تتمة فوائد حديث أبي هريرة قال ثم لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر بن الخطاب فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق
الشيخ : ... وغير مناسبة للمسلمين وأن فيها دنية على المسلمين ، لأنها من جملة الشروط أن من جاء منهم إلى المسلمين وجب على المسلمين رده إليهم ، ولو كان مسلما ، ومن ذهب منا إليهم فإنهم لا يردونه فشق ذلك على المسلمين ، فراجعوا ، عمر فراجع النبي صلى الله عليه وسلم وأجابه ، ثم جاء إلى أبي بكر وأجابه بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم تماما حرفا بحرف ، كذلك أيضا لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر رضي الله عنه في المسجد ، وقال : إن رسول الله لم يمت وإنما صعق ، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي أقوام وأرجلهم من خلاف ، حتى جاء أبو بكر وهو أعظم مصابا من عمر ، ودخل البيت وعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ثم خرج إلى الناس ووجد عمر رضي الله عنه بينهم كالجمل يهدر ، فقال له : على رسلك تمهل ثم صعد المنبر وخطبهم الخطبة المشهورة البليغة قال : أما بعد ، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم قرأ : (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا )) يقول عمر : فعرفت أنه قد مات فما استطعت أن أقف عجزت عقرت حتى لا تحملني رجلاي هذا مقام آخر ، الثالث : مقام أبي بكر في قتال أهل الردة تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم بل قبل مقام أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة ، أسامة بن زيد الذي قتل والده في غزوة مؤتة ، جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشا إلى قتال الروم وأمر عليهم أسامة بن زيد ، مع أنه صغير السن لكن نظرا إلى أن أباه هو الذي قتل كان في ذلك جبر لخاطره كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في قيس بن سعد بن عبادة ، عام الفتح فتح مكة ، لما قال سعد رضي الله عنه : ( اليوم تستحل الكعبة ! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم كذب سعد ، اليوم تعظم الكعبة ) لأنه يحتلها المسلمون أصحابها ، أولى الناس بها وكان معه الراية فعزله ، أخذ الراية منه ، وأعطاها ابنه قيسا يعني لم يبعدها عنه كثيرا وهذا من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم ، المهم أنه نفذ الجيش بقيادة أسامة بن زيد ، وكان ظاهر المدينة فلما ثقل المرض برسول الله صلى الله عليه وسلم توقف الجيش لما مات عزم أبو بكر رضي الله عنه أن ينفذ الجيش ، فجاءه الصحابة ومنهم عمر قالوا : يا أبا بكر كيف تنفذ الجيش والناس ارتدوا الآن ، العرب الآن يعني سيتعبوننا قال :والله لا أغمد سيفا أو قال : لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزم فكان في ذلك الخير الكثير ، العرب لما رأوا أن الصحابة بعد الرسول نفذوا الجيوش إلى الشام قالوا : هؤلاء القوم عندهم قوة ، فخافوا وحذروا من المخالفة فكان هذا العمل نائبا مناب المقاتلة ،أما المسألة الرابعة فهي هذه حيث إن أبا بكر عزم على أن يقاتل الذين منعوا الزكاة ، فراجعه عمر في هذا ، ولكنه أقسم أن يقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة فقاتلهم وحصل ولله الحمد الخير الكثير ، ورجع كثير منهم إلى الإسلام ،والشاهد من هذا الحديث قوله : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه ونفسه إلا بحقه ، يعني : ما يكفي أن يقول : لا إله إلا الله ولكن لا إله إلا الله مفتاح العصمة ، ثم إن قام بحق الإسلام فهو هو وإن لم يقم بحق الإسلام عومل بما تقتضتيه هذه المخالفة.
هل الزكاة مكانتها عظيمة كالصلاة حتى قاتل أبو بكر من منعها.؟
السائل : أبو بكر رضي الله عنه عظم الصلاة مع الزكاة في الحجيث السابق على ما سواهما من أركان الإسلام هل لهذا وجه ؟ الشيخ : ما في شك الزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله ، ولهذا تجدها كثيرة في القرآن مقارنة للصلاة فلم يفرق بينهما.
