سلسلة لقاء الباب المفتوح-046a
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
سلسلة لقاء الباب المفتوح
تفسير سورة الطارق من قوله تعالى:" والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع " إلى آخر السورة .
الشيخ : الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أمّا بعد:
فإنّ هذا هو اللّقاء الأوّل لشهر رجب عام أربعة عشر وأربعمائة وألف، وهو اللقاء الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعاً بما علمنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصالحين مصلحين.
الطالب : آمين.
الشيخ : عادتنا أن نبدأ هذا اللّقاء بتفسير آيات من كتاب الله، وقد ابتدأنا من سورة النّبأ، وها نحن الآن في آخر سورة الطّارق.
قال الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر الإقسام بالسماء والطارق إلى قوله: (( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ )) .
قال تعالى: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ )) هذا هو القسم الثّاني بالسّماء، والقسم الأوّل ما كان في أوّل السّورة فهناك قال: (( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ ))، وهنا قال: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ* إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ )):
والمناسبة بين القسمين والله أعلم أنّ الأوّل فيه إشارة إلى الطّارق الذي هو النّجم، والنّجم كما نعلم تُرمى به الشياطين الذين يسترقون السّمع، وفي رمي الشّياطين بذلك حفظ لكتاب الله عز وجل، أمّا هنا فأقسم بالسّماء ذات الرّجع أنّ هذا القرآن قول فصل، فأقسم على أنّ هذا القرآن قول فصل، فصار القَسَم الأوّل مناسبته أنّ فيه الإشارة إلى ما يحفظ به هذا القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثّاني: الإشارة إلى أنّ القرآن حياة، لأنّه قال: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ )): والرّجع هو المطر، يسمّى رجعاً لأنه يرجع ويتكرّر، ومعلوم أنّ المطر به حياة الأرض.
(( وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ )) الصّدع هو الانشقاق، يعني التّشقّق لخروج النّبات منها، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النّبات، وبالتّشقّق الذي يخرج منه النّبات، وكلّه إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها كما قال الله تبارك وتعالى: (( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا )): فسمّى الله القرآن روحاً ، لأنّه تحيا به القلوب.
يقول عزّ وجلّ: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ )) أي: ذات المطر.
(( وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ )) أي: ذات الانشقاق لخروج النّبات منها.
(( إِنّه )) أي: القرآن.
(( لَقول فصل )) فوصفه الله بأنّه قول، قول مَن؟
قول الله عزّ وجلّ، فهو الذي تكلّم به وألقاه إلى جبريل، ثمّ نزل به جبريل على قلب النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وقد أضاف الله القرآن قولًا إلى جبريل، وإلى محمّد -عليهما الصّلاة والسّلام- فقال تعالى في الأوّل: (( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ )) .
وقال في الثّاني إضافته إلى الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: (( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ )):
ففي الأوّل أضاف القول إلى جبريل لأنّه بلّغه عن الله إلى محمّد صلّى الله عليه وسلم.
وفي الثّاني أضافه إلى محمّد لأنّه بلّغه إلى النّاس، وإلا فإنّ الذي قاله ابتداءً هو الله سبحانه وتعالى.
(( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ )) فصل: يفصل بين الحق والباطل، وبين المتّقين والظّالمين، بل إنّه فصلٌ، أي: قاطع لكل من ناوأه وعاداه، ولهذا نجد المسلمين لما كانوا يجاهدون الكفّار بالقرآن نجدهم غلبوا الكفّار وقطعوا دابرهم، وقُضي بينهم وبينهم، فلمَّا أعرضوا عن القرآن هُزموا وأذلّوا بقدر بعدهم عن القرآن، فكلما ابتعد الإنسان عن كتاب الله ابتعدت عنه العزة، وابتعد عنه النّصر، حتى يرجع إلى كتاب الله عزّ وجلّ.
قال: (( وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ )) أي: وما هو باللّعب والعبث واللّغو، بل هو حقّ، كلماته كلها حقّ، أخباره صدق، وأحكامه عَدل، وتلاوته أَجر، لو تلاه الإنسان كلَّ أوانه لم يملّ منه، وإذا تلاه بتدبّر وتفكّر فتح الله عليه من المعاني ما لم يكن عنده من قبل، وهذا شيء مشاهد، اقرأ القرآن وتدبّره، كلّما قرأته وتدبّرته حصل لك من معانيه ما لم يكن يحصل لك من قبل، كلّ هذا لأنّه فصل وليس بالهزل.
لكن الكلام اللّغو من كلام النّاس كلّما كرّرته مججته وكرهته ومللته، أما كتاب الله فلا.
ثم قال تعالى: (( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً )) : إنّهم يعني: الكفّار المكذّبين للرّسول صلى الله عليه وعلى آله وسلّم.
(( يَكِيدُونَ كَيْداً )) أي: كيدًا عظيمًا، يكيدون للرّسول عليه الصّلاة والسّلام، يكيدون لمن اتّبعه.
وانظر ماذا كانوا يفعلون بالمؤمنين أيّام كانوا بـمكّة من التعذيب والتّوبيخ والتّشريد، هاجر المسلمون مرّتين إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة، كل ذلك فراراً بدينهم من هؤلاء المجرمين، الذين آذوهم بكل كيد.
