التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم-27a
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
اقتضاء الصراط المستقيم
الحجم ( 5.59 ميغابايت )
التنزيل ( 633 )
الإستماع ( 24 )


3 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " ويدخل في هذا : ما يفعل بمصر ، عند قبر نفيسة وغيرها . وما يفعل بالعراق عند القبر الذي يقال إنه قبر علي رضي الله عنه ، وقبر الحسين ، وحذيفة بن اليمان ، وسلمان الفارسي . وقبر موسى بن جعفر ، ومحمد بن علي الجواد ببغداد . وعند قبر أحمد بن حنبل ، ومعروف الكرخي . وغيرهما وما يفعل عند قبر أبي يزيد البسطامي . وكان يفعل نحو ذلك بحران ، عند قبر يسمى قبر الأنصاري ، إلى قبور كثيرة ، في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها . كما أنهم بنوا على كثير منها مساجد وبعضها مغصوب ، كما بنوا على قبر أبي حنيفة والشافعي وغيرهم . وهؤلاء الفضلاء من الأئمة ، إنما ينبغي محبتهم واتباعهم ، وإحياء ما أحيوه من الدين ، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة والرضوان ، ونحو ذلك . فأما اتخاذ قبورهم أعيادا ، فهو مما حرمه الله ورسوله واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين ، أو الاجتماع العام عندها في وقت معين ، هو اتخاذها عيدا ، كما تقدم . ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم في ذلك خلافا . ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة ، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين ، الذين أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه كائن في هذه الأمة . وأصل ذلك : إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها ، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلوب انمحى ذلك كله ، فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حراما ، كالصلاة عندها وأولى ، وكان ذلك فتنة للخلق ، وفتحا لباب الشرك ، وإغلاقا لباب الإيمان . أستمع حفظ

4 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " فصل: قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها مساجد وعن الصلاة عندها ، وعن اتخاذها عيدا ، وأنه دعا الله أن لا يتخذ قبره وثنا يعبد . وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيدا هو : اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك ، وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها ، والأمر بالسلام عليها والدعاء لها . وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها ، من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء ، أو الدعاء ضمنا وتبعا . وتمام الكلام في ذلك ، بذكر سائر العبادات ، فالقول فيها جميعا كالقول في الدعاء ، فليس في ذكر الله هناك ، أو القراءة عند القبر ، أو الصيام عنده ، أو الذبح عنده ، فضل على غيره من البقاع ، ولا قصد ذلك عند القبور مستحبا . وما علمت أحدا من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك ، أو الصيام أو القراءة ، أفضل منه في غير تلك البقعة . أستمع حفظ

5 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " فأما ما يذكره بعض الناس، من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن ، بخلاف ما إذا قرئ في مكان آخر - فهذا إذا عني به أن يصل الثواب إليه ، إذا قرئ عند القبر خاصة ، فليس عليه أحد من أهل العلم المعروفين ، بل الناس على قولين : أحدهما : أن ثواب العبادات البدنية : من الصلاة والقراءة وغيرهما ، يصل إلى الميت ، كما يصل إليه ثواب العبادات المالية بالإجماع . وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما ، وقول طائفة من أصحاب الشافعي ، ومالك . وهو الصواب لأدلة كثيرة ، ذكرناها في غير هذا الموضع . والثاني : أن ثواب البدنية لا يصل إليه بحال ، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي ومالك . وما من أحد من هؤلاء يخص مكانا بالوصول أو عدمه ، فأما استماع الميت للأصوات ، من القراءة أو غيرها - فحق . لكن الميت ما بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله هو بعد الموت من استماع أو غيره ، وإنما ينعم أو يعذب بما كان عمله هو ، أو بما يعمل عليه بعد الموت من أثره ، أو بما يعامل به . كما قد اختلف في تعذيبه بالنياحة عليه ، وكما ينعم بما يهدى إليه ، وكما ينعم بالدعاء له وإهداء العبادات المالية بالإجماع . وكذلك ذكر طائفة من العلماء ، من أصحاب أحمد وغيرهم ، ونقلوه عن أحمد ، وذكروا فيه آثارا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي ، فقد يقال أيضا : إنه ينعم بما يسمعه من قراءة وذكر . وهذا - لو صح - لم يوجب استحباب القراءة عنده ، فإن ذلك لو كان مشروعا لسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ، وذلك لأن هذا ، وإن كان من نوع مصلحة ، ففيه مفسدة راجحة ، كما في الصلاة عنده ، وتنعم الميت بالدعاء له ، والاستغفار والصدقة عنه ، وغير ذلك من العبادات : يحصل له به من النفع أعظم من ذلك ، وهو مشروع ولا مفسدة فيه ، ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده ، إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام ، أن ذلك ليس مما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته . أستمع حفظ