قتال أبي بكر مانعي الزكاة هل هو قتال بغاة أم قتال مرتدين.؟
السائل : عندما قاتل مانعي الزكاة هل يعتبر قتالهم قتال بغاة خارجين على الإمام أم قتال كفار ؟ الشيخ : لا ليس هذا قتال كفار إلا من أنكر وجوبها فيقاتل مقاتلة كفر.
السائل : الذي امتنع عن أداء الزكاة ، هل ... أو يقاتل ؟ الشيخ : أي معلوم ، إذا أمكن إجبارهم عليها بدون مقاتلة فهذا هو الواجب ، لكن أحيانا لا يمكن ، إذا صارت قبيلة كاملة تحتاج إلى قتال ، أما إذا كان واحدا أو اثنين ، فهذا يمكن أن يجبر عليها ، والصحيح أنه يجبر عليها ويؤخذ شطر ماله أيضا كما في الحديث : ( إنا آخذوها وشطر ماله ) وهذا الشطر قيل أنه كل المال ، يؤخذ نصف المال وقيل إنه شطر المال الذي منع زكاته ، والأمر يرجع في هذا إلى رأي الإمام إذا رأى أن يُشطِّر ماله كله وأن هذا أنكى لغيره فهذا طيب. السائل : هل تقبل منه ... ؟ الشيخ : لا ، إذا أخذت منه قهرا أجزأته ظاهرا أما فيما بينه وبين الله فلا تجزئه.
وحدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى وأحمد بن عيسى قال أحمد حدثنا وقال الآخران أخبرنا بن وهب قال أخبرني يونس عن بن شهاب قال حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله
القارئ : وحدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى وأحمد بن عيسى قال أحمد : حدثنا وقال الآخران أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ، أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ) . الشيخ : طيب قال الآخران أخبرنا هل هناك فرق بين حدثنا وأخبرنا ؟ أما عند الأولين من المحدثين والرواة فلا فرق ، لكن يتحرون اللفظ الذي ورد به الإسناد ، وأما عند المتأخرين فيجعلون التحديث للمباشرة ، والإخبار إما للإجازة وإلا لمن روى عنه ومعه غيره وما أشبه ذلك ، المهم يرون أن حدثنا أقوى من أخبرنا ، وعلى هذا يكون هذا الحديث ورد من رواية عمر وأبي هريرة.
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا عبد العزيز يعني الدراوردي عن العلاء ح وحدثنا أمية بن بسطام واللفظ له حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله
القارئ : حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، أخبرنا عبد العزيز يعني الدراوردي، عن العلاء، ح وحدثنا أمية بن بسطام، واللفظ له، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا روح، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا بي وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) . الشيخ : هذا اللفظ جاء من رواية عمر وأبي هريرة ، عمر لما قال لأبي بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ، أبو هريرة روى القصة كلها ، وعمر روى الحديث لأبي بكر.
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر وعن أبي صالح عن أبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس بمثل حديث بن المسيب عن أبي هريرة
القارئ : وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر وعن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس ) بمثل حديث ابن المسيب عن أبي هريرة.
ح وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع ح وحدثني محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن يعني بن مهدي قالا جميعا حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر
القارئ : ح وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قال حدثنا وكيع ، ح وحدثني محمد بن المثنى ، قال حدثنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي ، قالا جميعا : حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فإذا قالوا : لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، ثم قرأ : (( إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )) ).
