تتمة باب فضل السماحة في البيع والشراء : قال الله تعالى: (( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم )). وقال تعالى: (( ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم )) وقال تعالى: (( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين )).
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
قال رحمه الله تعالى: " باب فضل السماحة في البيع والشراء، قال الله تعالى: (( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم )) وقال تعالى: (( ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم )) وقال تعالى: (( ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين )) "
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم .
قال المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين: " باب فضل السماحة في البيع والشراء " البيع والشراء أمران ضروريان لا تقوم حياة بني آدم إلا بهما غالبًا، وذلك لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء عند غيره فكيف يتوصل إليه إن استجداه وقال هبه لي أذلّ نفسه وإن استعاره بقي في قلق وإن أخذه غصبًا ظلمه، فكان من حكمة الله عز وجل أن شرع البيع والشراء لأني أنا يمكن أحتاج دراهم فأبيع ما عندي وأنت تحتاج هذا الشيء المعين عندي فتشتريه بالدراهم، فكان البيع أمرًا ضروريًّا لحاجة بني آدم، ولكن من الناس من يبيع بالعدل ومن الناس من يبيع بالظلم ومن الناس من يبيع بالإحسان، الناس ثلاثة أقسام، قسم يبيع بالعدل لا يظلم ولا يظلم كما قال تعالى في الذين يتعاملون بالربا: (( إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون )) وقسم يبيع بالجور والظلم كالغشاش والكذاب وما أشبه ذلك، وقسم يبيع بالفضل والإحسان فيكون سمحًا في البيع وفي الشراء إن باع لم يطلب حقه وافيًا بل ينزل من الثمن ويمهل في القضاء، وإن اشترى لا يهمه أن يزيد عليه الثمن ويبادر بالوفاء فيكون محسنًا، وقد استدل المؤلف رحمه الله على فضل السماحة في البيع والشراء بآيات منها قوله تعالى: (( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم )) وكلمة من خير نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الخيرات من أي جهة، وهي أيضًا مؤكد عمومًا بمن (( من خير )) يعني: أي خير يكون تفعلونه فإن الله به عليم، يعني: لا يخفى عليكم ولا يفوته عز وجل وسيجازيكم على هذا أفضل مما عملتم، لأن الله تعالى يجازي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والمراد بالآية الكريمة المراد بذلك الحث على فعل الخير وأن يعلم الفاعل أنه لن يضيع عليه شيء من فعله فإن الله به عليم وسيجازيه عليه عز وجل أفضل الجزاء ومن الخير السماحة في البيع والشراء، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم للمتسامحين في البيع والشراء فقال: ( رحم الله امرءًا سمحًا إذا باع سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى ) فالإنسان كلما كان أسمح في بيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره ورهنه وارتهانه وغير ذلك فإنه أفضل، وقال الله تعالى عن شعيب أنه قال لقومه: (( يا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم )) أوفوا المكيال يعني: ما تبيعونه كيلًا والميزان ما تبيعونه وزنًا أوفوه ولا تنقصوا منه شيئًا، وهذا دليل على أن الوفاء في العقود مما جاءت به الشرائع السماوية السابقة واللاحقة، وقال تعالى: (( ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون )) ويل كلمة وعيد يتوعد الله عز وجل المطففين الذين هذه صفتهم (( إذا اكتالوا على الناس يستوفون )) يعني: إذا كان الحق لهم واكتالوا فإنهم يستوفون حقهم كاملًا (( وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون )) يعني: إذا كان الحق عليهم وكالوا لهم أو وزنوا لهم يخسرون أي يبخسون الكيل والميزان فيظلمون من الوجهين، أو يطلبون العدل فيما يتعاملون به ويبخسون فيما يعاملون الناس به وهذا هو المطفف، وهذه الآية وإن كانت قد وردت في المكيال