تفسير سورة النساء-09b
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
تفسير القرآن الكريم
تتمة تفسير الآية : (( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ... )) .
تتمة تفسير الآية الكريمة: (( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما )) .
وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله هو الصحيح أنها خمس رضعات ، وفي الحديث " معلومات " فيفيد لو وقع الشك في عددها هل هي خمس أو أربع فلا عبرة به ، لا عبرة بهذه الرضاعة ، لأن الحديث قيد بماذا ؟ بمعلومات ، ومع الشك لا يثبت الحكم ، وهذا مما يطمئن الإنسان لما يفتي به الإنسان في هذه المسألة لأن كثيرا من الناس يأتي إلي يقول الرضاعة ثابت لكن ما ندري كم الرضاعة ، نقول الحمد لله مادام إن الحديث خمس رضاعات معلومات فإن ما شك فيه ليس معلوما وحينئذ لا يثبت به الحكم . بقي علينا أن ننظر هل يمكن إطلاق القرآن بالسنة ؟ أي نعم يمكن ، يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة كما يخصص عموم القرآن كذلك بالسنة ، وأن نسخ القرآن بالسنة فالصحيح أنه ينسخ القرآن بالسنة إذا صحت ، لأن الكل من عند الله عزوجل قد ينسخ الله قوله بقوله وقد ينسخ الله قوله بقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذا المحرم كم ؟ خمس رضاعات معلومات ، فما هي الخمس أو ما هي الرضع على الأصح ما هي الرضع ؟ خمس رضعات مشبعات ، المشبعات ما في الحديث خمس رضعات مشبعات ؟ خمس رضعات فقال بعضهم: الرضعة المصة ، لقول: ( لا تحرم المصة ولا المصتان ) ومصة هي الرضعة ، ومعلوم أن الطفل إذا مص فقد رضع وأتاه اللبن بمصته ، وعلى هذا يمكن أن تكون الخمس في مجلس واحد وفي نفس واحد أو لا ؟ الطفل يمكن يمص خمس مرات في نفس واحد ؟ يمكن أن يمص خمس مرات والثدي في فمه ، ولكن هذا فيه شيء من الاشتباه ح لأن الإحاطة بهذا صعبة ، وقال بعض العلماء المراد بالرضعة التقام الثدي فمادام الصبي ملتقما بالثدي فهذه رضعة وإذا أطلقه بأي سبب من الأسباب فقد تمت الرضعة سواء أطلقه للتنفس أو لسماع صوت أزعجه أو لملل أمه من الجهة اليمنى وتتحوله إلى اليسرى أو ما أشبه ذلك ، المهم أن الرضعة التقام الثدي فمادام الطفل ملتقما للثدي فهي رضعة ، وإذا أطلقه لأي سبب فقد تمت الرضعة ، وعلى هذا يمكن أن تتم الخمس في مجلس واحد ، هذان القولان ، القول الثالث: أن الرضعة هي فعلة مما يعد رضعة أي وجبة بالرضاع كما تقول أكلة ، كما جاء في الحديث: ( إن الله ليرضى عن العبد يأكل أكلة فيحمد عليه ) هل الحمد كلما أكلت لقمة قلت الحمد لله أو عند الانتهاء ؟ عند الانتهاء ، فيكون الرضعة كالأكلة تماما ، فلابد أن تكون الرضعة الأخرى منفصلة عنها بزمن يعد انفصالا كأن تكون واحدة في الصباح وواحدة في السماء ووحدة في الليل وواحدة في السحر وما أشبه ذلك ، وهذا هو اختيار شيخنا عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله أن المراد بالرضعة ما انفصلت عن أختها انفصالا بينا لتكون رضعة كاملة ، وإذا قدرنا أن الحديث يحتمل المعاني الثلاثة وهي: المصة ، التقام الثدي ، الوجبة من الرضاعة ، فالأصل الحل حتى يقوم دليل بين على أن هذا الرضاع محرم ، وبناء على هذا الأصل يكون الراجح الثالث أو الأول أو الثاني ؟ الثالث وهو الأخير لأن نقول دلالة الحديث على المعنى الأول مشكلة فيها اشتباه ، وعلى المعنى الثاني فيها اشتباه ، وعلى المعنى الثالث تتفق الأقوال ما فيه اشتباه ، وحينئذ نأخذ بهذا لأن الأصل الحل حتى يثبت التحريم بقين ليرفع هذا الأصل ، إذا الآية (( اللاتي أرضعنكم )) مطلق مقيد بالسنة ، خمس رضاعات ، أيضا في الآية إطلاق آخر (( اللاتي أرضعنكم )) ظاهر الآية أنه يشمل الإرضاع في الصغر والإرضاع في الكبر فهل هذا مراد ؟ نقول نعم هذا مراد عند بعض العلماء عند الظاهرية مراد ، أن إرضاع الكبير كإرضاع الصغير واستأنسوا لقولهم بحديث السالم مولى أبي حذيفة حيث كان متضمنا عند أبي حذيفة من أبناءه الذين تبناهم في الجاهلية ، ومعلوم أنه إذا كان ابنا فسوف يدخل على البيت ليلا ونهارا وفي أقصى البيت وأدناه كالولد تماما ، فلما أبطل الله التبني جاءت امرأة أبي حذيفة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت إن سالما كان يدخل عليهم يعني ويشق علينا أن نتحرز منه ، فقال: ( أرضعيه تحرمي عليه ) يعني وإذا حرمت عليه جاز له أن ينظر إليك وأن يخلو بك وهو كبير ، وهذا الحديث مطابق لظاهر الآية فيكون شاهدا للإطلاق ، أعرفتم ؟ وقال بعض العلماء إنه لا يعبر الرضاع إلا إذا كان في الحولين ، لأن قوله: (( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم )) أي إرضاع المعتبر شرعا وقد قال الله تعالى: (( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين )) فما كان في الحولين فهو رضاع معتبر وما كان بعد الحولين فلا عبرة به ، لأن هذا هو زمن الإرضاع الذي قال الله تعالى فيه: (( اللاتي أرضعنكم )) وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن العبرة بالحولين فيما كان قبلهما فهو رضاع معتبر وما كان بعدهما فليس بمعتبر ، قالوا: وهذا حد فاصل لا ي ... ، وعليه فلو أرضعته ثلاث مرات في يوم السبت والرابع في ضحى يوم الأحد والخامس بعد ظهر يوم الأحد لكن كانت ولادته عند زوال الشمس يعني يتم سنتين عند زوال الشمس فهل هذا الرضاع معتبر أو غير معتبر ؟ غير معتبر ، لأن الخامس وقع بعد الحولين فلا يعتبر مع أن الرابعة لم تتهضم بعد ، هي في معدته ولكن تمت السنتان ، كما أن الرجل قبل خمسة عشر سنة غير بالغ وبعدها بالغ يعني لو أن الشخص فعل شيئا يشترط فيه البلوغ ضحى اليوم الذي بلغ فيه فإنه لا يؤاخذ به وآخر النهار يؤاخذ به ، وقال بعض العلماء: المعتبر الفطام ، فما كان قبل الفطام فهو معتبر وما كان بعده فليس بمعتبر لحديث: ( لا رضاع إ لاما أنشز العظم وكان قبل الفطام ) وهذا وإن كان فيه شيء من النظر من حيث الصحة يعني أنه ضعيف ، لكنه يؤيده النظر لأن الإرضاع قبل الفطام يؤثر في نمو الولد وليس له إلا هذا الغذاء وبعد الفطام لا فرق بين الصغير والكبير في تأثير الرضاع ، لأنه إذا فطم وصار لا يأكل إلا الطعام لا فرق بينه وبين من له عشر سنوات ، تأثير الغذاء عنده اللبن كتأثيره عند صاحب عشر سنوات ، وهذا القول ـ أعني الحكم معلق بالفطام ـ اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، أن العبرة بالفطام ، وهذا من حيث المعنى كما سمعتم أصح ، لكن فيه شيء من العسر وذلك لعدم انضباطه لبعض الأحيان ، لأن الطفل ليس يفطم مرة واحدة بل يفطم شيئا فشيئا لصعوبة الفطام عليه . ولو قال قائل: باعتبار الأكثر من الفطام أو السنتين لم يكن هذا القول بعيدا ؟ يعني فإذا فطم قبل السنتين امتد الحكم إلى سنتين ، وإن تمت السنتان قبل فطامه امتد الحكم إلى فطامه ، لو قيل بهذا لكان جيدا لكن تعليقه بالفطام أصح من حيث المعنى ، لأنه إذا فطم لا يتغذى باللبن ، وليس معنى قولنا لا يتغذى منه إنه لا يستفيد منه ، لا الإنسان يستفيد من اللبن لو عمره خمسين سنة ، لو كان له خمسين سنة يستفاد من اللبن ، لكن لا يتغذى به ولا صار غذاء له إذا فطم . فإن قال قائل: ما الجواب عن إطلاق الآية وعن قصة سالم ؟ قلنا: أما إطلاق الآية فقد ذكرنا أنها مقيدة بعدد خمس رضاعات ، فهي تقيد بزمن أيضا وهو الحولين ، ثم إن ظاهر الآية أيضا يؤيد ما اشتراط الفطام لأنه قال: (( اللاتي أرضعنكم )) ومعلوم أن الكبار ليس من المراضيع قد فطموا وانتهوا ، فظاهره أن (( أرضعنكم )) يعني في وقت الرضاعة ، ونرد عليهم بالنسبة لقصة سالم مولى أبي حذيفة بأحد وجهين ، بل بثلاثة أوجه: إما أنها منسوخة ، أو مخصوصة خاصة به عينا ، أو مخصوصة به نوعا ، عرفتم ؟ منسوخة ، أو مخصوصة بعين ، أو مخصوصة به نوعا ، أما القول بأنها منسوخة فهذا ليس بشيء ، لأن الأصل عدم النسخ ولابد من إثبات بالتاريخ وتعذر الجمع ، وأما القول بأنها مخصوصة به عينا فضعيف أيضا ، لأن الله عزوجل لا يمكن أن يخص أحدا بحكم إلا لمعنى فيه حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما خص به من الأحكام إلا لأنه نبي لا لأنه محمد بن عبد الله ، لأنه نبي ، فلابد من علة يتغير بها الحكم ويخصص به من اتصف بها ، وما المعنى الذي يخص به سالم حتى نقول إن الحكم لا يتعداه وأنه خاص به ؟ لأنه لو قلنا إن الحكم لا يتعداه وأن الحكم خاص به صار معناه أنه حكم له بذلك لأنه سالم مولى أبي حذيفة ، وهذا لا معنى له ، وعلى هذا فيضعف هذا القول أيضا أنه خاص به عينا ، بقي أن يكون خاصا به نوعا يعني فإذا يوجد حال مثل حال سالم ثبت الحكم ، ثبت الحكم وهذا لا يمكن الآن ، لا يمكن ، لماذا ؟ لأن ابن التبني بطل ما يمكن ، وعلى هذا فلا يريد علينا أبدا مادمنا قررنا أنه لا أحد يخصص عينا بحكم من شريعة الله لابد أن يكون هناك معنى يتعدى إلى نوعه ، وهذا لا يمكن ، لكن شيخ الإسلام رحمه الله لم يعتبر في بعض كلام له ، كلام الأول يوافق ما قلت إنه لابد مراعاة التبني ، ومعنى القول الثاني يعتبره الحاجة وأنه متى احتيج إلى إرضاع الكبير رضع وثبت حكم الرضاع ، ولكن قوله هذا ضعيف ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إياكم والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو ) من الحمو ؟ أخو الزوج أو عمه أو خاله أو ما أشبه ذلك ، قريبه ( قال الحمو الموت ) ومعلوم أن أخ الزوج يحتاج إلى الدخول إلى بيت أخيه لاسيما إذا كانوا في بيت واحد ، ولو كان إرضاع الكبير مؤثرا لقال الحمو ترضعه زوجة قريبه ليزول الحرج فلما لم يقل ذلك علم أن مطلق الحاجة لا يؤثر في ثبوت حكم رضاع الكبير ، وأنه لابد أن تكون حاجة خاصة نتمشى بها على كل ما حصل في قضية سالم مولى أبي حذيفة ، وإذا اعتبرنا ذلك صارت الآن غير موجودة ، وبهذا تسلم الأدلة من التعارض ويحصل الجمع بينهم . فيه أيضا (( أمهاتكم اللاتي أرضعنكم )) هل لابد من مباشرة الإرضاع بحيث لو صب اللبن في إناء وشربه الطفل لا يؤثر أو لا ؟ الجواب: لا ، ليس من الشرط أن يلتقم الثدي بل لو صب في إناء وشربه وفرق له ذلك خمس مرات ثبتت الرضاعة ، لأن المعنى في هذا موجود كما هو موجود في التقام الثدي ، هذا من حيث التغذي الطفل باللبن ، لكن يفقد منه الحنان والمحبة ن فإن الرضيع إذا كان يلتقم الثدي حصل من حنان المرضعة ومحبتها له ما لم يحصل فيما لو صب لبنها في إناء وأسقي لطفل ، فهل هذا معتبر وأن الشرع لاحظ التحريم بالرضاع لأنه يحصل من المرضعة مثل ما يحصل من أم النسب من المحبة والحنون ولذلك صارت هذه العلاقة مؤثرة ؟ أو أن المقصود تغذي الطفل باللبن ؟ هذا هو موضع الخلاف فيما أظن ، لكن الظاهر العموم يعني أنه لا فرق بين أن يرتضعه من ثدي المرضعة أو أن يصب في إناء ويشرب ، لأن الجسم يتغذى بهذا وهذا ، والله أعلم .
وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله هو الصحيح أنها خمس رضعات ، وفي الحديث " معلومات " فيفيد لو وقع الشك في عددها هل هي خمس أو أربع فلا عبرة به ، لا عبرة بهذه الرضاعة ، لأن الحديث قيد بماذا ؟ بمعلومات ، ومع الشك لا يثبت الحكم ، وهذا مما يطمئن الإنسان لما يفتي به الإنسان في هذه المسألة لأن كثيرا من الناس يأتي إلي يقول الرضاعة ثابت لكن ما ندري كم الرضاعة ، نقول الحمد لله مادام إن الحديث خمس رضاعات معلومات فإن ما شك فيه ليس معلوما وحينئذ لا يثبت به الحكم . بقي علينا أن ننظر هل يمكن إطلاق القرآن بالسنة ؟ أي نعم يمكن ، يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة كما يخصص عموم القرآن كذلك بالسنة ، وأن نسخ القرآن بالسنة فالصحيح أنه ينسخ القرآن بالسنة إذا صحت ، لأن الكل من عند الله عزوجل قد ينسخ الله قوله بقوله وقد ينسخ الله قوله بقول رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذا المحرم كم ؟ خمس رضاعات معلومات ، فما هي الخمس أو ما هي الرضع على الأصح ما هي الرضع ؟ خمس رضعات مشبعات ، المشبعات ما في الحديث خمس رضعات مشبعات ؟ خمس رضعات فقال بعضهم: الرضعة المصة ، لقول: ( لا تحرم المصة ولا المصتان ) ومصة هي الرضعة ، ومعلوم أن الطفل إذا مص فقد رضع وأتاه اللبن بمصته ، وعلى هذا يمكن أن تكون الخمس في مجلس واحد وفي نفس واحد أو لا ؟ الطفل يمكن يمص خمس مرات في نفس واحد ؟ يمكن أن يمص خمس مرات والثدي في فمه ، ولكن هذا فيه شيء من الاشتباه ح لأن الإحاطة بهذا صعبة ، وقال بعض العلماء المراد بالرضعة التقام الثدي فمادام الصبي ملتقما بالثدي فهذه رضعة وإذا أطلقه بأي سبب من الأسباب فقد تمت الرضعة سواء أطلقه للتنفس أو لسماع صوت أزعجه أو لملل أمه من الجهة اليمنى وتتحوله إلى اليسرى أو ما أشبه ذلك ، المهم أن الرضعة التقام الثدي فمادام الطفل ملتقما للثدي فهي رضعة ، وإذا أطلقه لأي سبب فقد تمت الرضعة ، وعلى هذا يمكن أن تتم الخمس في مجلس واحد ، هذان القولان ، القول الثالث: أن الرضعة هي فعلة مما يعد رضعة أي وجبة بالرضاع كما تقول أكلة ، كما جاء في الحديث: ( إن الله ليرضى عن العبد يأكل أكلة فيحمد عليه ) هل الحمد كلما أكلت لقمة قلت الحمد لله أو عند الانتهاء ؟ عند الانتهاء ، فيكون الرضعة كالأكلة تماما ، فلابد أن تكون الرضعة الأخرى منفصلة عنها بزمن يعد انفصالا كأن تكون واحدة في الصباح وواحدة في السماء ووحدة في الليل وواحدة في السحر وما أشبه ذلك ، وهذا هو اختيار شيخنا عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله أن المراد بالرضعة ما انفصلت عن أختها انفصالا بينا لتكون رضعة كاملة ، وإذا قدرنا أن الحديث يحتمل المعاني الثلاثة وهي: المصة ، التقام الثدي ، الوجبة من الرضاعة ، فالأصل الحل حتى يقوم دليل بين على أن هذا الرضاع محرم ، وبناء على هذا الأصل يكون الراجح الثالث أو الأول أو الثاني ؟ الثالث وهو الأخير لأن نقول دلالة الحديث على المعنى الأول مشكلة فيها اشتباه ، وعلى المعنى الثاني فيها اشتباه ، وعلى المعنى الثالث تتفق الأقوال ما فيه اشتباه ، وحينئذ نأخذ بهذا لأن الأصل الحل حتى يثبت التحريم بقين ليرفع هذا الأصل ، إذا الآية (( اللاتي أرضعنكم )) مطلق مقيد بالسنة ، خمس رضاعات ، أيضا في الآية إطلاق آخر (( اللاتي أرضعنكم )) ظاهر الآية أنه يشمل الإرضاع في الصغر والإرضاع في الكبر فهل هذا مراد ؟ نقول نعم هذا مراد عند بعض العلماء عند الظاهرية مراد ، أن إرضاع الكبير كإرضاع الصغير واستأنسوا لقولهم بحديث السالم مولى أبي حذيفة حيث كان متضمنا عند أبي حذيفة من أبناءه الذين تبناهم في الجاهلية ، ومعلوم أنه إذا كان ابنا فسوف يدخل على البيت ليلا ونهارا وفي أقصى البيت وأدناه كالولد تماما ، فلما أبطل الله التبني جاءت امرأة أبي حذيفة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت إن سالما كان يدخل عليهم يعني ويشق علينا أن نتحرز منه ، فقال: ( أرضعيه تحرمي عليه ) يعني وإذا حرمت عليه جاز له أن ينظر إليك وأن يخلو بك وهو كبير ، وهذا الحديث مطابق لظاهر الآية فيكون شاهدا للإطلاق ، أعرفتم ؟ وقال بعض العلماء إنه لا يعبر الرضاع إلا إذا كان في الحولين ، لأن قوله: (( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم )) أي إرضاع المعتبر شرعا وقد قال الله تعالى: (( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين )) فما كان في الحولين فهو رضاع معتبر وما كان بعد الحولين فلا عبرة به ، لأن هذا هو زمن الإرضاع الذي قال الله تعالى فيه: (( اللاتي أرضعنكم )) وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن العبرة بالحولين فيما كان قبلهما فهو رضاع معتبر وما كان بعدهما فليس بمعتبر ، قالوا: وهذا حد فاصل لا ي ... ، وعليه فلو أرضعته ثلاث مرات في يوم السبت والرابع في ضحى يوم الأحد والخامس بعد ظهر يوم الأحد لكن كانت ولادته عند زوال الشمس يعني يتم سنتين عند زوال الشمس فهل هذا الرضاع معتبر أو غير معتبر ؟ غير معتبر ، لأن الخامس وقع بعد الحولين فلا يعتبر مع أن الرابعة لم تتهضم بعد ، هي في معدته ولكن تمت السنتان ، كما أن الرجل قبل خمسة عشر سنة غير بالغ وبعدها بالغ يعني لو أن الشخص فعل شيئا يشترط فيه البلوغ ضحى اليوم الذي بلغ فيه فإنه لا يؤاخذ به وآخر النهار يؤاخذ به ، وقال بعض العلماء: المعتبر الفطام ، فما كان قبل الفطام فهو معتبر وما كان بعده فليس بمعتبر لحديث: ( لا رضاع إ لاما أنشز العظم وكان قبل الفطام ) وهذا وإن كان فيه شيء من النظر من حيث الصحة يعني أنه ضعيف ، لكنه يؤيده النظر لأن الإرضاع قبل الفطام يؤثر في نمو الولد وليس له إلا هذا الغذاء وبعد الفطام لا فرق بين الصغير والكبير في تأثير الرضاع ، لأنه إذا فطم وصار لا يأكل إلا الطعام لا فرق بينه وبين من له عشر سنوات ، تأثير الغذاء عنده اللبن كتأثيره عند صاحب عشر سنوات ، وهذا القول ـ أعني الحكم معلق بالفطام ـ اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، أن العبرة بالفطام ، وهذا من حيث المعنى كما سمعتم أصح ، لكن فيه شيء من العسر وذلك لعدم انضباطه لبعض الأحيان ، لأن الطفل ليس يفطم مرة واحدة بل يفطم شيئا فشيئا لصعوبة الفطام عليه . ولو قال قائل: باعتبار الأكثر من الفطام أو السنتين لم يكن هذا القول بعيدا ؟ يعني فإذا فطم قبل السنتين امتد الحكم إلى سنتين ، وإن تمت السنتان قبل فطامه امتد الحكم إلى فطامه ، لو قيل بهذا لكان جيدا لكن تعليقه بالفطام أصح من حيث المعنى ، لأنه إذا فطم لا يتغذى باللبن ، وليس معنى قولنا لا يتغذى منه إنه لا يستفيد منه ، لا الإنسان يستفيد من اللبن لو عمره خمسين سنة ، لو كان له خمسين سنة يستفاد من اللبن ، لكن لا يتغذى به ولا صار غذاء له إذا فطم . فإن قال قائل: ما الجواب عن إطلاق الآية وعن قصة سالم ؟ قلنا: أما إطلاق الآية فقد ذكرنا أنها مقيدة بعدد خمس رضاعات ، فهي تقيد بزمن أيضا وهو الحولين ، ثم إن ظاهر الآية أيضا يؤيد ما اشتراط الفطام لأنه قال: (( اللاتي أرضعنكم )) ومعلوم أن الكبار ليس من المراضيع قد فطموا وانتهوا ، فظاهره أن (( أرضعنكم )) يعني في وقت الرضاعة ، ونرد عليهم بالنسبة لقصة سالم مولى أبي حذيفة بأحد وجهين ، بل بثلاثة أوجه: إما أنها منسوخة ، أو مخصوصة خاصة به عينا ، أو مخصوصة به نوعا ، عرفتم ؟ منسوخة ، أو مخصوصة بعين ، أو مخصوصة به نوعا ، أما القول بأنها منسوخة فهذا ليس بشيء ، لأن الأصل عدم النسخ ولابد من إثبات بالتاريخ وتعذر الجمع ، وأما القول بأنها مخصوصة به عينا فضعيف أيضا ، لأن الله عزوجل لا يمكن أن يخص أحدا بحكم إلا لمعنى فيه حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما خص به من الأحكام إلا لأنه نبي لا لأنه محمد بن عبد الله ، لأنه نبي ، فلابد من علة يتغير بها الحكم ويخصص به من اتصف بها ، وما المعنى الذي يخص به سالم حتى نقول إن الحكم لا يتعداه وأنه خاص به ؟ لأنه لو قلنا إن الحكم لا يتعداه وأن الحكم خاص به صار معناه أنه حكم له بذلك لأنه سالم مولى أبي حذيفة ، وهذا لا معنى له ، وعلى هذا فيضعف هذا القول أيضا أنه خاص به عينا ، بقي أن يكون خاصا به نوعا يعني فإذا يوجد حال مثل حال سالم ثبت الحكم ، ثبت الحكم وهذا لا يمكن الآن ، لا يمكن ، لماذا ؟ لأن ابن التبني بطل ما يمكن ، وعلى هذا فلا يريد علينا أبدا مادمنا قررنا أنه لا أحد يخصص عينا بحكم من شريعة الله لابد أن يكون هناك معنى يتعدى إلى نوعه ، وهذا لا يمكن ، لكن شيخ الإسلام رحمه الله لم يعتبر في بعض كلام له ، كلام الأول يوافق ما قلت إنه لابد مراعاة التبني ، ومعنى القول الثاني يعتبره الحاجة وأنه متى احتيج إلى إرضاع الكبير رضع وثبت حكم الرضاع ، ولكن قوله هذا ضعيف ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إياكم والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو ) من الحمو ؟ أخو الزوج أو عمه أو خاله أو ما أشبه ذلك ، قريبه ( قال الحمو الموت ) ومعلوم أن أخ الزوج يحتاج إلى الدخول إلى بيت أخيه لاسيما إذا كانوا في بيت واحد ، ولو كان إرضاع الكبير مؤثرا لقال الحمو ترضعه زوجة قريبه ليزول الحرج فلما لم يقل ذلك علم أن مطلق الحاجة لا يؤثر في ثبوت حكم رضاع الكبير ، وأنه لابد أن تكون حاجة خاصة نتمشى بها على كل ما حصل في قضية سالم مولى أبي حذيفة ، وإذا اعتبرنا ذلك صارت الآن غير موجودة ، وبهذا تسلم الأدلة من التعارض ويحصل الجمع بينهم . فيه أيضا (( أمهاتكم اللاتي أرضعنكم )) هل لابد من مباشرة الإرضاع بحيث لو صب اللبن في إناء وشربه الطفل لا يؤثر أو لا ؟ الجواب: لا ، ليس من الشرط أن يلتقم الثدي بل لو صب في إناء وشربه وفرق له ذلك خمس مرات ثبتت الرضاعة ، لأن المعنى في هذا موجود كما هو موجود في التقام الثدي ، هذا من حيث التغذي الطفل باللبن ، لكن يفقد منه الحنان والمحبة ن فإن الرضيع إذا كان يلتقم الثدي حصل من حنان المرضعة ومحبتها له ما لم يحصل فيما لو صب لبنها في إناء وأسقي لطفل ، فهل هذا معتبر وأن الشرع لاحظ التحريم بالرضاع لأنه يحصل من المرضعة مثل ما يحصل من أم النسب من المحبة والحنون ولذلك صارت هذه العلاقة مؤثرة ؟ أو أن المقصود تغذي الطفل باللبن ؟ هذا هو موضع الخلاف فيما أظن ، لكن الظاهر العموم يعني أنه لا فرق بين أن يرتضعه من ثدي المرضعة أو أن يصب في إناء ويشرب ، لأن الجسم يتغذى بهذا وهذا ، والله أعلم .
أسئلة عن الإدراج في الحديث؟
السائل : أسئلة عن الإدراج في الحديث ؟
الشيخ : الهالك . مشرك وغير مشرك ، لكن عطف الخاص الأشد على الأخف هذا مما يتسامح فيه ومادام لم .للرسول عليه الصلاة والسلام فلا بأس ، أما للرسول قلنا لا ، لكن كلمة " قد " احذفها هنا ما ... للرسول .
الشيخ : الهالك . مشرك وغير مشرك ، لكن عطف الخاص الأشد على الأخف هذا مما يتسامح فيه ومادام لم .للرسول عليه الصلاة والسلام فلا بأس ، أما للرسول قلنا لا ، لكن كلمة " قد " احذفها هنا ما ... للرسول .
تتمة فوائد الآية : (( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ... )) .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، (( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم )) أخذنا منها فوائد ، تكلمنا على الرضاعة .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن لبن الفحل محرم ، أيش معنى لبن الفحل محرم ؟ يعني أن الأخت من الأب من الرضاعة حرام ، لعموم قوله: (( وأخواتكم من الرضاعة )) وهذا والله أعلم من فائدة ذكر الأخوات دون البنات من الرضاعة ، بنات من الرضاعة ما ذكر والعمات ما ذكر ، لكن الأخوات تغني عن العمات لأن هن حواشي ، وهن أقر الحواشي إلى الإنسان ، إذا يستفاد من الآية أن الأخوات من الأب أو الأخوات من الأم أو الأخوات من أم وأب من الرضاعة كلهن حرام . ومن فوائدها: أن أم الزوجة حرام بدون شرط ، لقوله: (( وأمهات نسائكم )) فبمجرد العقد على المرأة عقدا صحيحا تحرم أمها ، وكذلك جداتها وإن علوا . ومن فوائدها: أن الأم المزني بها لا تحرم على الزاني خلافا لما ذهب إليه كثير من أهل العلم ، لقوله: (( من نسائكم )) والمزني بها ليست من نسائه ولا يمكن قياسها على نسائه ، لأن نسائه حللن له بعقد شرعي صحيح ، والمزني بها لم تحل له فكيف يقاس السفاح على النكاح الصحيح . ومن فوائدها: بطلان قول من قال إن التلوط بالذكر ـ والعياذ بالله ـ كعقد النكاح ، وأن من تلوط بذكر حرمت عليه أمه كأم الزوجة ، هذا منكر من القول ، كيف تجعل هذه الفاحشة العظيمة بمنزلة النكاح الصحيح ، فأم الملوط به حلال وليست حراما ، لكن نعم اللائط والزاني لا يحل أن يزوج من أي امرأة حتى يتوب . ومن فوائدها: تحريم الربيبة ، لكن اشترط الله تعالى في تحريم الربيبة كم ؟ الشرط الأول أن تكون في حجره ، والشرط الثاني أن يكون قد دخل بأمها ، ولكن دلت الآية الكريمة على أ ن الشرط كونها في الحجر غير مقصود ، لبيان الواقع وليس شرطا للحكم بدليل قوله: (( وإن لم يكن دخلتم بهن فلا جناح عليكم )) . ومن فوائدها: تحريم حلائل الأبناء من زوجات أو مملوكات ، لقوله: (( حلائل أبنائكم )) لكن المملوك لا تكون حليلة إلا بالوطء ، ولذلك لو أن شخصا اشترى أمة ولم يطأها ثم ملكها أبوه فإنها تحل لأبيه ، لكن لو عقد على امرأة ولم يطأها ثم طلقها فلا تحل لأبيه ، لأن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء ، وأما الزوجة فتكون حليلة بمجرد العقد الصحيح . ومن فوائدها: أن الحليلة ابن الرضاع لا تحرم ، لقوله: (( الذين من أصلابكم )) وسبق في التفسير اختلاف العلماء هل هذا القيد مخرج لابن التبني أو لابن الرضاع ، وذكرنا أن الصواب أنه مخرج لابن الرضاع ، أما ابن التبني فإنه ليس ابنا شرعيا فلا يحتاج إلى قيد لإخراجه . ومن فوائدها: تحريم الجمع بين الأختين ، لقوله: (( وأن تجمعوا بين الأختين )) والعموم يشمل الأختين من نسب والأختين من الرضاعة ، فلا يجوز للإنسان أن يجمع بين أختين من الرضاعة ولا بين أختين من النسب ، وهل هذا شامل لملك اليمين ؟ أو خاص بعقد النكاح ؟ اختلف فيه السلف ، والصحيح أنه شامل لملك النكاح وعقد النكاح ، وأن الإنسان إذا كانت عنده أختان مملوكتان ووطء إحداهما فإن الأخرى تحرم عليه حتى يحرم الموطوءة بإخراج لها من ملكه يبيعها مثلا أو يزوجها ، أو يزوجها بعد الاستبراء ، أما عنده وقد وطئها فإنه لا يحل له أن يطأ الأخرى . للنكاح هل يشترط لتحريم الأخرى أن يطأ التي عنده أو تحرم الأخت بمجرد العقد ؟ تحرم الأخت بمجرد العقد ، ولهذا يجوز أن يجمع بين الأختين في ملك اليمين بعقد بيع أو غيره ولا يجوز أن يجمع بينهما بعقد نكاح ، والفرق أن ملك اليمين يراد للوطء ولغيره ، والنكاح للوطء ، فصار الحكم ثابتا بمجرد عقد النكاح ، أما في الإيماء فبالوطء . ومن فوائدها: أن من سلف من الذنوب قبل الشرع فلا يؤاخذ به ، لقوله: (( إلا ما قد سلف )) وكذلك ما حصل من الذنوب بعد الشرع قبل علم ... فإنه لا يؤاخذ به ، لقوله تعالى: (( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله )) ولكن سبق لنا أنه إذا كان مفرطا في ترك ... فترك واجبا من أجل هذا التفريط فإنه يلزمه . ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله ، هما: الغفور والرحيم ، فبالمغفرة زوال المكروه ، وبالرحمة حصول المطلوب ، المغفرة للذنوب والرحمة للحسنات أن الله يرفع بها درجات . ومن هذين الاسمين نأخذ صفتين هما: المغفرة والرحمة ، لأن من طريق أهل السنة والجماعة أن كل اسم من أسماء الله تعالى دال على ذات الله و صفته وصفته مشتق منها ، فالغفور دال على الذات وعلى الصفة وهي المغفرة ، الرحيم دال على الذات ودال على الصفة وهي الرحمة ، وقد قسم العلماء رحمهم الله الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة ، فالعامة هي شاملة لجميع الخلق ، شاملة لجميع الخلق ولكنها رحمة لا تتصل بها رحمة الآخرة إنما يتصل بها عدل الآخرة ، وهذه للكافرين والمؤمنين ، ورحمة الخاصة للمؤمنين ، هذه تتصل بها الرحمة في الآخرة الرحمة في الدنيا ، يكون الإنسان مرحوما فيهما في الدنيا والآخرة ، فمن الأول قوله تعالى: (( وربك الغفور ذو الرحمة )) أي عامة ، وقوله: (( الرحمن الرحيم )) ، ومن الثاني قوله تعالى: (( وكان بالمؤمنين رحيما )) .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن لبن الفحل محرم ، أيش معنى لبن الفحل محرم ؟ يعني أن الأخت من الأب من الرضاعة حرام ، لعموم قوله: (( وأخواتكم من الرضاعة )) وهذا والله أعلم من فائدة ذكر الأخوات دون البنات من الرضاعة ، بنات من الرضاعة ما ذكر والعمات ما ذكر ، لكن الأخوات تغني عن العمات لأن هن حواشي ، وهن أقر الحواشي إلى الإنسان ، إذا يستفاد من الآية أن الأخوات من الأب أو الأخوات من الأم أو الأخوات من أم وأب من الرضاعة كلهن حرام . ومن فوائدها: أن أم الزوجة حرام بدون شرط ، لقوله: (( وأمهات نسائكم )) فبمجرد العقد على المرأة عقدا صحيحا تحرم أمها ، وكذلك جداتها وإن علوا . ومن فوائدها: أن الأم المزني بها لا تحرم على الزاني خلافا لما ذهب إليه كثير