القارئ : " قوله ثم قرأ إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ، قال المفسرون معناه إنما أنت واعظ ولم يكن صلى الله عليه وسلم أمر إذ ذاك إلا بالتذكير ثم أمر بعد بالقتال ، والمسيطر المسلط وقيل الجبار وقيل الرب والله أعلم ، واعلم أن هذا الحديث بطرقه مشتمل على أنواع من العلوم وجمل من القواعد وأنا أشير إلى أطراف منها مختصرة ، ففيه أدل دليل على شجاعة أبي بكر رضي الله عنه وتقدمه في الشجاعة والعلم على غيره فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة أنعم الله تعالى بها على المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنبط رضي الله عنه من العلم بدقيق نظره ورصانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره فلهذا وغيره مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحق على أنه أفضل أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد صنف العلماء رضي الله عنهم في معرفة رجحانه أشياء كثيرة مشهورة في الأصول وغيرها ومن أحسنها كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم للإمام أبي المظفر منصور بن محمد السمعاني الشافعي ، وفيه جواز مراجعة الأئمة والأكابر ومناظرتهم لإظهار الحق ، وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
ما حكم من يقول أن الجماعة الثانية في المسجد لا تجوز.؟
الشيخ : يقول : ذكر أحد أهل العلم أن الجماعة الثانية بعد الأولى غير جائزة وذكر أن الجمهور على هذا ، وذكر قولا للشافعي يؤيد هذا المنحى وقال : إن بعضا من الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا فاتتهم الجماعة الأولى صلوا فرادى فما صحة هذا الرأي ؟ الجواب : أن هذا الرأي إن كانت الجماعة الثانية معتادة بحيث اعتادوا أن يقيموا جماعتين في هذا المسجد بدون ضرورة فهذا بدعة وينهى عنه ، وأما إذا كان لعارض كما لو دخل جماعة وقد فاتتهم الصلاة ، فإنهم يصلون جماعة وذلك لأدلة منها : أن رجلا دخل والنبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال : من يتصدق على هذا فيصلي معه ؟ فقام أحد الصحابة فصلى معه ، فهذه جماعة ثانية بعد الأولى ، ومنها : حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله ، ومنها : أنه روي عن جماعة من الصحابة كابن مسعود رضي الله عنه كما نقله عنه صاحب المغني ، فإنه نقل عنه أنه دخل المسجد ومعه أصحابه فأقام بهم الجماعة وروي عنه رواية أخرى أنه انصرف وصلى في بيته ، أي ابن مسعود ، فيحمل على أن هذه قضايا أعيان لعله انصرف إلى بيته خوفا من أن الناس يقتدون به ويقولون : هذا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفوته الجماعة فيتهاون الناس أو خاف أن ينتقد الإمام ، يظن أنه تخلف لئلا يصلي خلف هذا الإمام ، أو لغرض آخر ، وأما المساجد التي تكون في الطرق فيأتيها الطارقون فتصلي هذه الجماعة ثم تمضي ، ثم الأخرى ثم تمضي ، فهذه قال النووي إنه لا كراهة فيها بالإجماع ، فالأقسام إذن ثلاثة : بدعة ، وجائز بالإجماع ، ومختلف فيه ، والصحيح أنها تقام.
ذكر شيخ الإسلام أن الحائض إذا طهرت في آخر وقت الصلاة فلم يمكنها الإغتسال أنها تتيمم وفي موطن آخر قال خلاف ذلك فما هو الراجح.؟
الشيخ : ذكر شيخ الإسلام أن الحائض إذا طهرت في آخر وقت الصلاة بحيث لا يسمح للوضوء والصلاة معا يقول إنها تتيمم ولا تتوضأ علما بأنه أفتى بالخلاف في موضع آخر فما هو الراجح في المسألة ، وما سبب الترجيح ؟ الظاهر أن الراجح أنها تغتسل ، لأن تأخيرها لعذر وهو عدم الطهر ، ولو تيممت ثم صلت ثم اغتسلت للمستقبل فلا بأس.
قلتم أن التسمية بعزيز تصغير عبد العزيز جائزة والأولى عبيد العزيز مع أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم عزيز كما رواه أبو داود.؟
الشيخ : يقول ذكرنا في درس البلوغ الماضي أنه لا بأس من تصغير لفظ عزيز إلى عزيّز والأفضل أن يسمى عبيد العزيز ، وقد ذكر أبو داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم غير اسم عزيز ، كذا ؟ أي هذه عزيز ليست مسألتنا ، ويحتاج إلى أيضا إثبات لأن مثلها جاءت به السنة مثل حكيم بن حزام ، والحكم وما أشبه ذلك ، فلا بد أن تحرر لنا سند هذا الحديث السائل : ... الشيخ : لا غير المعروف أبا الحكم ، راجع سنده حرره لنا ، أما ( عزيز ) فالعامة يريدون بذلك تصغير المسمى لا المضاف إليه.
حدثنا أبو غسان المسمعي مالك بن عبد الواحد حدثنا عبد الملك بن الصباح عن شعبة عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله
القارئ : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين قال مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا أبو غسان المسمعي مالك بن عبد الواحد ، قال حدثنا عبد الملك بن الصباح ، عن شعبة ، عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر ، أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) .