والميزان إلا أنها عامة حتى الموظف إذا كان يريد أن يعطى راتبه كاملًا لكنه يتأخر في الحضور أو يتقدم في الخروج فإنه من المطففين الذين توعدهم الله بالويل، لأنه لا فرق بين إنسان يكيل أو يزن للناس وبين إنسان موظف عليه أن يحضر في الساعة الفلانية ولا يخرج إلا في الساعة الفلانية ثم يتأخر في الحضور ويتقدم في الخروج هذا مطفف، وهذا المطفف في الوظيفة لو نقص من راتبه ريال واحد من عشرة آلاف لطالب ليش تنقص هذا مطفف فيدخل في هذا الوعيد، (( ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون )) ثم قال تعالى منكرًا عليهم: (( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم )) يعني هل هؤلاء نسوا يوم الحساب نسوا يوم القيامة الذي ما أقرب منه فالإنسان في هذه الدنيا ليس معه ضمان أن يعيش ولا لحظة واحدة يموت الإنسان وهو يتغدى أو يتعشى يموت وهو نائم يموت وهو على مكتبه يموت وهو ذاهب في حاجته أو راجع منها ثم يأتي اليوم العظيم (( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم )) استعظمه الله عز وجل بيّن أنه عظيم فيدل على عظمه وقد وصف الله هذا اليوم في آيات كثيرة كلها تزعج وتروع وتخوف هؤلاء سوف يتعرضون لعقوبة الله في ذلك اليوم، هؤلاء المطففون سيتعرضون لعقوبة الله في ذلك اليوم (( يوم يقوم الناس لرب العالمين )) يقوم الناس كلهم لرب العالمين من في مشارق الأرض ومغاربها يبعثون على صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، الداعي يسمعهم كلهم لأن الأرض مبسوطة ما هي كروية يغيب بعض الناس فيها عن بعض بل هي سطح واحد إذا تكلم أحد في أولهم سمعه آخرهم وينفذهم البصر يراهم الرائي، بخلاف في الدنيا الأرض منعطفة كروية لكن في الآخرة الأرض سطح واحد كما قال الله تبارك وتعالى: (( وإذا الأرض مدت * وألقت ما فيها وتخلت )) تمد كما يمد الجلد الأديم، هذا اليوم العظيم يقوم الناس فيه لله عز وجل للحساب والمعاقبة ومقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة، والشمس من فوقهم بقدر ميل ولا شجر يستظلون به ولا بناء ولا شيء إلا من يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، فهذا يسلم فهذا اليوم العظيم سيجد هؤلاء المطففون عقوبتهم في ذلك اليوم، ولا فيه ولد ينفع ولا أب ولا أم ولا زوجة ولا أحد (( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه )) فليحذر هؤلاء المطففون وليتقوا الله عز وجل، يؤدوا الحق كاملًا وإن زادوا الفضل فهو أفضل، ولهم أن يأخذوا حقهم كاملًا وإن تسامح فهو أفضل، والله الموفق.
1 - تتمة باب فضل السماحة في البيع والشراء : قال الله تعالى: (( وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم )). وقال تعالى: (( ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم )) وقال تعالى: (( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين )). أستمع حفظ
شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ) ثم قال: ( أعطوه سنا مثل سنه ) قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سنه، قال: ( أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء ). متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى ). رواه البخاري. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر أو يضع عنه ). رواه مسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
قال رحمه الله تعالى: " باب فضل السماحة في البيع والشراء، عن أبي هريرة رضي الله عنه ( أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ له فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، ثم قال: أعطوه سنًّا مثل سنه، قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سنه، قال: أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء ) متفق عليه، وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ) رواه البخاري، وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه ) رواه مسلم ".
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم .
هذه الأحاديث ذكرها المؤلف النووي رحمه الله في باب فضل السماحة في البيع والشراء، وسبق الكلام على الآيات التي صدّر بها المؤلف هذا الباب، أما الأحاديث فمنها حديث أبي هريرة أن أعرابيًّا جاء يتقاضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حقه يتقاضاه يعني يطلب أن يقضيه النبي صلى الله عليه وسلم حقه، وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام استقرض بكرًا يعني ناقة صغيرة فجاء صاحبها يطلبها يقول أعطني بكري، والأعراب كما نعلم عندهم جفاء فأغلظ للرسول عليه الصلاة والسلام القول، فهمّ به الصحابة يعني هموا به أن يضربوه أو يسكتوه أو ما أشبه ذلك، فقال: ( دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا ) صلوات الله وسلامه عليه ما ظنكم لو تكلم مثل هذا الأعرابي على جندي من الجنود ماذا يفعل به؟ أجيبوا يبطش به أو على أمير من الأمراء أو على قاضٍ من القضاة أو على وزير من الوزراء لو جاء يطلب حقه ولو بسهولة ربما يفتك به إلا من شاء الله، هذا يغلظ القول لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: ( دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا ) ومن هنا نعرف أن الإنسان إذا كان عليه حق لشخص وكان الشخص جاء يطلبه فلصاحب الحق أن يغلظ له القول لأنه صاحب حق، والرسول عليه الصلاة والسلام سيوفيه لاشك، لكن قد لا يكون عنده تلك الساعة شيء ولهذا أمرهم بقضاء بكره، فقالوا: " إنا لا نجد إلا سنًّا خيرًا من سنه " وفي رواية قالوا: " لا نجد إلا رباعيًّا خيارًا " والرباع أحسن بكثير من البكر، البكر صغير والرباعية كبيرة تتحمل الحمل والأسفار وغير ذلك فأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعطوه إياه وقال: ( إن خيركم أحسنكم قضاء ) أحسنكم قضاء في صفة القضاء وفي معاملة المستقضي الذي يطلب حقه، فينبغي للإنسان أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حسن القضاء لا في معاملة المستقضي الذي يطلب حقه أي لا يعامله بالجفاء والسب والشتم بل باللين، لأن له حقًّا ومقالًا ولا في المقضي يعني يقضي أحسن مما عليه سواء كان أحسن مما عليه كيفية أو أكثر مما يطلب، فمثلًا إذا استقرضت من شخص مئة ريال وعند الوفاء أعطيته مئة وعشرة بدون شرط فإن هذا لا بأس به وهو من خير القضاء، وكذلك لو استقرضت منه صاعًا من الطعام وسطًا ليس بالطيب ولا بالرديء فأعطيته صاعًا طيبًا فهذا أيضًا من حسن القضاء وخير الناس أحسنهم قضاء، وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ( رحم الله امرءًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى ) وكذلك سمحًا إذا قضى، وقوله عليه الصلاة والسلام ( رحم الله امرءا ) أو قال: ( رجلًا ) هذا خبر بمعنى الدعاء يعني يدعو له بالرحمة إذا كان سمحًا في هذه المواضع الأربعة، سمحًا إذا باع لا يتكرر مع المشتري ويكون سهلًا يواضعه ويضع عنه، سمحًا إذا قضى إذا قضى غيره كان سمحًا يعطيه في وقته ولا يماطل، كذلك سمحًا إذا اشترى، وكذلك سمحًا إذا اقتضى إذا أخذ حقه، فهذه الأحوال الأربع ينبغي الإنسان أن يكون سمحًا فيها حتى ينال دعاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويأتي الكلام إن شاء الله على بقية الأحاديث.
2 - شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( دعوه فإن لصاحب الحق مقالا ) ثم قال: ( أعطوه سنا مثل سنه ) قالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل من سنه، قال: ( أعطوه فإن خيركم أحسنكم قضاء ). متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى ). رواه البخاري. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر أو يضع عنه ). رواه مسلم. أستمع حفظ
شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( كان رجل يداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه ). متفق عليه. وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه ). رواه مسلم. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أتي الله تعالى بعبد من عباده آتاه الله مالا، فقال له: ماذا عملت في الدنيا ؟ قال: - ولا يكتمون الله حديثا - قال: يا رب آتيتني مالك، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أتيسر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال تعالى: أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي. فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهما: هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
نقل المؤلف رحمه الله تعالى في سياق الأحاديث في باب فضل السماحة في البيع والشراء: " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كان رجل يداين الناس وكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فلقي الله فتجاوز عنه ) متفق عليه، وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرًا وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر، قال الله عز وجل نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه ) رواه مسلم، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: ( أتى الله تعالى بعبد من عباده آتاه الله مالًا فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ولا يكتمون الله حديثًا، قال: يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر، فقال الله تعالى: أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي، فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهما: هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ) رواه مسلم ".
