شرح قول المصنف : باب من الشرك : إرادة الإنسان بعمله الدنيا
الشيخ : ... ما يهتم به، يعني ... لغيره، ما يهتم به.
السائل : ...
الشيخ : أي نعم ... وربما لا يهمه بعد إطلاقا، نعم.
القارئ : " باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا، وقوله تعالى: (( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون )) ".
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى : " باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا " قوله " من " هذه للتبعيض، يعني: أن بعض الشرك إرادة الإنسان، وقوله " الدنيا " مفعول لإرادة، لأن إرادة مصدر مضاف إلى فاعله، إرادة الإنسان، وإذا عرفت المصدر المضاف إلى فاعله فحوله إلى فعل مقرون بأن يتبين لك، فمثلا إذا قلنا: باب من الشرك أن يريد الإنسان بعمله الدنيا، وش تطلع الإنسان؟
الطالب : فاعل.
الشيخ : فاعل، فحينئذٍ تكون إرادة مضافة إلى الفاعل، وتكون الدنيا مفعول به، فهذا إذا أردت أن تعرف المصدر هل هو مضاف إلى فاعله أو إلى مفعوله، فحوله إلى مضارع مقرون بأن يتبين لك نوعه.
وقوله: " باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا " هذا الباب مكرر مع ما قبله، أو هو نوع آخر مستقل، أو هو أعم مما قبله؟ فها هنا ثلاث احتمالات: هل هو مكرر مع ما قبله، أو هو أعم منه، أم هو نوع مستقل غير الأول؟ أفهمتم؟
أما كونه مكررا فهذا بعيد أن المؤلف يكتب ترجمتين متتاليتين بمعنى واحد. وأما كونه بعضا منه يعني أن الأول بعض من هذا ويكون هذا أعم فهذا محتمل. وأما كونه نوعا آخر مستقل فهو أيضا محتمل، ويبقى النظر في الترجيح بين كونه نوعا مستقلا، أو كونه أعم من الأول.
يظهر هذا بمعرفة الرياء ومعرفة حقيقة هذا الباب، يعني بمعرفة الحقيقة في البابين، المرائي ماذا يريد؟
الطالب : يريد الدنيا.
الشيخ : يريد الدنيا؟ يعني يريد مالا؟ لا، ما يريد مالا، يريد أن يمدح بالعبادة، فيقال: هو عابد، فهو إذن يريد أن يحمد على عبادته لله عز وجل، ما يريد أن الناس ينفعونه، لا يريد أن ينفعونه، ولا أن ينتفع بهم انتفاعا ماديا، لكنه يريد أن يمدحوه لعبادته لله، وعبادته لله تنفعهم ولا ما تنفعهم؟ ما تنفعهم. أما هنا أن يريد بعمله الدنيا، فإن الإنسان يتعبد لله مخلصا لله، ما يرائي الناس أبدا، ولا يريد أن يراه الناس ليمدحوه، لكنه يريد بعمله شيئا من الدنيا، يريد مالا، يريد مرتبة، يريد صحة وعافية في أهله وولده، نعم، وما أشبه ذلك، فهذا يريد أمرا ماديا محضا، مثاله: أذّن ليأخذ الراتب، صار إماما ليأخذ الراتب، ما قصده التقرب إلى الله عز وجل بهذا، لكن يريد المال، حج لغيره من أجل المال، هذا الذي أراد بعمله الدنيا، أراد مرتبة قرأ في هذه الكلية أو في هذه المدرسة من أجل أن ينال الشهادة ويكون في المرتبة السادسة أو السابعة أو الخامسة أو العاشرة أو المئة، المهم حسب المراتب، هذا أيضا أراد بعمله الدنيا، تقرب إلى الله وتعبد لله يريد أن يجزيه الله على عمله شيئا في الدنيا كمحبة الخلق له ودفع السوء عنه، وما أشبه ذلك، ما يريد الآخرة، يريد نفعا في الدنيا، لأن الأعمال الصالحة لها تأثير في الحياة الدنيا، فهو يريد ذلك (( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض )) فهو يريد هذه البركة الدنيوية فقط.
فتبين الآن الفرق بين الباب الأول وبين هذا الباب، والظاهر أنه قسيم له، يعني: أنه نوع مستقل، وليس قسما منه، ولا أنه أعم منه، هذا هو الظاهر.