وأعظم ما فعلوا بالنبي عليه الصّلاة والسّلام حين الهجرة، حيث اجتمع رؤساؤهم وأشرافهم يتشاورون ماذا يفعلون بمحمّد صلّى الله عليه وسلم؟ فكلّما ذكروا رأيا نقضوه، وقالوا هذا لا يصلح، حتى أشار إليهم فيما ذكر التاريخ الشّيطان الذي جاء في صورة رجل، وقال لهم: " إني أرى أن تختاروا عشرة شبان من قبائل متفرّقة، وتعطوا كلّ واحد منهم سيفًا، حتّى يقتلوا محمدًا قتلة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتصّ من القبائل كلها، فيرضخون إلى أخذ الدية "، وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي، واستحسنوا هذا الرأي، وفعلا جلس الشّبّان العشرة ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ليقتلوه، ولكن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج من الباب وهم جلوس ولم يشاهدوه، وذكر التاريخ أنه جعل يذر التراب على رؤوسهم إذلالاً لهم ويقرأ قول الله تعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )).
ولا تتعجّبوا كيف خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من بينهم ولم يشاهدوه، لا تتعجبوا من هذا، فهاهم قريش حين اختبأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم في الغار لما خرج من مكّة يريد المدينة اختبأ في الغار ثلاثة أيام ليَخفَّ عنه الطّلب، لأنّ قريشًا صارت تطلبه، وجعلت لمن جاء به مائة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مائتي بعير، وهذه جائزة كبيرة، فوقفوا على الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وكلّنا يعلم أنّ الغار المفتوح إذا كان فيه أحد فسوف يُرى، ولكنّهم لم يروا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا أبا بكر رضي الله عنه، فقال: ( يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، فقال: لا تحزن إنّ الله معنا، فما ظنّك باثنين الله ثالثهما )، فاطمأن أبو بكر.
هؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم قصور في السّمع، ولا قصور في البصر، ولا قصور في الذّكاء، ولكن أعمى الله أبصارهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صاحبه، فلا تعجب أن خرج من بين هؤلاء الشّبّان العشرة كما قال أهل التّاريخ وجعل يذرّ التّراب على رؤوسهم ويقول: (( وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )).
هنا يقول عز وجل في سورة الطارق: (( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ))، واتْلُ قول الله تعالى في سورة الأنفال: (( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ )) يعني: يحبسوك.
(( أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )).
ثمّ قال عزّ وجلّ: (( فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً )): مهِّل وأمهل معناهما واحد، يعني: انتظر بمهلة، ولا تنتظر بمهلة طويلة: (( أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً )) أي: قليلاً.
ورويدًا تصغير رَوْد أو إِرْوَاد، والمراد به الشيء القليل، وفي هذه الآية تهديد لقريش وتسلية للرّسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ووعد له بالنّصر، وحصل الأمر كما أخبر الله عزّ وجلّ.
خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مهاجراً منهم، وحصل بينه وبينهم حروب، وفي السّنة الثّانية للهجرة قتل من صناديد قريش وكبرائهم وزعمائهم نحو أربعة وعشرين رجلا، منهم قائدهم أبو جهل، وبعد ثماني سنوات، بل أقلّ من ثمان سنوات دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا منصورًا ظافرًا، حتّى إنّه قال كما جاء في التّاريخ: قال وهو ممسك بعضادتي باب الكعبة، وقريش تحته قال لهم: ( ما ترون أني فاعل بكم؟ ): لأن أمرهم أصبح بيده عليه الصلاة والسلام. ( قالوا: أخ كريم! وابن أخ كريم! فقال: إني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: (( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين )) اذهبوا فأنتم الطّلقاء ) ، وإنمّا منَّ عليهم هذه المنّة عليه الصّلاة والسّلام لأنّهم أسلموا، وقد قال الله تعالى: (( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ )).
هذا هو آخر هذه السّورة من كتاب الله عزّ وجلّ، وإنّي في نهايتها أحثّكم على تدبّر القرآن وتفهّم معانيه، خذوا معناه من أفواه العلماء الموثوقين، أو من كتب التفسير الموثوقة كـتفسير ابن كثير، أو تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وما أشبههما من التفاسير التي تعرفون أصحابها أنهم موثوقون في عقيدتهم وفي آرائهم.
نسأل الله أن يجعلنا جميعا ممّن يتلون كتابه حقّ تلاوته، وأن ينفعنا به، وأن يجعله شفيعا لنا يوم القيامة، إنّه على كل شيء قدير، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أمّا الآن فإلى الأسئلة ونبدأ باليمين، والقاعدة عندنا أنّ كلّ واحد يأخذ سؤالا واحدًا حتى لا يحرم الباقون من السّؤال.
أمّا بعد:
فإنّ هذا هو اللّقاء الأوّل لشهر رجب عام أربعة عشر وأربعمائة وألف، وهو اللقاء الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعاً بما علمنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصالحين مصلحين.
الطالب : آمين.
الشيخ : عادتنا أن نبدأ هذا اللّقاء بتفسير آيات من كتاب الله، وقد ابتدأنا من سورة النّبأ، وها نحن الآن في آخر سورة الطّارق.
قال الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر الإقسام بالسماء والطارق إلى قوله: (( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ )) .