الشيخ : هذه الأحاديث الثلاثة في باب السماحة في البيع والشراء وفيها فضل العفو عن الناس والتجاوز عنهم، ففي الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كان رجل يداين الناس ) يعني: يتعامل معهم بالدَّين، والدَّين ليس هو المعروف عندنا التورق يعني أن تشتري سلعة لتبيعها وتنتفع بثمنها، الدَّين كل ما ثبت في الذمة فهو دين حتى لو بعت على شخص سيارة بثمن غير مؤجل ولم يسلمك الثمن فالثمن في ذمته دَين، لو أنك استأجرت بيتًا وتمت المدة ولم تسلمه الأجرة فالأجرة في ذمتك دَين، المهم أن المداينة أن يعامل الناس ليس نقدًا يعني يدًا بيد بل يبيع عليهم ويشتري منهم ويعفو عن المعسر، فكان يقول لغلامه: " إذا رأيت معسرًا فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا " فكان الغلام يفعل هذا فلقي الله عز وجل فجازاه الله عز وجل بمثل ما يجازي به الناس، يعني بمثل ما يفعل هذا الرجل في الناس عامله الله عز وجل فتجاوز عنه، وذلك لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ولأن الجزاء من جنس العمل، ففي هذا الحديث حديث أبي هريرة والحديثين بعده دليل على فضيلة إنظار المعسر والتجاوز عنه وإبرائه، واعلم أن هذا لا ينقصك شيئًا من المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما نقصت صدقة من مال ) بل هذا يجعل في مالك البركة والخير والزيادة والنماء، وأما إنظار المعسر فإنه واجب يجب على الإنسان إذا كان صاحبه معسرًا لا يستطيع الوفاء يجب عليه أن ينذره ولا يحل له أن يطلبه أو يطالبه لقول الله تعالى: (( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة )) فهناك فرق بين الإبراء وهو إسقاط الدين عن المعسر وبين الإنظار الإنظار واجب والإبراء سنة، ولاشك أن الإبراء أفضل لأن الإبراء تبرأ به الذمة نهائيًّا والإنظار تبقى الذمة مشغولة، لكن صاحب الحق لا يطالب به حتى يستطيع المطلوب أن يوفي وبعض الناس نسأل الله العافية تحل لهم الديون على أناس فقراء فيؤذونهم ويطلبونهم ويطالبونهم ويرفعون بهم إلى ولاة الأمور ويحبسونهم عن أهليهم وأولادهم وأموالهم، وهذا لاشك أنه منكر والواجب على القضاة إذا عملوا أن هذا معسر لا يستطيع الوفاء الواجب عليهم أن يقولوا للدائن ليس لك حق في مطالبته، لأن الله تعالى هو الحكم وهو الحاكم بين العباد وقد قال الله تعالى: (( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة )) لكن يتعلل بعض القضاة في هذه المسألة يقول إن بعض المدينين يتلاعبون بالناس فيأخذون الأموال ويجحدون الإيسار فيعاملونهم بهذا تنكيلًا بهم، وهذا نعم إذا ثبت أن هذا ادعى الإعسار المدين وليس بمعسر فإنه لا بأس أن يجبر ويحبس ويضرب حتى يوفي، فإن لم يفعل فإن الحاكم يتولى بيع ما شاء من ماله ويوفي دينه، أما الذي نعلم أنه معسر حقيقة فإنه لا يجوز لطالبه أن يطالبه ولا أن يقول أعطني يجب أن يعرض عنه بالكلية فنظرة إلى ميسرة، والله الموفق.
3 - شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( كان رجل يداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه ). متفق عليه. وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر. قال الله عز وجل: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه ). رواه مسلم. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أتي الله تعالى بعبد من عباده آتاه الله مالا، فقال له: ماذا عملت في الدنيا ؟ قال: - ولا يكتمون الله حديثا - قال: يا رب آتيتني مالك، فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أتيسر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال تعالى: أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي. فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهما: هكذا سمعناه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. أستمع حفظ
شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أنظر معسرا، أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه بعيرا بوقيتين ودرهم أو درهمين، فوزن له، فأرجح. متفق عليه. وعن سويد بن قيس رضي الله عنه قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر، فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فساومنا بسراويل، وعندي وزان يزن بالأجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان: ( زن وأرجح ). رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
نقل المؤلف رحمه الله تعالى في سياق الأحاديث في باب فضل السماحة في البيع والشراء " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وعن جابر رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه بعيرًا فوزن له فأرجح ) متفق عليه، وعن سويد بن قيس رضي الله عنه قال: ( جلبت أنا ومخرمة العبدي بزًّا من هجر فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فساومنا سراويل وعندنا وزان يزن بالأجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان: زن وأرجح ) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح ".