وحدثنا سويد بن سعيد وابن أبي عمر قالا حدثنا مروان يعنيان الفزاري عن أبي مالك عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله
القارئ : وحدثنا سويد بن سعيد ، وابن أبي عمر ، قالا : حدثنا مروان يعنيان الفزاري ، عن أبي مالك عن أبيه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من قال : لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ) .
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر ح وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون كلاهما عن أبي مالك عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول من وحد الله ثم ذكر بمثله
القارئ : وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر ، ح وحدثنيه زهير بن حرب قال حدثنا يزيد بن هارون كلاهما عن أبي مالك عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( من وحد الله ) ، ثم ذكر بمثله. الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم هذا الحديث يدل على أنه لا يكفي أن يقول الإنسان لا إله إلا الله حتى يكفر بما يعبد من دون الله ، ويؤيد هذا قوله تعالى : (( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى )) فلا بد أن يكفر الإنسان بكل ما يعبد من دون الله أيا كان ، ومعنى يكفر به أي : يكفر بعبادته لا يكفر بوجوده ، وكذلك إذا كان ممن يجب الإيمان به لا يكفر بالإيمان به ، فمثلا لو عبد أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن معنى كفرنا بالرسول صلى الله عليه وسلم الكفر بعبادته ، لا بأنه رسول الله ، وكذلك النصارى يعبدون عيسى بن مريم ، ومعنى الكفر به أننا نكفر بعبادته لا بأنه رسول الله ، يقول : حرم ماله ودمه ومع ذلك حسابه على الله ، لو أنه قالها تعوذا أو رياء أو ما أشبه ذلك فحسابه على الله عز وجل.
وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يونس عن بن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه قال لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله عز وجل ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين
القارئ : وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي ، قال أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبيه ، قال : ( لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عم قل : لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ، ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول : لا إله إلا الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ، فأنزل الله عز وجل : (( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم )) ، وأنزل الله تعالى في أبي طالب ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين )) )
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ح وحدثنا حسن الحلواني وعبد بن حميد قالا حدثنا يعقوب وهو بن إبراهيم بن سعد قال حدثني أبي عن صالح كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد مثله غير أن حديث صالح انتهى عند قوله فأنزل الله عز وجل فيه ولم يذكر الآيتين وقال في حديثه ويعودان في تلك المقالة وفي حديث معمر مكان هذه الكلمة فلم يزالا به
القارئ : وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ، وعبد بن حميد ، قالا : أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، ح وحدثنا حسن الحلواني ، وعبد بن حميد قالا : حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد ، قال : حدثني أبي عن صالح كلاهما عن الزهري بهذا الإسناد مثله ، غير أن حديث صالح انتهى عند قوله : فأنزل الله عز وجل فيه ، ولم يذكر الآيتين ، وقال في حديثه : ويعودان في تلك المقالة ، وفي حديث معمر مكان هذه الكلمة فلم يزالا به.
حدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر قالا حدثنا مروان عن يزيد وهو بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى فأنزل الله إنك لا تهدي من أحببت الآية
القارئ : حدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر قالا : حدثنا مروان عن يزيد وهو ابن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت : قل : لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى ، فأنزل الله : (( إنك لا تهدي من أحببت )) الآية )
حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة قال لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء
القارئ : حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم الأشجعي ، عن أبي هريرة ، قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه : قل : لا إله إلا الله ، أشهد لك بها يوم القيامة ، قال : لولا أن تعيرني قريش ، يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك ، فأنزل الله : (( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء )) ) الشيخ : هذا الحديث أولا الحديث الذي صدّر به المؤلف رحمه الله هو حديث مرسل ، لماذا ؟ لأن سعيد بن المسيب من التابعين ، عن أبيه ما رأيته ، قال : لما حضرت أبي طالب الوفاة إلخ ، إذن ليس مرسلا ، ويؤيد حديث أبي هريرة والغالب أن ابن المسيب يروي عنه مرسلاته ، أبو هريرة قريب من لفظه ، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة ، وهذا قال : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله.