قال تعالى: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ )) هذا هو القسم الثّاني بالسّماء، والقسم الأوّل ما كان في أوّل السّورة فهناك قال: (( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ ))، وهنا قال: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ* إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ )):
والمناسبة بين القسمين والله أعلم أنّ الأوّل فيه إشارة إلى الطّارق الذي هو النّجم، والنّجم كما نعلم تُرمى به الشياطين الذين يسترقون السّمع، وفي رمي الشّياطين بذلك حفظ لكتاب الله عز وجل، أمّا هنا فأقسم بالسّماء ذات الرّجع أنّ هذا القرآن قول فصل، فأقسم على أنّ هذا القرآن قول فصل، فصار القَسَم الأوّل مناسبته أنّ فيه الإشارة إلى ما يحفظ به هذا القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثّاني: الإشارة إلى أنّ القرآن حياة، لأنّه قال: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ )): والرّجع هو المطر، يسمّى رجعاً لأنه يرجع ويتكرّر، ومعلوم أنّ المطر به حياة الأرض.
(( وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ )) الصّدع هو الانشقاق، يعني التّشقّق لخروج النّبات منها، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النّبات، وبالتّشقّق الذي يخرج منه النّبات، وكلّه إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها كما قال الله تبارك وتعالى: (( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا )): فسمّى الله القرآن روحاً ، لأنّه تحيا به القلوب.
يقول عزّ وجلّ: (( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ )) أي: ذات المطر.
(( وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ )) أي: ذات الانشقاق لخروج النّبات منها.
(( إِنّه )) أي: القرآن.
(( لَقول فصل )) فوصفه الله بأنّه قول، قول مَن؟
قول الله عزّ وجلّ، فهو الذي تكلّم به وألقاه إلى جبريل، ثمّ نزل به جبريل على قلب النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وقد أضاف الله القرآن قولًا إلى جبريل، وإلى محمّد -عليهما الصّلاة والسّلام- فقال تعالى في الأوّل: (( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ )) .
وقال في الثّاني إضافته إلى الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: (( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ )):
ففي الأوّل أضاف القول إلى جبريل لأنّه بلّغه عن الله إلى محمّد صلّى الله عليه وسلم.
وفي الثّاني أضافه إلى محمّد لأنّه بلّغه إلى النّاس، وإلا فإنّ الذي قاله ابتداءً هو الله سبحانه وتعالى.
(( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ )) فصل: يفصل بين الحق والباطل، وبين المتّقين والظّالمين، بل إنّه فصلٌ، أي: قاطع لكل من ناوأه وعاداه، ولهذا نجد المسلمين لما كانوا يجاهدون الكفّار بالقرآن نجدهم غلبوا الكفّار وقطعوا دابرهم، وقُضي بينهم وبينهم، فلمَّا أعرضوا عن القرآن هُزموا وأذلّوا بقدر بعدهم عن القرآن، فكلما ابتعد الإنسان عن كتاب الله ابتعدت عنه العزة، وابتعد عنه النّصر، حتى يرجع إلى كتاب الله عزّ وجلّ.
قال: (( وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ )) أي: وما هو باللّعب والعبث واللّغو، بل هو حقّ، كلماته كلها حقّ، أخباره صدق، وأحكامه عَدل، وتلاوته أَجر، لو تلاه الإنسان كلَّ أوانه لم يملّ منه، وإذا تلاه بتدبّر وتفكّر فتح الله عليه من المعاني ما لم يكن عنده من قبل، وهذا شيء مشاهد، اقرأ القرآن وتدبّره، كلّما قرأته وتدبّرته حصل لك من معانيه ما لم يكن يحصل لك من قبل، كلّ هذا لأنّه فصل وليس بالهزل.
لكن الكلام اللّغو من كلام النّاس كلّما كرّرته مججته وكرهته ومللته، أما كتاب الله فلا.
ثم قال تعالى: (( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً )) : إنّهم يعني: الكفّار المكذّبين للرّسول صلى الله عليه وعلى آله وسلّم.
(( يَكِيدُونَ كَيْداً )) أي: كيدًا عظيمًا، يكيدون للرّسول عليه الصّلاة والسّلام، يكيدون لمن اتّبعه.
وانظر ماذا كانوا يفعلون بالمؤمنين أيّام كانوا بـمكّة من التعذيب والتّوبيخ والتّشريد، هاجر المسلمون مرّتين إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة، كل ذلك فراراً بدينهم من هؤلاء المجرمين، الذين آذوهم بكل كيد.
وأعظم ما فعلوا بالنبي عليه الصّلاة والسّلام حين الهجرة، حيث اجتمع رؤساؤهم وأشرافهم يتشاورون ماذا يفعلون بمحمّد صلّى الله عليه وسلم؟ فكلّما ذكروا رأيا نقضوه، وقالوا هذا لا يصلح، حتى أشار إليهم فيما ذكر التاريخ الشّيطان الذي جاء في صورة رجل، وقال لهم: " إني أرى أن تختاروا عشرة شبان من قبائل متفرّقة، وتعطوا كلّ واحد منهم سيفًا، حتّى يقتلوا محمدًا قتلة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتصّ من القبائل كلها، فيرضخون إلى أخذ الدية "، وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي، واستحسنوا هذا الرأي، وفعلا جلس الشّبّان العشرة ينتظرون خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ليقتلوه، ولكن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج من الباب وهم جلوس ولم يشاهدوه، وذكر التاريخ أنه جعل يذر التراب على رؤوسهم إذلالاً لهم ويقرأ قول الله تعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )).