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم .
هذه بقية الأحاديث الواردة في فضل السماحة في البيع والشراء والقضاء والاقتضاء، وقد سبق أحاديث كثيرة حول هذا الموضوع، والأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله وردت فيمن أنظر معسرًا أو وضع عنه فإن الله تعالى يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، أنظره يعني أمهله حتى يوسر الله عليه وهذا أمر واجب كما سبقت الإشارة إليه، فإن وضع عنه فهو أفضل وأكمل لأنه إذا وضع عنه أبرأ ذمته، وأما إذا أنظره فإنما أمهله وبقيت ذمته أي ذمة المطلوب مشغولة لم تنفك، ثم ذكر حديثين أيضًا فيهما ذكر الوزن والإرجاح، حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه فوزن وأرجح يعني أرجح الوزن لأنهم كانوا فيما سبق يتعاملون بالنقود وزنًا لا عددًا وإن كانوا يتعاملون بها أيضًا عددًا، لكن الكثير وزنًا كما جاء في الحديث: ( ليس فيما دون خمس أواقٍ صدقة ) فوزن له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأرجح يعني زاده أكثر مما يستحق، وهكذا ينبغي الإنسان عند الوفاء أو يوفي كاملًا بدون نقص وإذا زاد فهو أفضل، والله الموفق.
4 - شرح حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أنظر معسرا، أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه بعيرا بوقيتين ودرهم أو درهمين، فوزن له، فأرجح. متفق عليه. وعن سويد بن قيس رضي الله عنه قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر، فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فساومنا بسراويل، وعندي وزان يزن بالأجر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان: ( زن وأرجح ). رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. أستمع حفظ
كتاب العلم: باب فضل العلم تعلما وتعليما لله: قال الله تعالى: (( وقل رب زدني علما )) وقال تعالى: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) وقال تعالى: (( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )) وقال تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء )).
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
قال رحمه الله تعالى: " كتاب العلم باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا لله، قال الله تعالى: (( وقل رب زدني علمًا )) وقال تعالى: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) وقال تعالى: (( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )) وقال تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء )) ".
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم .
قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين: " باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا لله عز وجل " والمراد بالعلم الذي وردت به النصوص في فضله والثواب عليه ورفعة أهله وكونهم ورثة الأنبياء إنما هو علم الشريعة عقيدة وعملًا، وليس علم ما يتعلق بالدنيا كالحساب والهندسة وما أشبه ذلك، المراد بالعلم العلم الشرعي الذي جاءت به الشرائع هذا هو العلم الذي يثنى على من أدركه وعلى من علمه وتعلمه، والعلم جهاد جهاد في سبيل الله وهو عديل له في كتاب الله وعليه يبنى الجهاد وسائر الإسلام، لأن من لا يعلم لا يمكن أن يعمل على الوجه المطلوب، ولهذا قال الله تعالى: (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )) يعني: لولا نفر في الجهاد من المؤمنين من كل فرقة منهم طائفة يعني وقعدت طائفة أخرى ليتفقهوا أي الطائفة القاعدون في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم أي من الغزو لعلهم يحذرون، فجعل الله تعالى الفقه في دين الله معادلًا للجهاد في سبيل الله بل هو أولى منه لأنه لا يمكن أن يجاهد المجاهد ولا أن يصلي المصلي ولا أن يزكي المزكي ولا أن يصوم الصائم ولا أن يحج الحاج ولا أن يعتمر المعتمر ولا أن يأكل الآكل ولا أن يشرب الشارب ولا أن ينام النائم ولا أن يستيقظ المستيقظ إلا بالعلم، فالعلم هو أصل كل شيء ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) ولا فرق بين المجاهد الذي يسوي قذذ قوسه وبين طالب العلم الذي يستخرج المسائل العلمية من بطون الكتب، كل منهم