ثم قال المؤلف: وقوله تعالى (( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها )) طيب، إرادة الدنيا نحن ذكرنا ثلاث صور: أن يريد المال، أن يريد المرتبة، أيش بعد ؟ أن يريد دفع الأمراض والآفات عنه، كل هذه من إرادة الإنسان بعمله الدنيا.
الطالب : أن يريد الجاه.
الشيخ : الجاه داخل في المرتبة، بقي أن يقال للذين يقرؤون في الكليات الآن ربما أوقعناهم في حرج، فيقولون: إذن ماذا نعمل؟ ومنهم من هو الآن على مشارف التخرج، فماذا نقول؟ نقول: إنهم يقصدون بذلك لا أن ينالوا هذه المرتبة الدنيوية، لكن أن ينالوا شهادة تخولهم للعمل في حقلهم، لأنه أصبحت الآن الأعمال كما تشاهدون مبنية على أيش؟ على الشهادات، ييجي واحد حامل البطاقة يمكن ما يعرف يقرأها، لكنه مكتوب عليها دال كاف تاء واو راء ألف هاء، خلاص ... يمكن أنه ما يعرف يقرأها، يحطه في المرتبة هذه، وييجي واحد عبقري عالم كيّس، لكن من أين تخرجت؟ قال: والله تخرجت من حلقات المساجد، انتظر نشوف إن احتجناك وإلا، إذن ماذا يصنعون الناس؟ يعني ما يمكن أن يتوصلوا إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوثيقة، فهم قد اتخذوها أيش؟ وسيلة من أجل أن يعملوا في الحقول النافعة للخلق، وبهذا الوجه تكون النية سليمة، هو يقول أنا ما يهمني أن أكون في المرتبة السابعة المالية أو الثامنة أو التاسعة مثلا، لكن يهمني أن أعمل في الحقل الذي تخولني إياه هذه البطاقة، يقولون إن الشنقيطي رحمه الله وهو عالم كما تعرفون يقول : " أنا لست ممن علمه في قارورة " وش هي القارورة؟
الطالب : الشهادة.
الشيخ : الشهادة يخلها في زجاجة في قارورة حتى ما يجيها لا صدا ولا مدا ولا ... طيب، نعم؟
السائل : ... أراد العلم لذاته ...
الشيخ : هذا طيب هذا طيب، هذا أيضا طيب، يعني: مثلا قد يقول أنا والله ما أجد هذا العلم في المساجد، وأنا أريد أن أتعلم، هذا طيب، هذا طيب، كلها سليمة يعني، لكن افرض أن بعض الناس يقول: إن العلم في الكليات ثمرته قليلة، يعني بركة العلم في المساجد فيما جربنا وفيما جربه غيرنا أفضل بكثير وأبرك وأنفع للقلب، فهو يقول: أنا أستطيع أني أحصل هذا العلم الذي في الكلية أو أكثر منه في المساجد، لكني أريد أن أصل إلى هذه المرتبة التي تخولني أن أعمل، أما إذا أراد العلم وقال أنا ربما لا أحصل على هذا العلم في المساجد فهذا ...
ما الفرق بين الرياء وإرادة الإنسان بعمله الدنيا ؟
الشيخ : أي، لكن ما أراد أن يمدحه الناس على تعبده لله، هو أراد العبادة خالصة لله ما أراد الخلق بها إطلاقا، لكن أراد أن يستنفع بها أمرا ماديا، فهو من حيث مراءاة الناس في عبادة الله ما أراد هذا، إنما هو يتعبد ولا يهمه الناس اطلعوا عليه أو ما اطلعوا، فهو ما يهمه مراءاة الناس إطلاقا.
السائل : طيب، هذا ما يماثل القسم الأول لما قسمنا الرياء؟ القسم الأول من الرياء أن يكون الباعث عليه
الشيخ : مراءاة الناس.
السائل : مراءاة الناس؟
الشيخ : أي.
السائل : وهذا شيء آخر من الدنيا.
الشيخ : لا بس ما يدخل في هذا.
السائل : أي، هو لا يدخل في الرياء لكن لا نقول إنه مختلف.
الشيخ : صحيح ما فيه إخلاص كامل، لأنه لا شك أنه من الشرك، لكنه ليس كشرك الرياء، شرك الرياء يشرك الإنسان بحيث أنه يريد من الناس أن يمدحوه على تقربه إلى الله، أما هذا فهو ما قصده في هذا الناس أو أن يمدح على التقرب، إنما أراد بهذه العبادة شيئا دنيئا في الحقيقة بالنسبة لغيره.