ولا تتعجّبوا كيف خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من بينهم ولم يشاهدوه، لا تتعجبوا من هذا، فهاهم قريش حين اختبأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم في الغار لما خرج من مكّة يريد المدينة اختبأ في الغار ثلاثة أيام ليَخفَّ عنه الطّلب، لأنّ قريشًا صارت تطلبه، وجعلت لمن جاء به مائة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مائتي بعير، وهذه جائزة كبيرة، فوقفوا على الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وكلّنا يعلم أنّ الغار المفتوح إذا كان فيه أحد فسوف يُرى، ولكنّهم لم يروا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا أبا بكر رضي الله عنه، فقال: ( يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، فقال: لا تحزن إنّ الله معنا، فما ظنّك باثنين الله ثالثهما )، فاطمأن أبو بكر.
هؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم قصور في السّمع، ولا قصور في البصر، ولا قصور في الذّكاء، ولكن أعمى الله أبصارهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صاحبه، فلا تعجب أن خرج من بين هؤلاء الشّبّان العشرة كما قال أهل التّاريخ وجعل يذرّ التّراب على رؤوسهم ويقول: (( وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )).
هنا يقول عز وجل في سورة الطارق: (( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ))، واتْلُ قول الله تعالى في سورة الأنفال: (( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ )) يعني: يحبسوك.
(( أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )).
ثمّ قال عزّ وجلّ: (( فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً )): مهِّل وأمهل معناهما واحد، يعني: انتظر بمهلة، ولا تنتظر بمهلة طويلة: (( أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً )) أي: قليلاً.
ورويدًا تصغير رَوْد أو إِرْوَاد، والمراد به الشيء القليل، وفي هذه الآية تهديد لقريش وتسلية للرّسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ووعد له بالنّصر، وحصل الأمر كما أخبر الله عزّ وجلّ.
خرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مهاجراً منهم، وحصل بينه وبينهم حروب، وفي السّنة الثّانية للهجرة قتل من صناديد قريش وكبرائهم وزعمائهم نحو أربعة وعشرين رجلا، منهم قائدهم أبو جهل، وبعد ثماني سنوات، بل أقلّ من ثمان سنوات دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا منصورًا ظافرًا، حتّى إنّه قال كما جاء في التّاريخ: قال وهو ممسك بعضادتي باب الكعبة، وقريش تحته قال لهم: ( ما ترون أني فاعل بكم؟ ): لأن أمرهم أصبح بيده عليه الصلاة والسلام. ( قالوا: أخ كريم! وابن أخ كريم! فقال: إني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: (( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين )) اذهبوا فأنتم الطّلقاء ) ، وإنمّا منَّ عليهم هذه المنّة عليه الصّلاة والسّلام لأنّهم أسلموا، وقد قال الله تعالى: (( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ )).
هذا هو آخر هذه السّورة من كتاب الله عزّ وجلّ، وإنّي في نهايتها أحثّكم على تدبّر القرآن وتفهّم معانيه، خذوا معناه من أفواه العلماء الموثوقين، أو من كتب التفسير الموثوقة كـتفسير ابن كثير، أو تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وما أشبههما من التفاسير التي تعرفون أصحابها أنهم موثوقون في عقيدتهم وفي آرائهم.
نسأل الله أن يجعلنا جميعا ممّن يتلون كتابه حقّ تلاوته، وأن ينفعنا به، وأن يجعله شفيعا لنا يوم القيامة، إنّه على كل شيء قدير، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أمّا الآن فإلى الأسئلة ونبدأ باليمين، والقاعدة عندنا أنّ كلّ واحد يأخذ سؤالا واحدًا حتى لا يحرم الباقون من السّؤال.
1 - تفسير سورة الطارق من قوله تعالى:" والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع " إلى آخر السورة . أستمع حفظ
كيف يفعل من فاتته صلاة الإستسقاء أوالعيدين أو ركعة منها هل يقضي التكبيرات ؟
السائل : بسم الله الرّحمن الرّحيم .
بالنسبة يا فضيلة الشّيخ لصلاة الاستسقاء والعيدين إذا فاتت الإنسان هل يقضيها أم لا؟ وإذا فاتته ركعة فهل يقضي التّكبيرات أم لا؟
الشيخ : نعم.
السائل : وبالنسبة للأئمّة الذين لا يطلبون من المأمومين تسوية الصّفوف كقول استووا، تقاربوا، فما رأي فضيلتكم؟
الشيخ : أوّلا: هذه مناسبة طيّبة، أعني: هذا السّؤال، لأنّه صادف اليوم الذي أقمنا فيه صلاة الاستسقاء، والاستسقاء كما نعلم هو طلب السّقيا، وطلب السّقيا يكون على أوجه كثيرة، قد تستسقي وأنت في السّجود، وقد تستسقي وأنت في مجلس بين أصحابك، وقد يستسقي خطيب يوم الجمعة، وقد يخرج الناس إلى مصلّى العيد ليصلّوا صلاة الاستسقاء، وصفة صلاة الاستسقاء كصلاة العيد.
أما الخطبة فإنها خطبة واحدة، وليست كخطبة العيد، فالعيد فيه خطبتان، على المشهور عند أهل العلم، وقيل: خطبة واحدة أعني: العيد، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة السالمة من التضعيف: أن خطبة العيد خطبة واحدة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخطب الرجال أولاً ثم ينزل إلى النساء فيعظهن.