من أهل العلم ، لقوله: (( من نسائكم )) والمزني بها ليست من نسائه ولا يمكن قياسها على نسائه ، لأن نسائه حللن له بعقد شرعي صحيح ، والمزني بها لم تحل له فكيف يقاس السفاح على النكاح الصحيح . ومن فوائدها: بطلان قول من قال إن التلوط بالذكر ـ والعياذ بالله ـ كعقد النكاح ، وأن من تلوط بذكر حرمت عليه أمه كأم الزوجة ، هذا منكر من القول ، كيف تجعل هذه الفاحشة العظيمة بمنزلة النكاح الصحيح ، فأم الملوط به حلال وليست حراما ، لكن نعم اللائط والزاني لا يحل أن يزوج من أي امرأة حتى يتوب . ومن فوائدها: تحريم الربيبة ، لكن اشترط الله تعالى في تحريم الربيبة كم ؟ الشرط الأول أن تكون في حجره ، والشرط الثاني أن يكون قد دخل بأمها ، ولكن دلت الآية الكريمة على أ ن الشرط كونها في الحجر غير مقصود ، لبيان الواقع وليس شرطا للحكم بدليل قوله: (( وإن لم يكن دخلتم بهن فلا جناح عليكم )) . ومن فوائدها: تحريم حلائل الأبناء من زوجات أو مملوكات ، لقوله: (( حلائل أبنائكم )) لكن المملوك لا تكون حليلة إلا بالوطء ، ولذلك لو أن شخصا اشترى أمة ولم يطأها ثم ملكها أبوه فإنها تحل لأبيه ، لكن لو عقد على امرأة ولم يطأها ثم طلقها فلا تحل لأبيه ، لأن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء ، وأما الزوجة فتكون حليلة بمجرد العقد الصحيح . ومن فوائدها: أن الحليلة ابن الرضاع لا تحرم ، لقوله: (( الذين من أصلابكم )) وسبق في التفسير اختلاف العلماء هل هذا القيد مخرج لابن التبني أو لابن الرضاع ، وذكرنا أن الصواب أنه مخرج لابن الرضاع ، أما ابن التبني فإنه ليس ابنا شرعيا فلا يحتاج إلى قيد لإخراجه . ومن فوائدها: تحريم الجمع بين الأختين ، لقوله: (( وأن تجمعوا بين الأختين )) والعموم يشمل الأختين من نسب والأختين من الرضاعة ، فلا يجوز للإنسان أن يجمع بين أختين من الرضاعة ولا بين أختين من النسب ، وهل هذا شامل لملك اليمين ؟ أو خاص بعقد النكاح ؟ اختلف فيه السلف ، والصحيح أنه شامل لملك النكاح وعقد النكاح ، وأن الإنسان إذا كانت عنده أختان مملوكتان ووطء إحداهما فإن الأخرى تحرم عليه حتى يحرم الموطوءة بإخراج لها من ملكه يبيعها مثلا أو يزوجها ، أو يزوجها بعد الاستبراء ، أما عنده وقد وطئها فإنه لا يحل له أن يطأ الأخرى . للنكاح هل يشترط لتحريم الأخرى أن يطأ التي عنده أو تحرم الأخت بمجرد العقد ؟ تحرم الأخت بمجرد العقد ، ولهذا يجوز أن يجمع بين الأختين في ملك اليمين بعقد بيع أو غيره ولا يجوز أن يجمع بينهما بعقد نكاح ، والفرق أن ملك اليمين يراد للوطء ولغيره ، والنكاح للوطء ، فصار الحكم ثابتا بمجرد عقد النكاح ، أما في الإيماء فبالوطء . ومن فوائدها: أن من سلف من الذنوب قبل الشرع فلا يؤاخذ به ، لقوله: (( إلا ما قد سلف )) وكذلك ما حصل من الذنوب بعد الشرع قبل علم ... فإنه لا يؤاخذ به ، لقوله تعالى: (( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله )) ولكن سبق لنا أنه إذا كان مفرطا في ترك ... فترك واجبا من أجل هذا التفريط فإنه يلزمه . ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله ، هما: الغفور والرحيم ، فبالمغفرة زوال المكروه ، وبالرحمة حصول المطلوب ، المغفرة للذنوب والرحمة للحسنات أن الله يرفع بها درجات . ومن هذين الاسمين نأخذ صفتين هما: المغفرة والرحمة ، لأن من طريق أهل السنة والجماعة أن كل اسم من أسماء الله تعالى دال على ذات الله و صفته وصفته مشتق منها ، فالغفور دال على الذات وعلى الصفة وهي المغفرة ، الرحيم دال على الذات ودال على الصفة وهي الرحمة ، وقد قسم العلماء رحمهم الله الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة ، فالعامة هي شاملة لجميع الخلق ، شاملة لجميع الخلق ولكنها رحمة لا تتصل بها رحمة الآخرة إنما يتصل بها عدل الآخرة ، وهذه للكافرين والمؤمنين ، ورحمة الخاصة للمؤمنين ، هذه تتصل بها الرحمة في الآخرة الرحمة في الدنيا ، يكون الإنسان مرحوما فيهما في الدنيا والآخرة ، فمن الأول قوله تعالى: (( وربك الغفور ذو الرحمة )) أي عامة ، وقوله: (( الرحمن الرحيم )) ، ومن الثاني قوله تعالى: (( وكان بالمؤمنين رحيما )) .
تفسير الآية : (( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ... )) .
