل له ما يوافق طبيعته من المآكل والمشارب والمناكح بعد أن كان ممنوعًا منها ، فهاتان فرحتان بالفطر : الأولى : أن الله منَّ عليه بإتمام هذه الفريضة ، والثانية : أن الله منَّ عليه بما أحل له من محبوباته من طعام وشراب ونكاح . ومن فوائد هذا الحديث : الإشارة إلى فوائد الصوم ، إلى الحكمة من فرض الصوم ، حيث قال : ( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ) يعني لا يقول قولاً يأثم به ، ولا يصخب فيتكلم بكلام صَخَب ، بل يكون وقورا مطمئنا متأنياً ، فإن سابَّه أحد أو شاتمه فلا يرفع صوته عليه فليقل : إني صائم ، يقول ذلك لئلا يتعالى عليه الذي سابَّه ، كأنه يقول : أنا لست عاجزا عن أن أقابلك بما سببتني به ، ولكني صائم يمنعني صومي من الرد عليك . وعلى هذا فيقوله جهرا . كذلك أيضا إذا قال : إني صائم ، يردع نفسه عن مقابلة هذا الذي سابَّه ، كأنه يقول لنفسه : إني صائم فلا تردي على هذا الذي سب ، وهذا أيضا معنى جليل عظيم ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى من من الدنيا ما يعجبه وخاف أن تتعلق نفسه بذلك قال : ( لبيك إن العيش عيش الآخرة ) : النفس مجبولة على محبة ما تميل إليه وشهواتها ، فإذا رأى ما يعجبه من الدنيا فليقل : لبيك : يعني إجابة لك يا رب ، إن العيش عيش الآخرة : وأما عيش الدنيا فإنه زائل وفاني ، فهذه من فوائد الصوم نقلها المؤلف -رحمه الله تعالى- مما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم . وفي هذا الحديث نوعان من أنواع الحديث : ألفاظ قدسية مِن كلام الله عز وجل ، التي رواها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه . وألفاظ نبوية مِن عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والله أعلم . القارئ : بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين : نقل المؤلف -رحمه الله تعالى- في ساق الأحاديث في باب وجوب صوم رمضان : " عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أنفق زوجين في سبيل الله نُودي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومَن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة . قال أبو بكر رضي الله عنه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! ما على مَن دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم ، وأرجو أن تكون منهم ) متفق عليه " .