السائل : ما يقدح في إخلاصه؟
الشيخ : أي ما في شك أنه يقدح، إلا.
السائل : لكن أقل من الرياء ولا ؟
الشيخ : أقل أقل، أي نعم أقل من الرياء.
السائل : كون الإنسان يعمل لأجل ... إنسان يعمل في الدنيا يعبد الله عز وجل ... الصحة والعافية ... ، نوح عليه السلام لما دعا قومه قال: (( استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا )) الآيات فهذا يعني أمور دنيوية، يعني رغبهم فيها؟
الشيخ : أي، لكن قال إنه كان غفارا قبل الدنيوية، فوعدهم وبشرهم بمغفرة الله قبل أن يقول لهم هذا الشيء، وثانيا هو يخاطب كفارا، والكافر قد تكون المادة تجذبه أكثر، أي نعم، ولا شك نحن لا نقول أن الإنسان لا يريد هذا وهذا، لكنه إذا أراد بعمله هذا الشيء فقط، أما كونه يقول والله أنا أريد الحسنيين حسنى الدنيا وحسنى الآخرة، فهذا ما فيه شيء، لأن الله يقول: (( من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )) إلى آخره.
السائل : ... من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره
الشيخ : هذا أيضا من الترغيب في هذا الشيء، لكنه لا ينبغي أن يكون هذا هو الأصل الباعث.
بيان خطأ بعض الناس ممن يقصر فائدة العبادة على الفائدة الدنيوية .
السائل : ما هو الفرق بين طلب الخير في الدنيا والنوع هذا إرادة الإنسان؟
الشيخ : أي، طلب الخير في الدنيا بأسبابه الدنيوية لا بأس به، كالبيع والشراء.
السائل : ... الإنسان يدعو الله أن يرزقه المال والبنين.
الشيخ : معلوم ما في مانع.
السائل : كل هذا في الدنيا.
الشيخ : لكن لا يعبد الله بهذا السبب.
السائل : الدعاء نفسه أليس عبادة؟
الشيخ : بلى، لكن تدعو الله أن يعطيك هذا الشيء، إنما تصلي من أجل هذا الشيء، هذا لا شك أنها مرتبة نازلة جدا، مرتبة نازلة، مثلا اللي يصلي الصلاة من أسباب الرزق (( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى )) لو قال إنسان: أريد أن أصلي و... الصلاة علشان الرزق، قلنا: هذا لا ينبغي، صل لله عز وجل تقربا إليه والرزق يأتي فيما بعد.
أما المسائل الدنيوية التي وسائلها دنيوية فلا بأس أن الإنسان يبيع ويشتري ويؤجر ويستأجر ويحرث ويزرع يريد الدنيا.
السائل : فهي من الأسباب المشروعة في هذا الأمر نفسه.
الشيخ : أولا العبادات لا تجعل فيها نصيبا من الدنيا هو الأصل، لا شك أنه الأصل، العبادات، أما مسألة أنه يسعى في الدنيا بأسباب الدنيا فهذا لا أحد يمنع منه، هذا مشروع ما نقول للإنسان اقعد يأتيك رزقك.
شرح قول المصنف : قوله تعالى : (( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ))
الطالب : ما أعرف
الشيخ : ما تدري؟ مع أن ...
الطالب : لأنه فعل معتل الآخر.
الشيخ : ويكون مكسور ؟
الطالب : مجزوم.
الشيخ : جزم بحذف؟
الطالب : بحذف حرف العلة.
الشيخ : أي، صح، أصل نوفّ نوفّي، لكنه جواب الشرط من كان، فجزم بحذف الياء، واضح ؟
طيب، (( نوف إليهم أعمالهم فيها ))، نوفّ يعني نُوْفي لهم الأعمال التي يريدون يعطون إياها، ومن ذلك الكفار يريدون الحياة الدنيا وزينتها ولا يسعون إلا للدنيا وزينتها، ولذلك عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، قال الله تعالى: (( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها )) ولما بكى عمر حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد أثّر في جنبه الفراش، فقال: ( ما يبكيك ؟ قال يا رسول الله كسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من نعيم وأنت على هذا الحال؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولئك قوم عجل لهم طيباتهم ) هؤلاء وفاهم الله أعمالهم، ولكنه في الحقيقة ضرر عليهم، لأنهم إذا ماتوا انتقلوا من هذا النعيم فجأة إلى دار الجحيم والعياذ بالله، فصار هذا أشد وأعظم في فقد ما متعوا به في الدنيا.