أمّا الاستسقاء فهو خطبة واحدة، حتى على قول من يرى أن صلاة العيد لها خطبتان فهي خطبة واحدة، إمّا قبل الصلاة وإمّا بعد الصّلاة، فالأمر كلّه جائز، لو أن الإمام حين حضر إلى المصلّى فاستقبل القبلة ودعا وأمّن النّاس على ذلك لكان كافياً، وإن أخّر الخطبة إلى ما بعد الصّلاة فهو أيضًا كاف وجائز، فالأمر في هذا واسع.
وإنّما قلت ذلك، لئلاّ يستنكر أحد ما قد يفعله بعض الأئمّة من الخطبة والدّعاء في صلاة الاستسقاء قبل الصّلاة، فإنّ من فعل ذلك لا ينكر عليه لأنّه قد فعل سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم.
أمّا إذا فاتت الإنسان صلاة الاستسقاء فأنا لا أعلم في هذا سنّة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، لكن لو صلّى ودعا فلا بأس.
وأما صلاة العيد فإنّها لا تقضى إذا فاتت، لأنّها صلاة شرعت على وجه معيّن، وهو حضور النّاس واجتماعهم على إمام واحد، فإذا فاتت فإنّها لا تقضى، كذلك صلاة الجمعة فإنها إذا فاتت لا تقضى أيضًا، لكن يصلي بدلها ظهرا لأنّ هذا وقت الظهر، فإن لم يتمكن من الجمعة صلّى الظهر، أمّا العيد فلم يرد عن النبي عليه الصّلاة والسّلام عنها بدل، فإذا فاتتك مع الإمام فقد فاتتك، ولا يشرع لك قضاؤها.
وأمّا بالنّسبة للتّكبيرات فإنّك إذا دخلت مع الإمام في الرّكعة الأولى بعد انتهاء التكبيرات فإنك لا تعيدها لأنّها سنة فات محلّها، فإذا فات محلها سقطت.
أمّا الرّكعة الثانية فسوف تكبّر مع الإمام، وأمّا إذا فاتتك الركعة الأولى ولم تدخل مع الإمام إلا في الرّكعة الثانية فمن المعلوم أنك سوف تكبر التكبيرات التي يكبرها الإمام أو ما بقي منها، وإذا قمت إلى قضاء ما فاتك فإنّك تكبر في الرّكعة التي تقضيها، نعم.
بالنسبة يا فضيلة الشّيخ لصلاة الاستسقاء والعيدين إذا فاتت الإنسان هل يقضيها أم لا؟ وإذا فاتته ركعة فهل يقضي التّكبيرات أم لا؟
الشيخ : نعم.
السائل : وبالنسبة للأئمّة الذين لا يطلبون من المأمومين تسوية الصّفوف كقول استووا، تقاربوا، فما رأي فضيلتكم؟
الشيخ : أوّلا: هذه مناسبة طيّبة، أعني: هذا السّؤال، لأنّه صادف اليوم الذي أقمنا فيه صلاة الاستسقاء، والاستسقاء كما نعلم هو طلب السّقيا، وطلب السّقيا يكون على أوجه كثيرة، قد تستسقي وأنت في السّجود، وقد تستسقي وأنت في مجلس بين أصحابك، وقد يستسقي خطيب يوم الجمعة، وقد يخرج الناس إلى مصلّى العيد ليصلّوا صلاة الاستسقاء، وصفة صلاة الاستسقاء كصلاة العيد.
أما الخطبة فإنها خطبة واحدة، وليست كخطبة العيد، فالعيد فيه خطبتان، على المشهور عند أهل العلم، وقيل: خطبة واحدة أعني: العيد، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة السالمة من التضعيف: أن خطبة العيد خطبة واحدة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخطب الرجال أولاً ثم ينزل إلى النساء فيعظهن.
أمّا الاستسقاء فهو خطبة واحدة، حتى على قول من يرى أن صلاة العيد لها خطبتان فهي خطبة واحدة، إمّا قبل الصلاة وإمّا بعد الصّلاة، فالأمر كلّه جائز، لو أن الإمام حين حضر إلى المصلّى فاستقبل القبلة ودعا وأمّن النّاس على ذلك لكان كافياً، وإن أخّر الخطبة إلى ما بعد الصّلاة فهو أيضًا كاف وجائز، فالأمر في هذا واسع.
وإنّما قلت ذلك، لئلاّ يستنكر أحد ما قد يفعله بعض الأئمّة من الخطبة والدّعاء في صلاة الاستسقاء قبل الصّلاة، فإنّ من فعل ذلك لا ينكر عليه لأنّه قد فعل سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم.
أمّا إذا فاتت الإنسان صلاة الاستسقاء فأنا لا أعلم في هذا سنّة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، لكن لو صلّى ودعا فلا بأس.
وأما صلاة العيد فإنّها لا تقضى إذا فاتت، لأنّها صلاة شرعت على وجه معيّن، وهو حضور النّاس واجتماعهم على إمام واحد، فإذا فاتت فإنّها لا تقضى، كذلك صلاة الجمعة فإنها إذا فاتت لا تقضى أيضًا، لكن يصلي بدلها ظهرا لأنّ هذا وقت الظهر، فإن لم يتمكن من الجمعة صلّى الظهر، أمّا العيد فلم يرد عن النبي عليه الصّلاة والسّلام عنها بدل، فإذا فاتتك مع الإمام فقد فاتتك، ولا يشرع لك قضاؤها.