6 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " لكن اختلفوا في القراءة عند القبور : هل تكره ، أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة ، وفيها ثلاث روايات عن أحمد : إحداها أن ذلك لا بأس به . وهي اختيار الخلال وصاحبه ، وأكثر المتأخرين من أصحابه . وقالوا : هي الرواية المتأخرة عن أحمد ، وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة ، واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح البقرة ، وخواتيمها . ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة . والثانية : أن ذلك مكروه . حتى اختلف هؤلاء : هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صلي عليها في المقبرة؟ وفيه عن أحمد روايتان ، وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه ، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه ، كعبد الوهاب الوراق ، وأبي بكر المروزي ، ونحوهما ، وهي مذهب جمهور السلف ، كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم ، ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام ، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة . وقال مالك : " ما علمت أحدًا يفعل ذلك " ، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه . والثالثة : أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها ، كما نقل عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وبعض المهاجرين ، وأما القراءة بعد ذلك - مثل الذين ينتابون القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه ، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا . وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها ، لما فيها من التوفيق بين الدلائل . والذين كرهوا القراءة عند القبر ، كرهها بعضهم، وإن لم يقصد القراءة هناك ، كما تكره الصلاة ، فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك . أستمع حفظ

13 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " والذين كرهوا القراءة عند القبر ، كرهها بعضهم، وإن لم يقصد القراءة هناك ، كما تكره الصلاة ، فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك . ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر ، ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا ، وما يفعل لأجل القبر ، بين كما تقدم . والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم ، فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن ، وأنها رزق لحفاظ القرآن ، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته ، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين ، كما يحفظ بقراءة الفاجر وجهاد الفاجر ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " . وبسط الكلام في الوقوف وشروطها ، قد ذكر في موضع آخر ، وليس هو المقصود هنا . فأما ذكر الله هناك فلا يكره ، لكن قصد البقعة للذكر هناك بدعة مكروهة ، فإنه نوع من اتخاذها عيدا ، وكذلك قصدها للصيام عندها . ومن رخص في القراءة فإنه لا يرخص في اتخاذها عيدا ، مثل أن يجعل له وقت معلوم ، يعتاد فيه القراءة هناك ، أو يجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك ، كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك ، لا يرخص في اتخاذه عيدا كذلك كما تقدم . أستمع حفظ

14 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " وأما الذبح هناك فمنهي عنه مطلقا ، ذكره أصحابنا وغيرهم . لما روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا عقر في الإسلام " . رواه أحمد وأبو داود ، وزاد : قال عبد الرزاق : " كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة " قال أحمد في رواية المروزي : " قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا عقر في الإسلام " كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وكره أبو عبد الله أكل لحمه . قال أصحابنا : وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه . فهذه أنواع العبادات البدنية ، أو المالية ، أو المركبة منهما . أستمع حفظ

15 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " فصل: ومن المحرمات : العكوف عند القبر والمجاورة عنده ، وسدانته ، وتعليق الستور عليه ، كأنه بيت الله الكعبة . فإنا قد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة ، محرم بدلالة السنة ، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد ، والعكوف فيه كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم أن العكوف فيه أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام ، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ، والذين آمنوا أشد حبا لله . بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله ، أعظم عند المقابريين من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان . وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس ، حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور - إما قبر لنبي ، أو شيخ ، أو بعض أهل البيت - أفضل من حج البيت الحرام ، ويسمي زيارتها : الحج الأكبر ، ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من حج البيت . وبعضهم إذا وصل المدينة رجع وظن أنه حصل له المقصود . وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور لأجل الدعاء عندها والتوسل بها ، وسؤال الميت ودعائه . ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة ، ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه ، والمقصود بزيارة القبور الدعاء لها ، كما يقصد بالصلاة على الميت ؛ لزال هذا عن قلوبهم . ولهذا ، كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب ، كما يسأل ربه ، فيقول : اغفر لي وارحمني ، وتب علي ، ونحو ذلك . وكثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به ، ويكون ذلك شيطانا قد خاطبه ، كما تفعل الشياطين بعبدة الأصنام وأعظم من ذلك : قصد الدعاء عنده والنذر له ، أو للسدنة العاكفين عليه ، أو المجاورين عنده ، من أقاربه أو غيرهم ، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة ، أو كشف البلاء . فإنا قد بينا بقول الصادق المصدوق : أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير ، وأن الله لم يجعله سببا لدرك الحاجة ، كما جعل الدعاء سببا لذلك ، فكيف نذر المعصية ، الذي لا يجوز الوفاء به؟ أستمع حفظ