الشيخ : وفي هذا الحديث من الفوائد : أنه من ختم له بلا إله إلا الله فإنه يرجى أن يكون من أهل الجنة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة ) ومنها : تلطف مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب لأن هذه الحال تقتضي التلطف ، ومنها : عصبية أهل الجاهلية ، حيث قال : لولا أن يعيرني قريش يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت به عينك ، ومنها : العاقبة السيئة لجلساء السوء فإن عبد الله بن أمية وأبا جهل قالا لأبي طالب : أترغب عن ملة عبد المطلب ، ومنها : أن أبا طالب مات على الكفر خلافا لمن قال إنه مات على الإسلام ، وهو صريح في قوله : أبى أن يقول لا إله إلا الله ، وفي قوله : لولا أن تعيرني قريش يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه شفع له عند الله ، وقبلت شفاعته ، في تخفيف العذاب عنه ، لا في إخراجه من النار ، قال : فكان في ضحضاح من نار وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه ، فما بالك بما دون الدماغ ، إذا كان الدماغ وهو أبعد ما يكون عن القدمين يغلي فما بالك بما دونه ، وإنما أذن الله له أن يشفع في عمه وهو كافر لأن عمه دافع عنه مدافعة عظيمة ، وناضل وأثنى عليه ، وقال : " لقد علموا أن ابننا لا *** مكذب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل " وقال : " ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة *** لرأيتني سمحا بذلك مبينا " فمن أجل هذا كان من عدل الله عز وجل وحكمته أن يؤذن له بالشفاعة في بعض العذاب لا في كل العذاب ، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى ومن عدله ، أنه أعطاه ما يستحق ، ومنها : أن القرآن الكريم نوعان : سببي وغير سببي ، بمعنى أن بعضه نزل بسبب ، وبعضه نزل بغير سبب ، فالآية لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك قال الله تعالى : (( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ... )) ، وأنزل الله في أبي طالب : (( إنك لا تهدي من أحببت )) ومعنى قوله في أبي طالب أي : في شأنه ، إنك : الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، لا تهدي من أحببت ، ومنها : أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بالقرآن حين إنزاله ، وذلك لأن سبب النزول لا بد أن يتقدم على النزول ، إذ أن السبب يكون به المسبب فلا بد أن يتقدم على النزول ، وإذا تقدم على النزول لزم أن يكون الله عز وجل يتكلم بالكلام ، أي بالقرآن حين إنزاله ، وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى : (( إنا أنزلناه في ليلة القدر ))(( إنا أنزلنا في ليلة مباركة )) معناه : ابتدأنا إنزاله ، لا أنزلناه كله ، ومن فوائد هذا الحديث : تحريم الاستغفار للمشركين ، لأن هذا عدوان في الدعاء ، إذ أن الاستغفار هو طلب المغفرة ، والله تعالى لا يغفر أن يشرك به ، فإذا سألت الله تعالى ما أخبر أنه لا يفعله ، فهذا عدوان في الدعاء ، ولهذا ذكرنا فيما سبق أن العدوان في الدعاء يدور على أمرين : أن يسأل ما لا يمكن شرعا ، أو يسأل ما لا يمكن قدرا ، فهذا ضابط العدوان في الدعاء ، ومن فوائد الآية الكريمة : أن أحكام الله تعالى لا يفرق فيها بين القريب والبعيد ، فكما لا تستغفر للمشرك البعيد منك فلا تستغفر للمشرك الذي هو قريب ، ولهذا قال : (( ولو كانوا أولي قربى )) لو كان أباك أو ابنك أو أخاك أو أختك وهو قد مات على الكفر فإنه يحرم عليك أن تستغفر له ، وبناء على هذا : إذا مات قريب للإنسان وهو يعلم أنه لا يصلي يترك الصلاة تهاونا ، فإنه لا يحل له أن يقول : اللهم اغفر له ، اللهم اعف عنه ، لأنه لا يجوز الاستغفار للمشركين ، لما فيه من العدوان في الدعاء ، ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهدي من أحب ، الرسول لا يهدي من أحب لقوله : (( إنك لا تهدي من أحببت )) ، فإن قال قائل : أليس الله قد قال : (( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم )) ؟ قلنا : بلى ، لكن فرق بين الهداية إلى الشيء ، وهداية المهدي ، فالهداية إلى الصراط يعني الدلالة عليه ، فهداية الدلالة ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره أيضا من أهل العلم يهدون الناس إلى الحق ، وأما الهداية التي هي التوفيق فإنها إلى الله عز وجل ، ولا أحد يستطيع أن يهدي شخصا هداية توفيق مهما كان ، ومن فوائد هذه الآية : جواز محبة الكافر لإحسانه إليك ، أو ما أشبه ذلك أو قرابته لا لدينه ، ولهذا يحب الإنسان من وجه ويكره من وجه آخر ، فمحبة الإنسان لأبيه الكافر لا يلام عليها ، لقريبه الكافر لا يلام عليها ، لإحسان الكافر إليه لا يلام عليه ، لكن إذا أحبه للدين كان هذا خلاف ما كان عليه المؤمنون قال الله تعالى : (( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا )) ، ومن فوائد الآية الكريمة : توقف التأثيم على التبين والعلم ، لقوله : (( من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم )) ، ويتفرع على ذلك العذر بالجهل ، وأن الإنسان إذا ارتكب محذورا جاهلا فإنه لا إثم عليه ، وهذه هي القاعدة الشرعية التي ذكرها الله عز وجل في كتابه وكذلك دلت عليها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : (( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا )) فقال الله : قد فعلت ، وقال الله تعالى : (( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم )) وقال تعالى : (( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم )) وهذه من أصرح الآيات الدالة على العذر بالجهل حتى في مسائل الكفر ، لأن الكفر مشاقة لله ورسوله ، ومع ذلك لم يرتب الله عز وجل العقوبة على المشاقة إلا إذا تبين للإنسان الهدى (( من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا )) ، ومنها : الاعتماد على الله في جميع الأمور وأن الأمر بيده عز وجل ، لقوله تعالى : (( ولكن الله يهدي من يشاء )) فإذا كان هو الذي يهدي من يشاء فمن أين نطلب الهداية ، ممن لا يملكها أو ممن يملكها ؟ ممن يملكها وهو الله عز وجل ، فإذن اسأل الهداية من الله ، لأنه هو الذي يملك ذلك ، ولكن الله يهدي من يشاء ، ومنها : الرد على المعتزلة الذين يقولون : إن الإنسان مستقل بعمله ، ولا مشيئة لله فيه ، أليس كذلك ؟ هم يقولون : إن الإنسان مستقل بعمله ، ليس لله فيه تعلق إطلاقا ، وغلاتهم يقولون : إن الله لا يعلمه حتى يقع ، والمقتصدون منهم يقولون إن الله يعلم لكنه لا يشاؤه ، ففي هذه الآية رد عليهم (( ولكن الله يهدي من يشاء )) ، فإن قال قائل : وهل هذه المشيئة مشيئة مجردة أو مقرونة بحكمة ؟ الجواب : الثاني ، مقرونة بحكمة ، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى : (( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما )) فإذا علم أن هذا أهلٌ للهداية هداه ويسر له الهدى ، ومن علم أنه بالعكس لم ييسر له ذلك ، فإذا قال قائل : كيف يعلم عز وجل أنه أهل للهداية ؟ قلنا : يعلم ذلك بعلمه القديم ، الذي هو موصوف به أزلا وأبدا ، ثم ييسر هذا الإنسان للعلم الصالح ، كما قال تعالى : (( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى )) ، وقال تعالى : (( الله أعلم حيث يجعل رسالته )) ، وقال تعالى : (( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم )) ، إذن من علم الله أنه أهل للهداية هداه ووفقه وذلك لسلامة قلبه وصحة معتقده ، ومن كان والعياذ بالله على خلاف ذلك فإن الله تعالى يضله ، ومن فوائد الآية الكريمة : الرد على من يقول : إن الله تعالى لا يوصف باسم التفضيل ، لأن اسم التفضيل يقتضي المشاركة من أين يؤخذ ؟ (( وهو أعلم بالمهتدين )) ، يقولون في هذه الآية وأمثالها : وهو عالم بالمهتدين ، وأيهما أكمل أن يقال : هو أعلم بالمهتدين أو هو عالم بالمهتدين ؟ الأول الذي هو أعلم ، لأن أعلم يدل على التفضيل ، وأنه أفضل العالمين بالعلم ، لكن عالم لا يمنع المشاركة ، يقال : زيد عالم وعمرو عالم وخالد عالم ، لكن يقول : زيد أعلم ، أيش يكون ؟ يكون يفضلهم بالعلم ، ثم إن اسم التفضيل الوارد في صفات الله لم يعلق بشيء ، ولم يقيد بشيء حتى يقال إنه يوهم النقص ، يعني : ما قال هو أعلم من كذا ، اللهم إلا في مقام التحدي ، بل يطلق فيقال : الله أعلم أما في مقام التحدي فقد يقارن بغيره ، مثل قوله تعالى : (( قل أأنتم أعلم أم الله )) ومثل قوله تعالى : (( آلله خير أما يشركون )) ، والمهم أن وصف الله تعالى باسم التفضيل لا محذور فيه إطلاقا ، بل إن تحويل اسم التفضيل إلى اسم الفاعل يعتبر نقصا في التفسير ، يقولون : أنه إذا ورد في القرآن ما كان أو لم يكن فهو للممتنع شرعا أو قدرا ، وكذلك ما ينبغي ، تكون للممتنع شرعا أو قدرا ، وهي خلاف المعمول في عبارات العلماء ، العلماء إذا قالوا لا ينبغي كذا أو ما ينبغي كذا ليس معناه أنه ممتنع ، بل إن الأفضل تركه ، لكن (( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا )) هذا ممتنع مستحيل (( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر )) مستحيل أن تدرك القمر (( وما علمناه الشعر وما ينبغي له )) ممتنع شرعا ، فالمهم أن ما ينبغي ولا ينبغي وما كان أو لم يكن في القرآن تدل على الشيء الممتنع إما شرعا وإما قدرا ، طيب (( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة )) هذا أيضا ممتنع قدرا ، يعني هو في الواقع ، وإلا فقد ينفكون عن الشرك بدون بينة ، لكنهم لا يمكن أن ينفكوا إلا ببينة ، وهو إشارة إلى أن البينة قد أتتهم ، ولهذا قال : (( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ))
قوله تعالى:(( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم )) وهي مكية فكيف أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأمه.؟
السائل : كيف نجمع بين هذا الحديث وهو مكي وبين استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل أن يستغفر لأمه بعد نزول الآية (( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى )) ... ؟ الشيخ : الأمر ظاهر ، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما علم أن الله خفف عن أبي طالب بشفاعته استأذن من الله عز وجل ما استغفر ، استأذن من الله أن يستغفر لها لعله يخفف عنها فلم يأذن له ، وهذا يدل أيضا على أنه لا اعتبار بالقرب ، وإلا لقال قائل : إن التخفيف عن أم الرسول أولى من التخفيف عن عمه ، لكن لم يكن لأمه ما كان لعمه أو ما كان من عمه.
من ختم له بلا إله إلا الله قلنا يرجى له الجنة فلماذا قلنا يرجى ولم نجزم مع أن نص الحديث (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).؟
السائل : ... من ختم له بلا إله إلا الله فيرجى أن يكون من أهل الجنة فلماذا قلنا يرجى ... ؟ الشيخ : هذا إذا حدثت الوفاة ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بل في القرآن الكريم (( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن )) فأما إذا عقلها وفهمها ووعاها تماما فإنه يُرجى أن يُختم له بخير ، وفي بعض ألفاظ الحديث ( كلمة أُحاج لك بها عند الله ) . السائل : ... من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ، لم لا نجزم ؟ ، ...هل لأن هذا غرغر ؟ الشيخ : هو الظاهر أن هذا أيس من الحياة مع أن أبا طالب عنده وعي الآن عنده وعي وإدراك وإحساس ولهذا يحاور هذان الرجلان ، وهو يقول : لولا أن تعيرني قريش ، نعم
السائل : ما معنى قوله : لأقررت بها عينك ؟ الشيخ : هذا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحب أن يسلم عمه وأن يقول : لا إله إلا الله ، ومعنى : أقررت بها عينك ، أي : حبستها عن البكاء ، لأنه مأخوذ من القر وهو البرودة ، ومعنى قرت عينه ليس معناه استقرت في مكانها بل معناها أنها حبس دمعها فلا تحزن وقول الناس الآن إذا قدم القادم : أقر الله عينك معناه : أدخل عليك السرور حتى لا ينزل الدمع من العين لأن العين إذا بردت ما ينزل منها الدمع ، لكن جواب أقر الله عينك عندنا ..