يعمل للجهاد في سبيل الله وبيان شريعة الله لعباد الله، ولهذا أعقب المؤلف رحمه الله باب الجهاد بباب العلم ليبين أنه مثله، بل إن بعض العلماء فضله على الجهاد في سبيل الله، والصحيح أن في ذلك تفصيلًا، فمن الناس من يكون الجهاد في حقه أفضل، ومن الناس من يكون طلب العلم في حقه أفضل، وإذا كان الرجل قويًّا شجاعًا مقدامًا لكنه في العلم بضاعته مزجاة قليل الحفظ قليل الفهم يصعب عليه تلقي العلم فهنا نقول الجهاد في حقه أفضل، وإذا كان بالعكس رجل ليس عنده تلك القوة البدنية أو الشجاعة القلبية لكنه عنده حفظًا وفهمًا واجتهادًا فهذا طلب العلم في حقه أفضل، فإن تساوى الأمران فإن من أهل العلم من رجح طلب العلم لأنه الأصل ولأنه ينتفع به الناس كلهم القاصي والداني، وينتفع به من كان حيًّا ومن يولد بعد وينتفع به صاحبه في حياته وبعد مماته كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) وجميع الناس محتاجون للعلم الأنبياء وغير الأنبياء، كلهم محتاجون للعلم ولهذا أمر الله نبيه أن يقول: (( وقل رب زدني علمًا )) (( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا )) فالرسل محتاجون إلى العلم والزيادة فيه وإلى سؤال الله عز وجل أن يزيدهم فمن دون الأنبياء من باب أولى، فجدير بالعبد أن يسأل الله دائمًا أن يزيده من العلم، ولكن إذا سأل الله أن يزيده من العلم فلابد أن يسعى في الأسباب التي يحصّل بها العلم، أما أن يقول: (( وقل رب زدني علمًا )) وهو لم يفعل الأسباب فهذا ليس من الحكمة ولا من الصواب، هذا كمن قال اللهم ارزقني ولدًا ولا يتزوج، من أين يأتيك الولد؟ فلابد إذا سألت الله شيئًا أن تسعى بأسبابه التي يحصل بها لأن الله حكيم قرن المسببات بأسبابها، وهي هذه الآية: (( وقل رب زدني علمًا )) دليل على فضل العلم لم يقل الله لنبيه وقل رب زدني مالًا، بل قال له: (( وقل رب زدني علمًا )) وقال له في الدنيا: (( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق خير وأبقى )) اسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى الله على بصيرة.
5 - كتاب العلم: باب فضل العلم تعلما وتعليما لله: قال الله تعالى: (( وقل رب زدني علما )) وقال تعالى: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) وقال تعالى: (( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )) وقال تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء )). أستمع حفظ
تتمة باب فضل العلم تعلما وتعليما لله: قال الله تعالى: (( وقل رب زدني علما )) وقال تعالى: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) وقال تعالى: (( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )) وقال تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء )).
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
قال رحمه الله تعالى: " باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا لله، قال الله تعالى: (( وقل رب زدني علمًا )) وقال تعالى: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) وقال تعالى: (( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )) وقال تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماء )) ".
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم .
قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين: " باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا لله، وقد سبق لنا شيء من الكلام على العلم وبيان أن العلم الممدوح الذي فيه الثواب هو العلم في شريعة الله عز وجل وما كان وسيلة لذلك، كعلم النحو الصرف وما إليهما فإنه وسيلة، وقد قال العلماء: " إن للوسائل أحكام المقاصد " والعلم الشرعي ينقسم إلى قسمين، قسم فرض عين يجب على كل إنسان أن يتعلم، وقسم آخر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن بقية الناس، وقسم ثالث يتفرع عن الثاني سنة وهو ما إذا قام بالعلم من يكفي فيكون للباقين سنة، أما العلم الفرض العين الذي يجب على كل إنسان فهو أن يتعلم الإنسان ما يحتاج إليه في أمور دينه الواجبة، كأن يتعلم ما يتعلق بتوحيد الله وبيان ما ينافيه ويناقضه من الشرك كله جليه وخفيه صغيره وكبيره، لأن هذا مفروض على كل أحد كل إنسان يجب عليه أن يعرف توحيد الله ويوحد الله تعالى بما يختص به جل وعلا، كذلك أيضًا الصلاة، الصلاة مفروضة على كل أحد لا تسقط عن المسلم أبدًا ما دام عقله ثابتًا فلابد أن يتعلمها ويتعلم ما يلزم لها من طهارة وغيرها حتى يعبد الله على بصيرة، الزكاة لا يجب تعلمها على كل أحد من عنده مال وجب عليه أن يتعلم ما هو المال الزكوي وما مقدار النصاب وما مقدار الواجب ومن الذي تؤتى إليه الزكاة وما أشبه ذلك، لكن لا يجب على كل واحد أن يتعلم الزكاة إذا كان فقيرًا فلماذا نوجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة وهو ليس عنده مال؟ الصوم يجب تعلمه على كل أحد يجب أن يعلم الإنسان ماذا يصوم عنه؟ وما هي المفطرات؟ وما هي نواقض الصوم؟ وما هو منقصاته؟ وما أشبه ذلك، كل إنسان يصوم يجب عليه أن يتعلم ذلك، الحج لا يجب على كل أحد أن يتعلمه وإنما يجب أن يتعلمه من استطاع إليه سبيلًا حتى يحج على بصيرة، ومع الأسف أن كثيرًا من الناس لا يتعلمون ما يجب عليهم من أحكام دينهم فيقعون في متاعب ولاسيما في الحج، وما أكثر الذين يسألون عن الحج وتجدهم قد وقعوا في خلل كبير لأنهم لم يتعلموا قبل أن يعملوا، البيع مثلًا أحكام البيع لا يجب على كل إنسان أن يتعلم أحكام البيع، لكن من أراد أن يتجر ويبيع ويشتري لابد أن يتعلم ما هو البيع الممنوع وما هو البيع المشروع حتى يكون على بصيرة من أمره وهلم جرًّا، فتبين الآن أن العلم الشرعي ينقسم إلى قسمين، الأول فرض عين، والثاني فرض كفاية، وفرض الكفاية يستحب لمن زاد على من تقوم به الكفاية أن يتعلم ليحفظ شريعة الله ويهدي الله به عباده وينتفع الناس به، ولا شيء أشرف من العلم ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علمًا )) ربنا عز وجل يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: (( قل رب زدني علمًا )) الرسول عليه الصلاة والسلام محتاج إلى زيادة العلم فدل ذلك على فضيلة العلم، لأن الله لم يقل له وقل رب زدني مالًا، زدني زوجات، زدني أولادًا، بل قال له: (( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى )) ومما يدل على فضل العلم قول الله تبارك وتعالى: (( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) يعني: قل للناس قولًا عامًّا (( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )) والجواب مفهوم أنه إيش لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا أمر منتفٍ بمقتضى طبيعة الإنسان وفطرته أنه لا يستوي الإنسان الذي يعلم والذي لا يعلم، لكن الله سبحانه وتعالى ذكره على صيغة الاستفهام ليكون متضمنًا للتحدي ليكون هذا النفي متضمنًا التحدي، يعني هات لي أحد يقول إنه يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا أحد يقول بذلك، ولا يمكن أن يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون أبدًا حتى في أمور الدنيا لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وقال الله تعالى: (( يرفع الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )) هذا أيضًا يدل على فضيلة العلم (( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا )) يعني قوموا وارتفعوا (( فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )) فإذا دخل إنسان والمجلس مكتظ بالجالسين وقال: تفسحوا فليفسحوا له يفسح الله لكم، يعني يوسع لكم الأمور لأنكم وسعتم على هذا الداخل فيوسع الله عليكم، لأن الجزاء من جنس العمل فمن عامل أخاه بشيء عامله الله تعالى بمثله، إن أيسرت على معسر يسر الله عليه، إن فرجت عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، إن أعنت أحدًا كان الله في عونك والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ولهذا قال: (( افسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا )) يعني: إذا قيل قوموا قوموا، وفي هذا دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يقول للجماعة الذين عنده انشزوا اخرجوا بارك الله فيكم انتهى شغلكم ولا حياء في ذلك، لا حياء في هذا ولا غضاضة على الإنسان حتى الجلوس لا ينبغي لهم أن يكونوا ثقلاء لا يقومون إلا إذا قيل قوموا، ينبغي للإنسان أن يخفف الجلوس عند الناس ما استطاع، إلا إذا علم من صاحبه أنه يحب أن تبقى عنده فلا بأس وإلا.