وقوله (( وهم فيها لا يبخسون )) ما معنى البخس؟ النقص، يعني لا يبخسون مما يجازون به، لأن الله عز وجل عدل لا يظلم، فيعطون ما أرادوا، ولكن هل هذه الآية على عمومها؟ لا، هذه الآية خصت بقوله تعالى: (( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا )) شف من كان يريد العاجلة، ما هي العاجلة؟ الدنيا، (( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد )) إذن الآية التي معنا على عمومها، ولا لأ؟
الطالب : على عمومها.
الشيخ : التي معنا في الأصل؟ في الكتاب؟ ليست على عمومها، بل هي مخصوصة بتلك الآية. فإذا قال قائل: لماذا لا تجعلون هذه الآية حاكمة على تلك، فيكون الله تعالى بالأول وعد من كان يريد العاجلة بأنه يعجل له فيها ما يشاء لمن يريد، ثم بعد ذلك وعده بأن يعطيه ما شاء؟ قلنا: هذا لا يستقيم لسببين، السبب الأول: أن القاعدة الشرعية، بل الجادة المستمرة في النصوص أن الأخص مقدم على الأعم، يخصصه، وهذه الآية عامة بلا شك، أن كل من أراد الحياة الدنيا أيش؟ وفّي إليه العمل وأعطي بدون نقص، وتلك آية الإسراء مقيدة ولا لأ؟
الطالب : مقيدة.
الشيخ : نعم، عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، ولا يمكن أن يحكم بالأعم على الأخص. السبب الثاني: أن الواقع يشهد لما تدل عليه آية الإسراء، توافقونني؟
الطالب : نعم.
الشيخ : كيف؟
الطالب : لأن الكفار بعضهم.
الشيخ : لأن الكفار فيهم أفقر من أفقر المسلمين، ولا لأ؟ ولهذا يقولون في الرجل الفقير المسلم اللي ما يصلي مثلا يقولون هذا مثل فقر النصارى، لا دين ولا دنيا، فقر النصارى الفقير، هذه عبارة العامة فقر يعني فقير النصارى، لا دين ولا دنيا، فإذن يكون عموم هذه الآية مخصوصا بآية الإسراء، أن الأمر موكول إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى حين يريده.
(( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار )) (( أولئك )) المشار إليه من ؟ الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، ليس لهم في الآخرة إلا النار، شف هذه فيها حصر، أيش طريقه ؟ النفي والإثبات، (( ليس لهم )) نفي (( إلا النار )) إثبات، ومعنى ذلك أنهم لن يدخلوا الجنة، لأن الذي ليس له إلا النار محروم من الجنة والعياذ بالله.
(( وحبط ما صنعوا فيها )) حبط أيش معنى الحبوط؟ الحبوط بمعنى الزوال والترك، يعني: أنه زال عنهم ما صنعوا في الدنيا (( وباطل ما كانوا يعملون )) وباطل وش تعربون باطل؟
الطالب : ...
الشيخ : أو خبر مقدم؟ خبر مقدم، يعني: وما كانوا يعملون باطل، وتقديم الخبر هنا واضح، لأجل مراعاة الفواصل في الآيات. إذن بين الله عز وجل أن هؤلاء ليس لهم في الآخرة إلا النار، وأن ما صنعوا في الدنيا حبط، وأن أعمالهم باطلة، كل ما صنعوه في الدنيا من زينتها من قصور وغيرها كله حبط وزال، ولم ينتفعوا به، وأعمالهم ما لها نتيجة ولا ثمرة باقية
بعد هذا التقرير فيمن نزلت هذه الآيات؟ قولوا فيمن نزلت؟ في المؤمنين؟ في الكافرين؟
الطالب : في الكفار.