وأمّا بالنّسبة للتّكبيرات فإنّك إذا دخلت مع الإمام في الرّكعة الأولى بعد انتهاء التكبيرات فإنك لا تعيدها لأنّها سنة فات محلّها، فإذا فات محلها سقطت.
أمّا الرّكعة الثانية فسوف تكبّر مع الإمام، وأمّا إذا فاتتك الركعة الأولى ولم تدخل مع الإمام إلا في الرّكعة الثانية فمن المعلوم أنك سوف تكبر التكبيرات التي يكبرها الإمام أو ما بقي منها، وإذا قمت إلى قضاء ما فاتك فإنّك تكبر في الرّكعة التي تقضيها، نعم.
ما رأيك في الأئمة الذين لا يطلبون تسوية الصفوف بقولهم استووا.؟
السائل : بالنّسبة لطلب الإمام من المأمومين تسوية الصّفوف؟
الشيخ : نعم، أمّا طلب الأئمّة تسوية الصّفوف في صلاة العيد وفي صلاة الاستسقاء فإنّه مشروع كغيرهما من الصّلوات، وذلك لأنّ النّاس إذا لم ينبّهوا على هذا ربّما يغفلون عنه، فكلّ صلاة يشرع فيها الجماعة فإنّه يشرع للإمام إذا كان الناس صفوفاً أن ينبهّهم وأن يقول: استووا، اعتدلوا، وأمّا قول بعض الأئمّة: استقيموا، فإنّ هذه لا أصل له، ولم ترد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، وقد بحثت عنها وسألت بعض الإخوان أن يبحثوا عنها، فلم يجدوا لها أصلا عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يقول بدل أقيموا صفوفكم، استقيموا، ولا وجه لقوله: استقيموا، لأنّ المراد بقوله استقيموا يعني على دين الله، وليس هذا محلّه، لأنّ هذا محلّ أمر الناس بإقامة الصّفوف، ولهذا لم يرد عن النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أنّه كان يقول عند تسوية الصّفوف استقيموا، بل يقول: أقيموا صفوفكم، سوّوا صفوفكم وما أشبه ذلك، نعم.
الشيخ : نعم، أمّا طلب الأئمّة تسوية الصّفوف في صلاة العيد وفي صلاة الاستسقاء فإنّه مشروع كغيرهما من الصّلوات، وذلك لأنّ النّاس إذا لم ينبّهوا على هذا ربّما يغفلون عنه، فكلّ صلاة يشرع فيها الجماعة فإنّه يشرع للإمام إذا كان الناس صفوفاً أن ينبهّهم وأن يقول: استووا، اعتدلوا، وأمّا قول بعض الأئمّة: استقيموا، فإنّ هذه لا أصل له، ولم ترد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، وقد بحثت عنها وسألت بعض الإخوان أن يبحثوا عنها، فلم يجدوا لها أصلا عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه كان يقول بدل أقيموا صفوفكم، استقيموا، ولا وجه لقوله: استقيموا، لأنّ المراد بقوله استقيموا يعني على دين الله، وليس هذا محلّه، لأنّ هذا محلّ أمر الناس بإقامة الصّفوف، ولهذا لم يرد عن النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أنّه كان يقول عند تسوية الصّفوف استقيموا، بل يقول: أقيموا صفوفكم، سوّوا صفوفكم وما أشبه ذلك، نعم.
ما حكم استفتاء أكثر من عالم في مسألة واحدة ؟ وما العمل إذا تعارضت الفتاوى هل يأخذ بالأيسر والأحوط.؟
السائل : بسم الله الرّحمن الرّحيم .
هل يجوز استفتاء أكثر من عالم، وفي حالة اختلاف الفتيا هل يأخذ المستفتي بالأيسر أم بالأحوط، وجزاكم الله خيراً؟
الشيخ : لا يجوز للإنسان إذا استفتى عالماً واثقاً بقوله أن يستفتي غيره، لأنّ هذا يؤدّي إلى التّلاعب بدين الله، وتتبّع الرّخص، بحيث يسأل فلاناً فإن لم يناسبه سأل الثاني، وإن لم يناسبه سأل الثالث وهكذا، وقد قال العلماء: " من تتبّع الرّخص فسق " .
لكن أحيانًا يكون الإنسان ليس عنده من العلماء إلا فلان مثلا، فيسأله من باب الضّرورة، وفي نيّته أنه إذا التقى بعالم أوثق منه في علمه ودينه سأله، فهذا لا بأس به أن يسأل الأوّل للضّرورة، ثم إذا وجد من هو أفضل سأله، وإذا اختلف الناس عليه في الفتيا، أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم مثلاً فإنّه يتبع من يراه إلى الحق أقرب لعلمه ودينه، فإن تساوى عنده الرجلان فقال بعض العلماء إنّه يتبع الأحوط وهو الأشد، وقيل: يتبع الأيسر، وهذا هو الصّحيح أنّه إذا تعادلت الفتيا عندك فإنك تتبع الأيسر، لأنّ دين الله عزّ وجلّ مبنيّ على اليسر والسّهولة، لا على الشّدة، وقد قالت عائشة رضي الله عنها في وصف النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: ( إنه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما )، نعم بعده.