ثم قال الله تعالى: (( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم )) يعني وحرمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ، (( المحصنات )) اسم مفعول من فعل رباعي وهو " أحصن " يعني اسم المفعول يكون فعله مبنيا للمفعول ، والإحصان يطلق على عدة معاني: فيطلق على الحرائر ، ويطلق على العفيفات ، ويطلق على المتزوجات ، وكل هذا جاء في القرآن ، قال الله تعالى في الأول: (( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم )) المراد بالمحصنات هنا الحرائر ، ومن الثاني قوله تعالى: (( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة )) المحصنات يعني العفيفات عن الزنا ، ومن الثالث المتزوجات هذه الآية (( المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم )) . فإن قال قائل: مثل هذه الألفاظ المشتركة لعدة معاني كيف نعرف تعيين المعنى المقصود من هذه المعاني ؟ نقول: نعرفه بالسياق ، فإن لم يكن السياق يعين فالصحيح أنه يجوز استعمال الاسم المشترك في جميع معانيه ويكون شاملا لها ، كما يشمل اللفظ العام جميع أفراده ، فاللفظ المشترك بين معنيين فأكثر يكون عاما للمعنيين إذا لم يوجد قرينة تعين أحد المعنيين ، انتبهوا لهذه الفائدة ! كما أن لفظ العام يشمل جميع أفراده ، فاللفظ المشترك يشمل جميع معانيه ، لننظر الآن في الأمثلة الثلاثة: المثال الأول أن المراد بالمحصنات الحرائر ، ما هو السياق الذي يعين ذلك ؟ قوله: (( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم )) (( مما ملكت أيمانكم )) إذا المحصنات غير المملوكات ، حرائر ، والثاني (( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة )) يعينها قوله: (( الغافلات المؤمنات )) غافلات عن الزنا ولم يد ... لهن على بال فهن عفيفات ، الثالثة: المتزوجات ، هذه ليس في اللفظ الذي في الآية الكريمة ما يعين المراد لكن السنة جاءت به ، فا المحصنات وما معنى قوله: (( إلا ما ملكت أيمانكم )) ؟ هل معناه أن الرجل إذا كان له أمة متزوجة فإنه يجوز أن يجامعها ؟ لا ، لكن المسألة وقعت في شيء معين وهي المرأة المسبية ، مسبية القتال مع الكفار إذا كانت ذات زوج ثم ملكها المسلمون فإنها تحل لانفساخ نكاح زوجها الأول بسبيها ، إذا المحصنات يعني المتزوجات اللاتي يسبين بالجهاد ، فإذا سبين بالجهاد صرن ملكا للسابي وحينئذ تحل له ، إذا (( المحصنات )) يعني المتزوجات (( من النساء )) يعني المسبيات من نساء المسبيات ، وذلك في قتال من ؟ الكفار ، أما في قتال المؤمنين فإنه لا سبي للنساء ولو كان قتالا محرما كأهل البغي مثلا فإن نسائهم لا يسبين لكن المراد نساء الكفار ، (( إلا ما ملكت أيمانكم )) يعني فإنهن حلال ، لكن يجب أن يلاحظ حلال ما يملكن من المحرمات قد تكون أخت الإنسان أو عمته أو ما أشبه ذلك ، (( إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم )) (( كتاب )) قيل: إنه مفعول لفعل محذوف أي إلزموا كتاب الله عليكم ، أي إلزموا فريضة الله عليكم ، لأن الكتاب هنا بمعنى مكتوب أي مفروض ، والكتب يأتي بمعنى الفرض كما في قوله: (( كتب عليكم الصيام )) إلزموا كتاب الله عليكم أي إلزموا فريضة الله عليكم لا تتجاوزوها ، وأكد الله ذلك لأهميته ويحتمل أن يكون (( كتاب الله )) مصدرا لفعل محذوف أي كتب الله كتاب الله عليكم ، فيكون مصدرا لفعل محذوف دل عليه السياق ، لكن المعنى الأول كأنه الأوضح (( كتاب الله عليكم )) أي فرضه مفروض عليكم (( وأحل لكم ما وراء ذلكم )) (( أحل )) وفي قراءة سبعية: (( أحل )) بل قراءة السبعية (( أحل )) أليق بقول الله : (( كتاب الله عليكم )) وقراءة الأخرى السبعية (( أحل )) أليق بالسياق في قوله: (( حرمت عليكم أمهاتكم )) يعني (( حرم )) مبني للمفعول ، (( أحل )) مبني للمفعول ، فيكون التناسب بين اللفظين الدالين على هذين الحكمين ، وعلى كل حال فالقراءة التي فيها بناء للمفعول حذف الفاعل لأنه معلوم ، لأن الخلق أو الشرع إذا بني للمفعول فإن ذلك للعم بالفاعل ، لأنه لا خالق إلا الله ولا شارع إلا الله عزوجل ، وقوله: (( أحل لكم ما وراء ذلكم )) (( ما وراء )) هنا بمعنى دون أو سوى يعني ما سوى ذلك فهو حلال ، وهذا حلال عام (( ما وراء ذلكم )) يعني " ما " اسم موصول للعموم فتشمل كل ما سوى ذلك ، وحينئذ نرجع إلى الآية ننظر ماذا . العمة من الرضاعة ؟ حلال ، هل ذكرت ؟ أخواتكم من الرضاعة ؟ نقول قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ) فيكون هذا الحكم مما زادت به السنة وما جاء عن رسول الله فهو كما جاء عن الله ، من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن يعص الرسول فقد عصى الله ، إذا تحريم العمة من الرضاعة والخالة من الرضاعة يستفاد من أين ؟ من السنة ، إذا (( أحل لكم ما وراء ذلكم )) دخل التخصيص ، ما هو ؟ العمة من الرضاعة والخالة من الرضاعة . (( وأن تجمعوا بين الأختين )) لو جمع الإنسان بين المرأة وعمتها ؟ لا يجوز ؟ لا ، الله قال: (( بين الأختين )) ولاشك أن بين الأختين من الروابط ما ليس بين غيرهما ، نقول جاءت به السنة ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) إذا عندنا الآن أربعة: العمة من الرضاعة ، الخالة من الرضاعة ، والجمع بين المرأة وعمتها ، والجمع بين المرأة وخالتها ، كل ذلك مما جاءت به السنة فيكون مخصصا لعموم قوله: (( وأحل لكم ما وراء ذلكم )) وهنا نسأل عن التحريم لأننا نسينا أن نأتي به ، التحريم بين الأختين إلى متى ينتهي ؟ إلى أن تموت أو تطلق أو يفسخ النكاح ، إذا طلقت هل هناك تفصيل أو لا ؟ نقول إذا طلقت طلاقا رجعينا وجب الانتظار حتى تنتهي العدة يعني لو طلق امرأته ولها أخت طلاق رجعية ـ وعرفتم طلاق الرجعية من قبل ـ فإنه يجب الانتظار بالإجماع حتى تنتهي العدة ، إذا كان الطلاق بائنا بل قل: إذا كان الفراق بائنا بطلاق ثلاثة أو طلاق على عوض أو فسخ فيجب الانتظار حتى تنتهي العدة أو له أن يتزوج أختها ؟ المشهور من مذاهب الحنابلة أنه يجب الانتظار ، يجب الانتظار حتى تنتهي العدة ، لأنها إلى الآن مشغول بحق من حقوق الزوجة ، مشغولة بحق من حقوق الزوج فيجب الانتظار ، وقال بعض العلماء: إذا كان الفراق بائنا بفسخ أو طلاق على عوض أو طلاق ثلاث فإنه يصح أن يتزوج أختها .
اضيفت في - 2006-04-10