الشيخ : إذا تأملت الآيات وجدت أنها نازلة في الكفار، أهل مكة وغيرهم، في كل كافر، لأن الكافر والعياذ بالله ما يريد إلا الحياة الدنيا، الكافر لا يريد إلا الحياة الدنيا، فإذا قلنا إنها نازلة في الكفار كما يدل عليه سياق الآية والجزاء المرتب على هذا، فما هو مناسبتها للترجمة؟ مناسبتها أنه إذا كان هذا عمل الكافرين، إذا كان عمل الكافرين يراد به الدنيا، فكل من شاركهم في ذلك ففيه شيء من شركهم وكفرهم، كل من شاركهم في شيء من ذلك ففيه شيء من شركهم وكفرهم، فيكون هذا وجه مناسبتها. وقال بعض المفسرين: إنها نزلت في المرائين الذين يعملون الرياء، لأنهم لا يعملونه إلا للدنيا، فلا ينفعهم يوم القيامة، وقيل: نزلت فيمن يريد مالا بعمله الصالح، ولكن سياق الآية يدل على القول الأول أنها نزلت في الكافرين، ولكن من شاركهم في شيء من إراداتهم كان له نصيب من وصفهم من الشرك الذي كانوا عليه.
وفي الصحيح عن أبي هريرة، نعم.
السائل : ... أنها آية الإسراء ...
الشيخ : أي، النسخ هنا المراد به التخصيص، هذا تعبير الأولين يسمون التخصيص نسخا، لأنها نسخت العموم.
السائل : ...
الشيخ : أي نعم، ما فيها شك، هاه؟
السائل : الحبوط يا شيخ يأتي بمعنى الفساد هنا؟
الشيخ : الأقرب أنه الزوال وعدم الانتفاع به، لأن باطل هو اللي بمعنى الفاسد الذي لا ينفعه.
4 - شرح قول المصنف : قوله تعالى : (( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون )) أستمع حفظ
هل حب الدنيا يؤثر على الآخرة ؟
الشيخ : لا، هو من طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان من طبيعته حب المال، لكن هل يؤثره على طاعة الله ولا لأ ؟ هذا هو المحك، لأن الإنسان لو فرض إنسان ما يحب المال، ويشتغل بطاعة الله ما يمكن مثل الإنسان اللي يحب المال، لكن يمنع نفسه من المحرم خوفا من الله عز وجل (( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا )) هذا وصف للإنسان من حيث هو إنسان، لكن قد يوجد في الإنسان من الإيمان ما يمنعه عن الظلم ويكون معه من العلم ما يرفع عنه وصف الجهل، نعم.
السائل : بالنسبة ...
الشيخ : لا، ما هو صحيح، يعني يقول إن الطيبات الآن يعني كأنه يريد أن يقول: أن الناس الآن بمنزلة الكافرين، لأن هذا طيبات وكذا وكذا، لا لا غلط.
شرح قول المصنف : وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الخميلة ، إن أعطى رضى ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس . وإذا شيك فلا انتقش .
يقال تَعِس ويقال تَعَس، ومعناه الخيبة، تعس يعني خاب، ولا مانع أن نقول: خاب وهلك.
وقوله: (( عبد الدينار )) أضافه إلى الدينار لأن الدينار هو النقد من الذهب، والدينار الإسلامي قيمته كم؟ مثقال، قيمته مثقال، وأضافه إلى الدينار لكونه جعله بمنزلة الرب، فأحبه حبا وصار لا ينظر ..
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضى ) إلى آخره.
هذا الحديث أراد به المؤلف رحمه الله في هذا الباب أن يبين أن من الناس من يعبد الدنيا، يعني: يتذلل لها ويخضع لها فتكون هي غايته ومناه، فيغضب إذا فقدت، ويرضى إذا وجدت، ولهذا سمى النبي عليه الصلاة والسلام من هذا شأنه سماه عبدا لها، فقال: ( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم ) وهذا الذي يعتني بجمع المال، ( تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة )، هذا الذي يعتني بمظهره وأثاثه، إذ ليس له هم إلا هذا الأمر، فإذا كان هذا عابدا لهذه الأمور، لأنه خصص له جهوده وصرف له همته، فكيف بمن أراد بالعمل الصالح شيئا من الدنيا، فجعل الدين وسيلة للدنيا، يكون هذا أعظم وأشد.