هل يجوز استفتاء أكثر من عالم، وفي حالة اختلاف الفتيا هل يأخذ المستفتي بالأيسر أم بالأحوط، وجزاكم الله خيراً؟
الشيخ : لا يجوز للإنسان إذا استفتى عالماً واثقاً بقوله أن يستفتي غيره، لأنّ هذا يؤدّي إلى التّلاعب بدين الله، وتتبّع الرّخص، بحيث يسأل فلاناً فإن لم يناسبه سأل الثاني، وإن لم يناسبه سأل الثالث وهكذا، وقد قال العلماء: " من تتبّع الرّخص فسق " .
لكن أحيانًا يكون الإنسان ليس عنده من العلماء إلا فلان مثلا، فيسأله من باب الضّرورة، وفي نيّته أنه إذا التقى بعالم أوثق منه في علمه ودينه سأله، فهذا لا بأس به أن يسأل الأوّل للضّرورة، ثم إذا وجد من هو أفضل سأله، وإذا اختلف الناس عليه في الفتيا، أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم مثلاً فإنّه يتبع من يراه إلى الحق أقرب لعلمه ودينه، فإن تساوى عنده الرجلان فقال بعض العلماء إنّه يتبع الأحوط وهو الأشد، وقيل: يتبع الأيسر، وهذا هو الصّحيح أنّه إذا تعادلت الفتيا عندك فإنك تتبع الأيسر، لأنّ دين الله عزّ وجلّ مبنيّ على اليسر والسّهولة، لا على الشّدة، وقد قالت عائشة رضي الله عنها في وصف النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: ( إنه ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما )، نعم بعده.
4 - ما حكم استفتاء أكثر من عالم في مسألة واحدة ؟ وما العمل إذا تعارضت الفتاوى هل يأخذ بالأيسر والأحوط.؟ أستمع حفظ
امرأة ابتليت بالوسواس في الطهارة والشعور بعد الوضوء بمدافعة الخبث و تشعر من يأمرها بسب الله وكتابه وغير ذلك .؟
السائل : امرأة ابتلاها الله بالوسواس في الطهارة، والشعور بعد الوضوء بمدافعة الخبث، وفي ذات مرة شعرت بمن يأمرها بسبّ القرآن وسبّ الله فما كان منها إلاّ أن بكت، فكيف علاجها والخلاص من هذا الوسواس؟
الشيخ : والله يا أخي هذا الوسواس مبتلى به كثير من الناس، إذا لم يكن السّؤال الذي يرد علينا بالتليفون مكّررًا من سائل واحد فما أكثر هذا في النّاس ولا حول ولا قوّة إلا بالله، ودواء الوسواس كثرة التعوّذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ولاسيما قراءة المعوّذتين، فإنّه ما استعاذ مستعيذ بمثلهما: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ))، وأوّل ما يدخل في ذلك شرّ الشّيطان، لأنّه من مخلوقات الله، وفي سورة الناس: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ))، فدواء ذلك بكثرة التّعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، واللجوء إلى الله تبارك وتعالى، والعزيمة الصّادقة، بحيث لا يلتفت الإنسان لما يرد على قلبه من الوساوس، مثلا توضّأ مرّة واحدة أو مرّتين أو ثلاثا خلاص يخرج من الحمّام، كبّر للإحرام خلاص، حتى لو شعر الإنسان في نفسه أنّه لم يتوضّأ مثلا، أو أنّه أخلّ بشيء من أعضائه، أو أنه لم ينو فلا يلتفت لهذا الشيء.
وكذلك لو أنّه في صلاته شعر أو وقع في نفسه أنه لم يكبّر للإحرام لا يلتفت لذلك، يمضي في صلاته يكملها.
وكذلك أيضا لو خطر في قلبه ما ذكر من سبّ الله عزّ وجلّ أو سبّ المصحف أو غير ذلك من الكفر فلا يلتفت لهذا ولا يضرّه، حتّى لو فرض أنّه جرى على لسانه هذا الشّيء وهو بغير اختيار فإنّه لا شيء عليه، لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: ( لا طلاق في إغلاق ) وإذا كان طلاق الموسوس لا يقع فهذا أولى بالعفو، ولكن يعرض عن هذا، ولا يهمّه أن يقول له الشّيطان: قل كذا، قل كذا، لا يهمّه، استمر ولا تقول.
فوصيّتي لهذه ولغيرها ممّن ابتلي بذلك الإكثار من الإستعاذة بالله من الشّيطان الرّجيم، ومن قراءة السّورتين العظيمتين: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ))، (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ )) ومن العزيمة الصادقة، يعرض عن هذا كلّه ولا يلتفت، حتى لو قال له الشّيطان أنّ الوضوء ما تمّ وأنّ الصّلاة ما تمّت لا يهمّه، ولو أوقع في قلبه التشكيك في الله، أو ما أشبه ذلك لا يهمّه، لأنّه ما تألّم من هذا الشّكّ إلاّ لإيمانه، غير المؤمن لا يهمّه شكّ أو لم يشكّ، لكن الذي يتألّم من هذه الشّكوك والوساوس يعني أنّه مؤمن، وقد قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام للصّحابة: ( ذلك صريح الإيمان ) يعني: ما يلقيه الشيطان في قلوبكم من مثل هذه الأمور ( صريح الإيمان ) أي: خالص الإيمان، انظر الآن جعله من خالص الإيمان مع أن الشك يرد على القلب، لماذا؟
لأن هذا الذي ورد على قلبه الشك لا يطمئن لهذا الشك ولا يلتفت إليه ويتألم منه ولا يريده، والشّيطان لا يأتي إلا إلى القلوب العامرة حتى يدمرها، فالقلوب الدامرة لا يأتيها، لأنها دامرة، قيل لابن عباس أو لابن مسعود: " إن اليهود يقولون نحن لا نوسوس في صلاتنا، قال: نعم، وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟ "، صحيح خارب خارب، لكن يأتي إلى العامر ليدمّره، فوصيّتي لها وأرجو أن تبلغها أو تشتري الشريط لتسمعه، أن تعرض عن هذا كلّه، وأن لا يقع في قلبها شك، وهي سوف تتألّم أوّل ما تعمل هذا العمل، سوف ترى أنّها صلّت بغير طهارة، أو صلّت بغير تكبيرة الإحرام، أو ما أشبه ذلك، فقل لها: لا يهّمها، تصبر ويزول عنها بإذن الله، والحمد لله هناك أناس شكوا هذه الشكوى، وبُلّغوا بما ينبغي أن يقاوموها به فعافاهم الله منها.