16 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " واعلم أن أهل القبور من الأنبياء والصالحين ، المدفونين ، يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة ، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما يفعل النصارى به ، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع ، فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادا وأوثانا فيه غض من أصحابها ، بل هو من باب إكرامهم ، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن ، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته ، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه . ومن كرامة الأنبياء والصالحين ، أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح ، ليكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء " . وإنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس ، بأنواع من العبادات المبتدعة : إما من الأدعية ، وإما من الأشعار وإما من السماعات ، ونحو ذلك لإعراضهم عن المشروع ، أو بعضه - أعني لإعراض قلوبهم - وإن قاموا بصورة المشروع ، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه ، عاقلا لما اشتملت عليه من الكلم الطيب ، والعمل الصالح مهتما بها كل الاهتمام - أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها . ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله ، وتدبره بقلبه ، وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره . ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته ، كالأسحار ، وأدبار الصلوات والسجود ، ونحو ذلك ، أغناه عن كل دعاء مبتدع ، في ذاته أو بعض صفاته . فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك ، ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن ، فإنه من يتحر الخير يعطه ، ومن يتوق الشر يوقه . أستمع حفظ

17 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " فصل: فأما مقامات الأنبياء والصالحين ، وهي الأمكنة التي قاموا فيها ، أو أقاموا ، أو عبدوا الله سبحانه ، لكنهم لم يتخذوها مساجد ؛ فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين : أحدهما : النهي عن ذلك وكراهته ، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة ، إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع ، مثل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم ، وكما كان يتحرى الصلاة عند الأصطوانة ، وكما يقصد المساجد للصلاة ، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك . والقول الثاني : أنه لا بأس باليسير من ذلك ، كما نقل عن ابن عمر : أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد سلكها اتفاقا لا قصدا . قال سندي الخواتيمي : سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد ، ويذهب إليها ، ترى ذلك؟ قال : أما على حديث ابن أم مكتوم : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى . وعلى ما كان يفعله ابن عمر ، يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره ، فليس بذلك بأس ، أن يأتي الرجل المشاهد ، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا ، وأكثروا فيه " . وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم : أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة ، وغيرها ، يذهب إليها؟ فقال : " أما على " حديث ابن أم مكتوم : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجدا " ، وعلى ما كان يفعل ابن عمر رضي الله عنه : كان يتتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى رئي أنه يصب في موضع ماء ، فيسأل عن ذلك . فقال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب هاهنا ماء ، قال : أما على هذا فلا بأس " . قال : ورخص فيه ، ثم قال : " ولكن قد أفرط الناس جدا ، وأكثروا في هذا المعنى ، فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده . رواهما الخلال في كتاب الأدب . فقد فصل أبو عبد الله رحمه الله في المشاهد ، وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين ، من غير أن تكون مساجد لهم ، كمواضع بالمدينة ، بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا ، والكثير الذي يتخذونه عيدا ، كما تقدم . وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة ، فإنه قد روى البخاري في صحيحه ، عن موسى بن عقبة قال : " رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق ، ويصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها ، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة " قال موسى : " وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة " فهذا كما رخص فيه أحمد رضي الله عنه . وأما ما كرهه : فروى سعيد بن منصور في سننه ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن معرور بن سويد ، " عن عمر رضي الله عنه قال : خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر بـ { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } و { لإيلاف قريشٍ } في الثانية ، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال : ما هذا؟ قالوا : مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم : اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا ، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض " فقد كره عمر رضي الله عنه اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم عيدا ، وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا . وفي رواية عنه: " أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال : أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين ، مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم يصلون فيه فقال : إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا ، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا ، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ، ومن لا فليمض ولا يتعمدها " . أستمع حفظ