ثم قال مبينا لوجه كونه عابدا لها ( إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط ) إن أعطي يحتمل أن يكون هذا إعطاء الله فيكون الإعطاء هنا قدريا، يعني: إن قدر الله له الرزق والعطاء رضي عن الله واطمأن وانشرح صدره، وإن منع وحرم المال فإنه يسخط بقلبه وربما يسخط بقوله، لماذا أنا كنت فقيرا وهذا الرجل غنيا وما أشبه ذلك، فيكون ساخطا على قضاء الله وقدره، لأنه سبحانه وتعالى منعه.
وليُعلم أن الله تعالى قد يعطي لحكمة وقد يمنع لحكمة، وهو سبحانه وتعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكن لا يعطي الدين إلا من يحب، والواجب على المؤمن حقا أن يرضى بقضاء الله، إن أعطي شكر وإن منع صبر، ولا يكون من الذين إذا منعوا سخطوا وغضبوا.
ويحتمل أن يكون الإعطاء هنا يراد به الإعطاء الشرعي، فالمعنى أنه إذا أعطي مما يستحق إعطاءه من الأموال الشرعية رضي واطمأن، وإن لم يعط سخط. وكلا المعنيين حق، وكلتا الحالين تدل على أن هذا الرجل لا يرضى إلا بمال ولا يسخط إلا لمال، فلهذا سماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبدا له.
ثم قال: ( تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ) تعس بمعنى خسر وهلك، وانتكس يعني انتكست عليه الأمور بحيث لا تتيسر له، فكلما أراد شيئا انقلب عليه الأمر على خلاف ما يريد، ولهذا قال: ( إذا شيك ) أي أصابته شوكة، ( فلا انتقش ) أي: لم يستطع أن يزيل ما يؤذيه عن نفسه. وهذه الجمل الثلاث ( تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش ) يحتمل أن تكون خبرا يخبر به النبي عليه الصلاة والسلام عن حال هذا الرجل بأنه في تعاسة وانتكاس وعدم خلاص من الأذى، ويحتمل أن يكون من باب الدعاء، بأن الرسول عليه الصلاة والسلام دعا على من هذه حاله لا يهتم إلا للدنيا دعا عليه أن يهلك ولا يصيب من الدنيا شيئا، وأن ينتكس بحيث لا يتمكن من إزالة ما يؤذيه، نعم؟
السائل : ...
الشيخ : قد يصل إلى الشرك، أو قد يصل إلى الشرك، إذا صده ذلك عن طاعة الله حتى أصبح لا يرضى إلا بمال ولا يسخط إلا له فقد يصل إلى الشرك، نعم.
السائل : ...
الشيخ : ما في دليل على الشرك، لأن الشيء قد يكون عبدا بمعنى التذلل لهذا الشيء، كونه يكون مبلغ علمه ومنتهى غايته.
6 - شرح قول المصنف : وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد الخميلة ، إن أعطى رضى ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس . وإذا شيك فلا انتقش . أستمع حفظ
شرح قول المصنف :وقوله (......طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه . إن كان في الحراسة كان في الحراسة . وإن كان في الساقة كان في الساقة .......
قال: ( أشعث رأسه مغبرة قدماه ) أشعث رأسه يعني أن رأسه أشعث من الغبار في سبيل الله، فهو رجل لا يهتم ببدنه، ولا يهتم بحاله ما دام هذا الأمر ناتجا عن طاعة الله عز وجل، وكذلك مغبرة قدماه من السير في سبيل الله، وهو دليل على أن الرجل أهم شيء عنده هو الجهاد، أما أن يكون شعره نظيفا أو ثوبه نظيفا أو فراشه نظيفا فهذا ليس له هم فيه، ولهذا قال: ( إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة ) الحراسة والساقة ليست مقدم الجيش، فالحراسة الإنسان يحرس الجيش، والساقة أن يكون في مؤخره، وهاتان الجملتان لهما معنيان، المعنى الأول: أنه لا يبالي أين وُضِع إن كان في الحراسة وقيل له احرس حرس، وإن كان في الساقة وقيل كن في الساقة كان في الساقة، ما يقول: أنا ... الرجل، مرتبتي أعلى من هذا المحل، اجعلوني في المقدم أو ما أشبه ذلك، لا، يكون حيث وضع ولا يبالي. ويحتمل أن يكون المعنى: إن كان في الحراسة فإنه يكون في الحراسة بمعنى أنه يحرس ويؤدي حق الحراسة، وكذلك إن كان في الساقة. والحديث صالح للمعنيين، وكلاهما صحيح ولا ينافي أحدهما الآخر، فيجب أن يحمل عليهما جميعا.