الشيخ : والله يا أخي هذا الوسواس مبتلى به كثير من الناس، إذا لم يكن السّؤال الذي يرد علينا بالتليفون مكّررًا من سائل واحد فما أكثر هذا في النّاس ولا حول ولا قوّة إلا بالله، ودواء الوسواس كثرة التعوّذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ولاسيما قراءة المعوّذتين، فإنّه ما استعاذ مستعيذ بمثلهما: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ))، وأوّل ما يدخل في ذلك شرّ الشّيطان، لأنّه من مخلوقات الله، وفي سورة الناس: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ))، فدواء ذلك بكثرة التّعوّذ بالله من الشيطان الرجيم، واللجوء إلى الله تبارك وتعالى، والعزيمة الصّادقة، بحيث لا يلتفت الإنسان لما يرد على قلبه من الوساوس، مثلا توضّأ مرّة واحدة أو مرّتين أو ثلاثا خلاص يخرج من الحمّام، كبّر للإحرام خلاص، حتى لو شعر الإنسان في نفسه أنّه لم يتوضّأ مثلا، أو أنّه أخلّ بشيء من أعضائه، أو أنه لم ينو فلا يلتفت لهذا الشيء.
وكذلك لو أنّه في صلاته شعر أو وقع في نفسه أنه لم يكبّر للإحرام لا يلتفت لذلك، يمضي في صلاته يكملها.
وكذلك أيضا لو خطر في قلبه ما ذكر من سبّ الله عزّ وجلّ أو سبّ المصحف أو غير ذلك من الكفر فلا يلتفت لهذا ولا يضرّه، حتّى لو فرض أنّه جرى على لسانه هذا الشّيء وهو بغير اختيار فإنّه لا شيء عليه، لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: ( لا طلاق في إغلاق ) وإذا كان طلاق الموسوس لا يقع فهذا أولى بالعفو، ولكن يعرض عن هذا، ولا يهمّه أن يقول له الشّيطان: قل كذا، قل كذا، لا يهمّه، استمر ولا تقول.
فوصيّتي لهذه ولغيرها ممّن ابتلي بذلك الإكثار من الإستعاذة بالله من الشّيطان الرّجيم، ومن قراءة السّورتين العظيمتين: (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ))، (( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ )) ومن العزيمة الصادقة، يعرض عن هذا كلّه ولا يلتفت، حتى لو قال له الشّيطان أنّ الوضوء ما تمّ وأنّ الصّلاة ما تمّت لا يهمّه، ولو أوقع في قلبه التشكيك في الله، أو ما أشبه ذلك لا يهمّه، لأنّه ما تألّم من هذا الشّكّ إلاّ لإيمانه، غير المؤمن لا يهمّه شكّ أو لم يشكّ، لكن الذي يتألّم من هذه الشّكوك والوساوس يعني أنّه مؤمن، وقد قال النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام للصّحابة: ( ذلك صريح الإيمان ) يعني: ما يلقيه الشيطان في قلوبكم من مثل هذه الأمور ( صريح الإيمان ) أي: خالص الإيمان، انظر الآن جعله من خالص الإيمان مع أن الشك يرد على القلب، لماذا؟
لأن هذا الذي ورد على قلبه الشك لا يطمئن لهذا الشك ولا يلتفت إليه ويتألم منه ولا يريده، والشّيطان لا يأتي إلا إلى القلوب العامرة حتى يدمرها، فالقلوب الدامرة لا يأتيها، لأنها دامرة، قيل لابن عباس أو لابن مسعود: " إن اليهود يقولون نحن لا نوسوس في صلاتنا، قال: نعم، وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟ "، صحيح خارب خارب، لكن يأتي إلى العامر ليدمّره، فوصيّتي لها وأرجو أن تبلغها أو تشتري الشريط لتسمعه، أن تعرض عن هذا كلّه، وأن لا يقع في قلبها شك، وهي سوف تتألّم أوّل ما تعمل هذا العمل، سوف ترى أنّها صلّت بغير طهارة، أو صلّت بغير تكبيرة الإحرام، أو ما أشبه ذلك، فقل لها: لا يهّمها، تصبر ويزول عنها بإذن الله، والحمد لله هناك أناس شكوا هذه الشكوى، وبُلّغوا بما ينبغي أن يقاوموها به فعافاهم الله منها.
اضيفت في - 2005-08-27