7 - شرح قول المصنف :وقوله (......طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه . إن كان في الحراسة كان في الحراسة . وإن كان في الساقة كان في الساقة ....... أستمع حفظ
شرح قول المصنف :وقوله (......إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع ) .
ويستفاد منه أيضا: بيان أن هذا الذي ليس له هم إلا الدنيا قد تنقلب عليه الأمور، وتنعكس عليه، ولا يستطيع الخلاص من أدنى أذية، وهي الشوكة يشاكها، ما يستطيع الخلاص منها، بخلاف الإنسان الحازم الذي لا يهتم بالدنيا وإنما يريد الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، فهذا هو الذي يقنعه الله بما قدر له.
ويستفاد من هذا الحديث أنه ينبغي للمجاهد في سبيل الله أن لا يكون همه المراتب الدنيوية، بل يكون همه القيام بما يجب، إما حارسا، وإما في الساقة، وإما في القلب، وإما في المجنبتين، المهم أن يكون حيث وضع حسب ما تقتضيه المصلحة.
ويستفاد من هذا الحديث أن دنو مرتبة الإنسان بالمال لا تستلزم أن يكون داني المرتبة عند الله عز وجل، فمثل هذا الرجل الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام طوبى له هو إن شفع لم يشفع، وإن استأذن لم يؤذن له، ولم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام إن سأل لم يعط، لأن هذا الرجل لا يبالي، لا تهمه الدنيا حتى يسألها، لكنه يهمه الخير، يشفع للناس ولكن لا يشفع، ويستأذن للدخول على ذوي السلطة للمصالح العامة ومع ذلك لا يؤذن له.
شرح قول المصنف : فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود. الثالثة: تسمية الإنسان المسلم: عبد الدينار والدرهم والخميصة. الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط. الخامسة: قوله (تعس وانتكس). السادسة: قوله: (وإذا شيك فلا انتقش). السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
الشيخ : يعني يقول إن هذا من الشرك، كونه يريد الدنيا بعمل الآخرة حيث جعل عمل الآخرة وسيلة لعمل الدنيا، ومعلوم أن من كان كذلك فإنه سوف يطغى على قلبه حب الدنيا حتى يقدمها على الآخرة، نعم.
القارئ : " الثانية: تفسير آية هود "
الشيخ : (( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار )) وقد سبق الكلام عليها.
القارئ : " الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة والخميلة "
الشيخ : يعني والخميلة، قال: " تسمية الإنسان المسلم عبدا "، وهذه العبودية لا تقتضي الشرك، ما لم يصل بها إلى حد الشرك، إنما هي نوع من الشرك، لأنه جعل في قلبه محبة زاحمت محبة الله عز وجل، كمحبة أعمال الآخرة، فكان في هذا نوع من الشرك وعبادة غير الله عز وجل.
القارئ : " الرابعة: تفسير ذلك بأنه إذا أعطي رضي، وإن لم يعط سخط ".
الشيخ : نعم هذا تفسير ...، قال: ( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة ) ثم قال: ( إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط ) وهذه هي العلامة على عبوديته لهذه الأشياء، أن يكون رضاه وسخطه تابعا لها.
القارئ : " الخامسة: قوله ( تعس وانتكس ) ".
الشيخ : نعم.
القارئ : " السادسة: قوله ( وإذا شيك فلا انتقش ) ".
الشيخ : تقدم لنا أن هذه الجمل الثلاث يحتمل أن تكون خبرا، وأن تكون للدعاء، نعم.
القارئ : " السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات ".
الشيخ : لقوله ( طوبى لعبد أخذ ) فإن هذا يدل على الثناء عليه، وعلى أنه هو الذي يستحق أن يحمد ويمدح لا أصحاب الدراهم والدنانير وأصحاب الثياب وأصحاب الفرش وأصحاب المراكب، وإنما يثنى على مثل هذا الرجل.
9 - شرح قول المصنف : فيه مسائل: الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة. الثانية: تفسير آية هود. الثالثة: تسمية الإنسان المسلم: عبد الدينار والدرهم والخميصة. الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط. الخامسة: قوله (تعس وانتكس). السادسة: قوله: (وإذا شيك فلا انتقش). السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. أستمع حفظ